04‏/08‏/2008

Ingmar Bergman

سيبقى بيرغمان في الجميع : المجهول والغامض والمنتصر

لا يتذكر أي كاتب سيرة أو ناقد سينمائي أو قارئ عدد الألقاب التي حصل عليها أنجمار بيرغمان، لكنهم جميعا يتفقون على أنه واحد من السادة الكبار الذين أسسوا السينما الحديثة إلى جانب اكيرا كوروساوا وفيدريكو فيلليني اللذين سبقاه في الرحيل، كما دعاه وودي ألين مرة بأنه 'فنان السينما الأعظم'.التحق بالكبيرين في العالم الآخر الذي كان محور أعماله هذا الرجل الاستثنائي الذي تقاعد وانسحب من الحياة العملية والعامة منذ عام 2003 وهو يقترب وئيدا نحو التسعين في بيته المنعزل في الجزيرة البلطيقية المقفرة فارو التابعة للسويد التي ولد فيها، كما أخبرت عن رحيله لوسائل الإعلام ابنته إيفا المتحدثة باسم أطفاله التسعة وأفلامه الثمانين. (تزوج للمرة الخامسة والأخيرة بالممثلة انغريد بيرغمان وقضى مع كل زوجة خمس سنوات لكنه عاش مع السيدة انغريد فون روسين 23 سنة حتى توفيت عام 1995 بعد معاناتها من السرطان وأطفاله التسعة من هذه الزيجات).



كالضوء سأنطفئ فلا تنهمكوا كثيرا في ذلك

ولد ارنست انجمار بيرغمان من رجل دين لوثري (اريك) الذي أصبح قسيسا للعائلة المالكة السويدية وربة بيت (كارين) في 14 يوليو 1918 ونما مع أخ وأخت في عائلة محافظة بشكل صارم وصفها في سيرته الذاتية 'المصباح السحري' والفيلم التلفزيوني عن حياته 'طفل الأحد' أو 'اعترافات خاصة' الذي أخرجه ابنه دانيال.التحق بجامعة ستوكهولم عام 1937 لدراسة تاريخ الأدب، لكنه في الحقيقة قضى معظم وقته في مسرح الهواة، لذلك ترك الجامعة ليعمل في المسرح والسينما مقسما وقته بينهما مطلع الأربعينات حتى ترأس المسرح البلدي في المدينة السويدية الصغيرة الواقعة جنوب البلاد ايسلنبورغ عام 1944 ثم انتقل إلى مالمو بالمنصب نفسه عام 1952.

Documentary on Ingmar Bergman

الصعب للغاية
اقترب في أفلامه من المواضيع الصعبة كالطاعون والجنون وأحاطت رؤيته الغم الخانق لليالي الشتاء الطويلة والفرح اللطيف لأمسيات الصيف المتألقة والروعة الكئيبة للجزيرة حيث قضى سنواته الأخيرة. ويعد أحد أهم صناع السينما الجادة والعميقة والشائكة الصعوبة.لابد أن أهل السينما يعيشون صدمة هذه الأيام، فهؤلاء الثلاثة المذكورون لا يستطيع أحد تعويضهم، فهناك بيرغمان واحد، الرجل الذي تمنح الأكاديمية الفرنسية للسينما دكتوراه في الفن عن أطروحة تحلل خمس دقائق فحسب من فيلم له، وهو الذي قال عنه مدير مهرجان كان السينمائي جلز يعقوب بأنه أثبت أن السينما يمكن أن تكون عميقة كالأدب. لفت الانتباه إليه منذ عام 1955 بشريطه الفظيع التجريبية 'ابتسامات ليلة صيف' الذي كان كوميديا رومانسية ألهمت المسرحية الموسيقية لستيفن سونديم : 'أي موسيقية ليلية' لغاية آخر فيلم صوره لمصلحة التلفزيون السويدي ساراباند عام 2003 حيث بدأ التصوير خريف 2002 وعمره 84 عاما واعتمد على الممثلين الرئيسيين في فيلمه التلفزيوني 'مشاهد زواج' الذي أطلقه 'شعبيا'.ارتبط بأعماله الممثل السويدي ماكس فون مباشرة بعد عرض فيلم 'الختم السابع' عام 1957 الذي عبر مجازا عن سنوات الطاعون في القرون الوسطى والذي ضمنه أكثر المشاهد شهرة في تاريخ السينما. عمل بيرغمان كثيرا في مسارح السويد منذ منتصف الأربعينات بما في ذلك المسرح الملكي السويدي البالغ الإثارة لغاية ترأسه له في الفترة 1963 ـ 1966.غير أنه جلب تسعة من عشرة مشاهدين إلى فيلمه القاسي والدقيق 'مشاهد زواج' المنتج عام 1973 بتفاصيله الحادة عن مراحل تفكك حالة زواج وكذلك فيلمه الأخف المنتج في السنة التالية 'الناي السحري' المستند إلى أوبرا موزارت بعين فتاة تراقب هذه الأوبرا مدعما الشريط ببعض المشاهد الطريفة.
In Memory Of Ingmar Bergman

معاركه مع الشياطين
وصف بيرغمان حياته بأنها 'معركة ضارية ضد الشياطين' وانعكست هذه المعركة في كل أعماله تقريبا مع الموت الذي كان يكرهه فلازمه كحالة عقلية ونفسية تواجه الإنسان في صراعه من أجل الحياة. وثمة من وصف علاقته الفنية هذه بأن: 'الشياطين أوصلته أحيانا إلى الفن العظيم' كما في فيلم 'نداءات وهمسات' عندما يفرك عصارة الأدب في السينما بنداءات امرأة تحتضر بصوتها المتحشرج الذي ينأى إلى مسامع حبيبها: 'أنا ميتة، لكني لا أستطيع تركك'. هذا الشريط رشح لعدة جوائز كأفضل صورة سينمائية لعام ،1973 وتظهر الشياطين في فيلمه 'ساعة ولف' حيث يقدم فنانا مصابا بكابوس يقابل شياطين في جزيرة وحيدة و'الختم السابع' الذي يلاعب فيه فارس الشطرنج مع الموت.

In ricordo di Ingmar Bergman
منفى طوعي
نفى نفسه طوعيا إلى ألمانيا عام 1976 لكي يحرج السلطات السويدية التي تشاجر معها طويلا بسبب حزمها الزائد عن الحد معه الذي وصل إلى الاستجواب الطويل بسبب الضرائب، وأدى تعثر خفقان قلبه بسبب واحد من هذه المصادمات إلى دخول المستشفى وإحداث ضجة عالمية تؤازره، غير أنه عاد بعد تسع سنوات إلى ستوكهولم قلعته المسرحية القديمة وبداياته كمساعد كاتب سيناريو في قسم المخطوطات بدار السينما السويدية عام 1942 وفيلمه الأول 'العذاب' عام 1944 الحائز الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي لعام 1946، وكان بيرغمان نشيطا في تلك الفترة حيث أخرج فيلمين في العام وكثيرا ما تدرب وتعلم في مراحله المبكرة حتى من أفلامه.

Bergman on Winter Light
المخترع
تعامل بيرغمان بتناوب مع الألم والعذاب والدين والشر والحب الإنساني كأمل وحيد للإنقاذ والإيمان والمراوغة والخداع والبراءة، والفساد، والأمل واليأس، والرغبة والوهم، الصراع بين رجال ونساء سجناء رغباتهم، العلاقة بين الأجناس، البشرية والكون، رسم رائحة الخلود ونور الشمس بارتجافه على النباتات الغريبة وحفر في جدران القرون الوسطى وسقوفها وصور الملائكة والقديسين والشياطين والبشر من ضوء وموت، وتميز بالصورة المقربة للوجه واليد وسمح للكاميرا بكشف السمات الداخلية للعاطفة الإنسانية ولم يخف دهشته بالوجه النسائي كاختراع قصصي فيه سلاسة الحلم ودورة الحياة بين الشفقة والتعويض والاحتفال.قال مرة إنه كان يجبر على الجلوس في الكنيسة ليستمع بملل لخطب الواعظين، لكنه كان يتلهى بفراسة جمالها والضوء الجاري من خلال النوافذ وحينما صور تابوتا ينزل إلى القبر قال: لم أرد تخويف أحد بهذا المشهد، كنت مسحورا به فحسب.لغته السينمائية تتحدث مع الروح وإلى الروح هاربا من سيطرة الأفكار التقليدية والمفروضة مقدما، مشوشا الثبات باندفاع وعاطفة وعمق وجدية تربع على مدرستها لنصف قرن، وكان الأول الذي ادخل الميتافيزيقا والوجودية إلى الشاشة وكما قال عنه بيرتراند تافيرنير رئيس هيئة السينما الفرنسية إن بيرغمان مثل 'عامل منجم يحفر بعمق بحثا عن النقاوة'.حصل على الميدالية الذهبية للأكاديمية السويدية ووقتها سأله الناقد السينمائي أندرو ساريس: لماذا عمل كل الذي عمله؟ أجاب: 'أنا فنان وصانع وتعلمت سحب الوجوه من الحجارة، أطراف ووجوه وأجسام خارج الحجارة، لن أقلق على حكم الأجيال القادمة أو من عاصرني، سيختفي اسمي ما إن أختفي، كالضوء سأنطفئ، لا تنهمكوا كثيرا في ذلك، فلم يمر يوم في حياتي لم أفكر فيه بالموت، لكن ثمة جزءا صغيرا من نفسي سيبقى في الجميع هو المجهول والغامض والمنتصر'.

The Silence
أفلام هزت الدنيا
يعتبر النقاد أن أول فيلم أخرجه كان 'سجن' يعرض فيه حياة مومس تفضل الانتحار بسادية، صوره خلال 18 يوما، بينما سيرته الذاتية الرسمية تشير إلى أنه فيلمه السادس.ويتوالى نجاحه وصناعة الأفلام البارزة التي هزت العالم لغاية فيلم 'فاصل صيف' 1950، 'خادمات' 1952، 'الليل السافر' 1953 ليستمر في 'السونيتة الخريفية' و'ضوء شتائي' و'خزي' و'وجها لوجه' و'نداءات وهمسات' و'الساحر' (جائزة لجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا السينمائي 1959) و'الربيع والعذراء' عام 1960. و'فاني والكساندر' (أربع جوائز أوسكار بما فيها أفضل فيلم أجنبي عام 1984) و'أفضل النوايا' ومأثرته الخالدة 'الصمت' 1963، الفيلم الذي بدا كأنه ضد السينما وخرج كحلم، كموسيقى، تجاوز الوعي العادي وعمل مباشرة لصب العواطف في غسق الروح واختلاجاتها الصغيرة في العصب البصري للمشاهد وتأثيرات الصدمات عليه بتسجيل الظلام وإدارة الفيلم كإطار داخل إطار بتغييرات حركية لا تدرك بسهولة ملتفة بوحشية الحزين الذي تكالبت عليه هزائمه دفعة واحدة.

السينما والتكنولوجيا



افتتح في فلوريدا المهرجان الدولي للسينما والتكنولوجيا في النصف الأخير من نوفمبر وتضمن حفل الافتتاح عروضا احتفالية وكوميديا قصيرة وأفلاما روائية طويلة وقصيرة وأفلاما متحركة وتجريبية ومصورة ووثائقية أنتجها فنانون مستقلون من عدة بلدان. ويبدو أن المدينة الأميركية في طقسها الدافئ أيام نوفمبر سحبت كل منتجي الأفلام المشهورين في القرن العشرين، ابتداء من الأفلام الصامتة المبكرة ولغاية آخر أفلام السينما الرقمية التي تمهر فيها تكنولوجيا الكمبيوتر.إن إضافة مفردة 'التكنولوجيا' لعنوان المهرجان جاء لتركيز منظميه على آخر الاكتشافات التقنية في عالم صناعة السينما وعرض التكنولوجيا الفريدة التي خلقت عالما جديدا للفن السابع وكذلك الطرق التي تستخدم فيها هذه التقنية لعكس مجرى الأحداث التي يشهدها هذا الفيلم أو ذاك.ولعلها فرصة فريدة لصناع السينما والمهتمين بها تجمعوا من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وإيطاليا وفرنسا واستراليا وبريطانيا والسويد وبلغاريا وروسيا والمكسيك واليونان وكندا والبرازيل واسبانيا وهولندا والكثير من البلدان التي أنتجت هذا الفن الراقي على ما يزيد على قرن، مقدمين ابتكاراتهم الفنية - التكنولوجية في واحدة من التجمعات النادرة التي تجمع بين الفنيين والفنانين. ثقافة البصرياتلقد استطاعت التقنية العالية (حسب زمانها) مد جذور السينما التعبيرية في استخدام الإنارة المعبرة عن كل مشهد كوسط له القدرة على نشر محتوى السيناريو والتحكم فيه والتي تطورت من التقنية البدائية التي تكشف ما يجري في 'اللوكيشن' لغاية التشكيلات الخفيفة والمصطنعة لخلق صور مؤثرة بتنسيق الضوء والظل اللذين طورا السينما التعبيرية إلى الخيالية لغاية وصولها إلى المعاصرة. ولابد من الإشارة إلى أن الضوء المنتج بواسطة الكهرباء لم يصل إلى السينما إلا في عام 1910 والإنتاج الحقيقي التنفيذي جرى في العشرينات فقط ، حيث كانت الإنارة تعتمد على الغاز والضوء الصناعي والإنارة المقوسة، عدا بعض شركات الإنتاج التي اعتمدت على تيار كهربائي غير مباشر، ولا يمكن تجاهل أن الحرب العالمية الأولى عتمت شوارع أوروبا بشكل مؤقت مركزة الطاقة على المصانع الحربية وخدمة القوات العسكرية.



لم ترتق التكنولوجيا برؤية السيناريو بل أدت إلى دمار هذه الرؤية حين استسهلت رواج أفكار لا تملك غير الحماس

التطلع الخيالي
لقد ناقش مؤتمر التكنولوجيا والسينما كل هذه القضايا بمشاركة علماء نفس واجتماع ومؤرخين ومهندسين في مختلف الاختصاصات التكنولوجية، وكل منهم قدم حججه وحاول إعادة تعريف هذه العلاقة الخطيرة بين الحداثة الثقافية والحداثة التقنية وفك الاشتباك في هذا النزاع الدائم بين عصرنة الفن والتطلع الخيالي للتمسك بالأسس العامة للفن الروائي - السينمائي وعدم الانجرار إلى التمزق الذي يسعى نحوه صناع السينما الذين يهمهم الربح المادي، مغيرين أذواق الجمهور بطريقة مؤلمة. لم يظهر شيء في سينما الزمن الجميل من دون إيحاء وقصد ورؤية فنية، غير أن الاستثمار في السينما لم يوازن بين الفن والربح وضيع الفرصة وإن انشغل بالإبداع التقني والديكور المجهز بالحاسوب وديناميكية الماضي الأسطوري والإبداع التقني وولادة الإنسان الآلي والتناغم الجديد للبصريات في تقديم المشاهد المنقسمة والفضاء الخاص والعالم الخارجي والداخلي والاستثمار الرمزي للضوء والظل والألوان كواحدة من الخصائص التي ورثها الفن من السينما التعبيرية كمساعدة للتخمين الفلسفي بتشكيلة واسعة من الأساليب التي تنير الرمزية والأشكال الأخرى.
مأزق التكنولوجيا
ان المتتبع العادي للتطور المذهل في تكنولوجيا السينما ربما لاحظ الفرق بين التكنولوجيا كعامل ترفيهي تستخدم لعرض التسالي على الجمهور وكعامل يخيط التشققات الممزقة في السيناريوهات المفتوحة والمحددة أكثر من اللازم. ويبدو أن صناعة الترفيه الحديثة أفسدت أخلاقية التكنولوجيا وحولتها من وسيلة لمساعدة الشروط الفنية، إلى غاية لخداع المشاهد في مناظر وهمية، وهنا حصل التضارب بين التكنولوجيا كهدف وبين الإمعان فيها لخلق فضاء يخلب ذهن الجمهور فحسب.ومأزق التكنولوجيا الأشد إيلاما هو وجودها في قلب النزاع المتأصل ما بين البنية الجمالية لما يعرض على الشاشة وإيعاز مخطوطة السيناريو لاسيما بعد تحرر الفن من القيود الواقعية والالتزام بالشروط الكلاسيكية للمشهد، الأمر الذي جعل هدف صناع السينما الحديثة جعل المشاهد نشيطا ومنشغلا حتى لو حجبت عنه التكنولوجيا بدهيات في الطبيعة كالأشجار في غابة. ولسوء الحظ، لم ترتق التكنولوجيا برؤية السيناريو، بل أدت إلى دمار هذه الرؤية حين استسهلت رواج أفكار لا تملك غير الحماس، ودون أي منظور جديد، ولو قارنا بين طموحات السينما الصامتة واستخدامها الفريد لما أتيح لها من إمكانات تكنولوجية وبين ما يحصل الآن لوجدنا بارامتر الرواد يفوق كثيرا أحفادهم. تكنولوجيا الفراغكما أن الفضاء في السينما ينبغي أن يشبه الحقيقة وتمديده مفروض لغايات فنية تمثل إعادة تنظيم المكان، ونعتقد أن أهم منجز للحداثة التقنية في السينما طرأ على هذه المسألة وليس على نواح أخرى، وكان ذلك جليا في أفلام الحرب ( التصوير على نطاق واسع) والتصوير الخارجي، حيث الإضاءة مجردة، باستعارة التوقفات من الواقع نفسه من دون الإمعان في اختراق الفراغات كما يحدث في الاستديو، حينما يهتم مديرو التصوير في تمييز البؤر العميقة المتوقدة بالمشهد بانتظام مع المحيط الطبيعي للمشهد العام.


التكنولوجيا حولت العالم الخيالي إلى محيط للأحاسيس فيه الشاشة عنصر بين الفضاء والحقيقة والصورة المتوقعة

اللجوء إلى الشمس
ان التكنولوجيا في السينما تسمح لخلق الأساطير القوية والسحر اللذين يهواهما المشاهد، لذلك كانت السينما المبكرة تعتمد التصوير اعتمادا على ضوء الشمس والاستخدام الثلاثي للضوء بالمرايا الشفافة والعاكسة واستخدام الطلاء للوصول إلى الإنارة الملونة وتفضيل اللجوء إلى الطبيعة لو وهنت الإمكانات التكنولوجية. الفن البصري والأدبي
علينا الافتراض أن مشاهد الفيلم هو قارئ لروايته، الأمر الذي يجعله منغمسا في التحليل والمقارنة ما بين الفن البصري والأدبي لذلك سينشغل بعملية امتصاص القصة، وعلى الشاشة كما لو كان يطالع الصفحة، ولكي يصدق ما يراه على الشاشة على السينما لعب دور المعبر عن المفاهيم غير القابلة للتصديق في النص المكتوب وإيصالها كشيء مألوف وهذا ما بنيت عليه مدرسة 'السينما الكلية' التي اعتمدت على الفضاء الذي يسمح للمشاهد بالتوغل عبره، حيث الأحداث التي تجري لا يمكن أن تؤذي تصديقه في حدوثها. وهكذا، فان الفضاء الطوباوي اعتمد على منظور المشاهد، الذي وافق على دعوة السينما له بتصديق النص الذي يمكن أن يسحبه أو يطرده منها فجأة، وهنا يمكن فهم سبب تقبل الأطفال والمراهقين لتكنولوجيا أفلام الخيال العلمي والرعب والحركة أكثر من سواهم، لأن مسألة التصديق عندهم أضعف ولا يشجعون أنفسهم على طرح مثل هذه الأسئلة لذلك فهم مستثنون من قاعدة رفض العالم الخيالي الذي تنشغل به التكنولوجيا أكثر من اهتمامها بالطبيعة مثلا التي تستغل كأداة فحسب للعزل ما بين مشهد وآخر مع الاحتفاظ بتعاطف الجمهور الذي يبهت عنده العالم الحقيقي بعد أن حولت التكنولوجيا العالم من حوله إلى محيط للأحاسيس، الشاشة فيه عنصر بين الفضاء والحقيقة والصورة المتوقعة التي طورتها التكنولوجيا الرقمية المعتمدة على المؤثرات الخاصة ( وحوش خرافية، انفجارات وهمية، حركات مثيرة، طيران، طبيعة ملفقة، مبان وديكورات مبهرة، معارك ..).
سينما الحاسوب
منذ مهرجان أفلام الصور المتحركة في عام 1991 ومهرجان السينما الرقمية في عام 1998 حققت تكنولوجيا السينما التي تعتمد على الحاسوب طفرات هائلة ساهمت فيها معاهد ومؤسسات تكنولوجيا شهيرة جدا يأتي في مقدمتها معهد التكنولوجيا في نيويورك.وأصبح متيسرا تصوير ومعالجة وإدماج كل ما يكتب على الورق وتقديمه بصريا وبالإمكان استخدام كل الألوان الحساسة بتشكيلة واسعة من الأدوات الرقمية التي تحول أي مخطوطة إلى حركة.كما أن الوصلة بين الصورة الثابتة والمتحركة صارت عادية حتى في تجربة الفيديو الرقمي وبلغ التعاون أوجه في الفنون الجميلة ما بين الرسوم على الورق واقتفاء أثرها في عملية الخلق البصري.ثمة الكثير مما يقال عن علاقة السينما بالتكنولوجيا، خصوصا التطبيقات التقنية وليست النظرية ونتائج الفيديو الرقمي والمؤثرات الرقمية والسي جي والأجهزة التفاعلية وألعاب الفيديو التي خلقت تيارا جديدا سيكون له تأثير نوعي على مستقبل السينما وهو موضوع مثير مرتبط بالتقنيات النامية لا يمكن حصره في موضوع منفرد. واقعية الحاسوبان الصور المتحركة التقليدية لا تعني بالضرورة تصويرها بواقعية، فمثلا ان إيرادات شباك التذاكر أثبتت في سنوات عز التكنولوجيا السينمائية أن المشاهد لا يتعاطف مع الصور الواقعية، بل العوالم الخيالية التي تشجع عدم التصديق، وهذا لا يعني حتمية تعليقه هذه المهمة عندما ينظر إلى صورة متيقن أنها منتجة بالحاسوب.هي إذا مدرسة جديدة في السينما يمكن أن نطلق عليها 'الواقعية التقنية'، فالتكنولوجيا أصبحت الوسيلة الأكثر مرئية في السينما كما لو تم الحسم النهائي لمصلحة 'واقعية الحاسوب' التي تخلق كائنات منقرضة أو مفترضة، يتقبلها الأطفال وأحيانا كثيرة البالغون بعد أن ينالهما الشعور نفسه ضمن السياق العام للعالم المنحصر على الشاشة.


مجال الإبصار
سيرى المشاهد الحركة والانتقال ما بين الفراغات ضمن مجال رؤيته وعليه فقط إدراك الحقيقة والخيال فيها، غير أن التكنولوجيا ستقطع عليه المستويات المختلفة للصورة المفهومة استنادا إلى قراءة الحركة المتأصلة كوهم تخطيطي درس بعناية الطريقة التي يعمل فيها الدماغ والحلم خلال التحرير الانتقائي للأحداث والتفسيرات المتعددة التي يعالجها العقل كإعادة مبسطة للأحداث المعتمدة على حيل النص كما يحدث في ممر ديغون الفيكتوري المزيف في هاري بوتر وحجر الفلاسفة في كرس كولومبس الذين يخلقون الاعتراف في الذاكرة والخيال بعد أن وطدت صورة الحاسوب التي أتقنتها التكنولوجيا والحركة الواقعية للممثلين بعد أن أحكمت سيطرتها على عواطف المشاهد.تقنية الصورة والصوت لم تكن متوفراة في السينما، لذلك كان تحويل النص على الشاشة يبدو مضحكا ومزريا وما عرض من محاولات أخفق في انتزاع التعاطف من الجمهور، لأن تقنية السينما كانت محدودة ومتوقعة ولا يمكنها خلق عوالم أفلام مثل 'حرب النجوم' و 'الخطر الشبحي' و 'عودة الملك' وغيرها من أفلام الدمى التي ضمن نجاحها الحاسوب فقط.من كان يستطيع الولوج في العين وتكبيرها وإدخالها في الرحم وتصوير الجنين فيها بالبراعة التي تطلقها التكنولوجيا السينمائية الآن كفيلم 'لاسيتير' الرائد في مجال سينما الخيال النهائي التي سحبت الانتباه من سينما الحركة المقربة البطيئة مبتكرة 'سينما الجاذبية' التي اعتمدت هي الأخرى على نجوم يتمتعون بقدرة تمثيل عالية وأصوات مميزة كتوم هانكس وتوم كروز وإيدي ميرفي وجون راتزنبيرغر والكثيرين غيرهم.

Trumbo

تريمبو فاز بالأوسكار باسمه الحقيقي وبأسماء مستعارة

منذ زمن طويل لم تحشد هوليوود طاقتها لتقدم في نهاية 2007 أحد أفضل إنتاجها في فيلم الوثائق - الروائي تبنته «أفلام صاموئيل جولدين» بإخراج أداره بيتر آسكين وسيناريو أعده كريستوفر تريمبو وطوال 96 دقيقة عمل نجوم هوليوود مثل: مايكل دوغلاس، جوان ألين، براين دينهي، بول غيماتي، ناثان لين، جوش لوكاس، وليام نيسون، ديفيد ستارثرين ودونالند سوثرلند، على تقديم سيرة مخلصة للكاتب والسيناريست وأحد أهم مؤسسي هوليوود دالتن تريمبو بالاعتماد على رسائله المؤثرة التي كتبها بعد اعتقاله وإدراجه ضمن القائمة السوداء وحرمانه من الكتابة، بالرغم من حصوله على الأوسكار. وكان سيناريو كريستوفر تريمبو (هو ابن دالتن تريمبو وكتب الكثير من السيناريوهات والمسرحيات الجادة والناجحة) قد عرض على المسرح ولاقى نجاحا كبيرا، الأمر الذي شجع المنتجين على المغامرة في تقديمه إلى السينما، ليتحول إلى أعمق شريط شابه إلى حد كبير مميزات كتابة تريمبو الاستثنائية والمرحة والساحرة والمرنة بشكل مدهش.

Trumbo interview-Director Peter Askin

صيد «الحمر»
يتوقف الشريط في المرحلة الخربة والمتوترة جدا التي عرفها أحد أبطال الفيلم «الخزي الوطني» والممتدة من 1938 - 1975 والتي كانت مادة للكثير من الأفلام، بما يسمونها مرحلة «صيد الساحرات» (التسمية مأخوذة من عصر الهرطقة الأسود الذي شنت فيه الكنيسة الحرب على كل من يفكر في مناقشة أفكارها وتصرفات رجالها وأحرقت فيه 5 ملايين امرأة على الأقل لأنهن كن يحاولن التفكير). لكن «صيد الساحرات» الأميركي في الفترة المذكورة كان حملة شنها الكونغرس بتضامن مع 6 أجهزة أمنية خاصة للبحث واجتثاث اليساريين بالتركيز على من أسموهم «الحمر» الذين كان وجودهم في هوليوود يتسع تدريجيا وهي المعروفة في تاريخ هوليوود بالقائمة السوداء لـ «عشرة هوليوود» وهم كبار كتاب السيناريو في ذلك الوقت الذين خاف الكونغرس من تغلغلهم في صناعة السينما لحملهم أفكار عدت «تقدمية».


The HUAC Hearings

الممثلون العشرة
لقد استطاع 10 من أهم نجوم هوليوود بالصورة والصوت تجسيد كتابات تريمبو وقرأوا رسائله وجسدوا معاناته قبل وبعد معركته مع الأجهزة الأميركية الخاصة ومن ثم سجنه بقرار من الكونغرس أكثر مما هو من المحكمة الفيدرالية العليا ولم يمنح فرصة التعديل الخامس لدفاعه. وقدم آسكين إنجازا فنيا رائعا بما في ذلك تضمينه لمقاطع فيديو وثائقية لدالتن تريمبو ولم يمر مشهد دون أن يغرز فيه الأفكار التي كانت ترن مباشرة ومنذ الدقائق الأولى يمنح الفيلم فرصة مشاهديه أن يخرجوا من صالة العرض أكثر ثقافة. وهو محطة مهمة لمن يريد التعرف على أعظم كتاب السيناريو في تاريخ هوليوود أمثال : هيربيرت بيبرمان، ليستر كول، إدوارد دميتريك، لارندير، جون هاوارد لاوسن، ألبرت مالتز، صموئيل أورنتز، أدريان سكوت وبطلنا دالتن تريمبو الذي ترك حيواناته الأليفة وهوليوود التي ساهم في تشييدها ليزج في سجن تحاول هذه المؤسسة الفنية الكبيرة أن ترد له الاعتبار بعد نصف قرن.
تريمبو النموذج
لقد كان دالتن تريمبو بشهادة معاصريه وكتاب تاريخ السينما والأدب رجلا نموذجيا وكاتبا ذا إحساس مذهل والاتهام الذي تعرض له وواجهه بأفكاره، برهن، كما برهن الفيلم، على أن إصراره على محاكمة محكمته أهم علامات تلك المرحلة، لقد نسي الاتهام الموجه إليه، وبدأ يحاكم مرحلة سوداء من تاريخ الحريات الأميركية. وهكذا سيوضع تريمبو في القائمة السوداء لهوليوود (1947) ويزج به في السجن (1950) ولا أحد ممن اتهموه حاول أن يتفوه بكلمة واحدة عن تهمته وماهيتها وذنبه الحقيقي، فحتى تهمة الميول اليسارية كانت تثير الذعر في أفواه مطلقيها. لم يكن لهم في تلك الأوقات أفضل من وضع غير المرغوب فيهم في القوائم السوداء وعزلهم عن الحياة العامة بإبعادهم في السجون. وما استطاعوا ذكره في بيان الحكم، أن السبب في حكمه «التأديبي» لـ«احتقاره الكونغرس»! كل هذه الآلام تعرض لها تريمبو، ليس لأنه منتم إلى تنظيم يساري محظور، بل لأنه رفض أن يتحول إلى مجرد واش للجنة النشاطات المعادية التابعة للكونغرس المسماة «HUAC» ويكشف من يتداول ويتكلم بالأفكار اليسارية من بين العاملين في هوليوود، ليصد، في نهاية المطاف، الأذى عن الكثيرين من «جالية هوليوود اليسارية» كما كانوا يسمونهم في ذلك الوقت، وحمى بصمته العديد من كتاب السيناريو والممثلين والمخرجين والكوادر الفنية الأخرى الذين ظهر أبناؤهم الآن وكل من عاصره ليقدم هذا الشريط، كامتنان لأحد رموز الفن السينمائي الجاد في القرن العشرين.

Hollywood 'Red' Probe Begins, 1947/10/20

في القائمة السوداء
بعد خروجه من السجن عام 1951 التصق اسمه في القائمة السوداء لغاية عام 1975 (المحزن أن دالتن تريمبو المولود عام 1905 توفي بعد أشهر من حل هذه اللجنة وسجل العام 1976 موعدا لنهاية أفضل كاتب سيناريو في عصره)، وحرمت هوليوود وفن السينما منه، ولأنه لا يستطيع العيش من دون كتابة (ليس بالضرورة النشر)، فقد شرع بكتابة رسائله (إلى التاريخ على الأرجح الذي أنصفه نهاية عام 2007). وكان محور رسائله التي كتبها من منفاه في المكسيك، اللجنة سيئة الصيت «HUAC» مركزا على مسألة تضييق الحريات والعدالة وتوسيع الحياة المدنية وندد بالاستبداد المغلف من الهلع الأحمر.لقد لخص دالت موقفه أمام المحكمة ببساطة وحزم: «أنا لست بمخبر، أنا مواطن ووطني جيد».
بواكير العمل
قبل بضع سنوات اتفق ابنه كريستوفر مع المخرج آسكين لإنتاج مسرحية حول أبيه، واستعانوا بالمادة الوثائقية ورسائله التي أعتقت مطلع هذا القرن، لكن رسائل دالتن كانت قاعدة سيناريو الابن. وتحولت هذه المسرحية إلى شريط وثائقي ـــ روائي الذي هو موضوعنا الآن يظهر فيه دالتن وكريستوفر بصيغة الراوي وتكفل الممثلون البقية في أداء الأجزاء المهمة في تلك المرحلة ولاسيما المحكمة الشهيرة، ولم يفت آسكين إضافة مقاطع أرشيفية عن لجنة « HUAC» التي يخجل من ذكرها الأميركان المعاصرين.
أداء مذهل
لا يمكن نسيان الأداء المذهل لمايكل دوغلاس وبول غيماتي ووليام نيسون بشكل خاص الذين حولوا موضوعا بمنتهى القسوة بالنسبة للمشاهد، ولعله مضجرا لأمزجة الكثيرين، إلى بهجة لمراقبة تمثيلهم الذي أصبح شبيهه نادرا في سينما هوليوود، وربما كان اعتمادهم على أسلوب دالتن تريمبو اللطيف، الحاد، اللبق والحقيقي، قد ساعدهم في الخروج بأداء منح الكلمة لحما ودما.
The Hollywood 10

اللجوء إلى الوثائق
ولابد من الإشارة إلى أن المخرج آسكين أدرك أن ما سيعرضه لجمهور القرن الواحد والعشرين قد يواجه ببعض الاستغراب وعدم التصديق لما كانت تفعله لجنة «HUAC»، لذلك اضطر إلى عرض خلفية هذه اللجنة وظروف إنشائها والآلية التي عملت فيها وكيف أخذت فصلا من التاريخ الأميركي، ولم يكن أمامه سوى اللجوء إلى الوثيقة والشريط الأرشيفي ليعزز مصداقية السيناريو لدى أجيال لم تتصور أن أميركا المعاصرة ومؤسساتها «الديموقراطية» يمكنها التصرف على هذا النحو. هذا الميل إلى التسجيل لم يكن أكثر من اللازم وأوضح السياق فحسب، الأمر الذي جنب الشريط القصة إعادة تصوير تاريخ ليس ببعيد مع الإبقاء على قوة ومتانة الشخصية المحورية بملمس تقني مهد الانتقال بين الوثائقي والروائي بطريقة جذابة في معظم الانتقالات. أما نهاية الفيلم المثيرة للجدل، فلا نرى أننا مجازون لانتقاد رؤية آسكين في طريقة إنهاء شريط تريمبو، حتى لو نملك رؤى أخرى للمعالجة. وهل بالإمكان القول إن في الشريط الكثير من كلام دالتن على حساب الحركة وأي مشاهد يستطيع التغلب على ضجره وتحمل مقاطع طويلة من رسائل تريمبو التي كلفت الإيقاع السينمائي والتشويق كثيرا. كما أن الاكتشاف الصادق لقضية حصلت، لاسيما سياسية، لا يمكن أن تنسجم مع السينما كصناعة ترفيه وهذه النظرية من وجهة نظر هوليوودية المؤسسة التي تبنت إنتاج مثل هذا الفيلم، وبالنتيجة، فهي مهمة شاقة أن تجمع الصدق والنقل والاكتشاف والأفكار والبصيرة والترفيه في شريط واحد.
مراوغة السيناريو
وإن كانت تأسر تريمبو الابن في غضون كتابته السيناريو، إلا أنه لم يعان من المباشرة في خوض إجحاف تعرض له والده، لذلك لم يقدم قصة سوداء حتى لو كان منفى دالتن أسود بما فيه الكفاية. استطاع السيناريو أن يراوغ بحيادية وبسخرية في جوانب عديدة حول القصة الواقعية، ليتمكن من سحب أكثر عدد من الجمهور إلى منصة المحاكمة ويضعهم في «قفص دالتن» ليحكموا أنفسهم، إن كان الفيلم فعلا مدعوا لاطمئنان الجيل المعاصر في أحقية موقف تريمبو الأب في التصدي والتضحية بموهبته وترقيه الفني الذي أوصله إلى الظفر بالأوسكار (رشح للأوسكار عام 1940 عن مخطوطته Foyle)، مفضلا المنفى عن المجد لينقذ رقاب زملائه. (دالتن تريمبو صانع السينما الأمهر كتب من منفاه باسم مستعار «روبرت ريتش» وفاز أيضا بالأوسكار عام 1956! أعماله الفائزة بالأوسكار: النزوح الجماعي وسبارتاكوس). كان يبيع مخطوطاته التي كتبها تحت 13 اسما مستعارا مستخدما قدرته وشجاعته الطبيعية للدفاع عن حقه في الكتابة والعمل حتى آخر يوم في حياته. وفوزه بالأوسكار باسم ريتش هو في حقيقة الأمر إعلان لموت «القائمة السوداء». والمثير أن الممثل الرائع كيرك دوغلاس هو الذي مثل في سبارتاكوس، فيما ابنه مايكل دوغلاس وابن دالتن تريمبو يعملان شريطنا الحالي. وهي قصة لم تحدث في منتصف القرن الماضي فحسب، بل تتكرر في أيامنا وستبقى وصمة في مستقبلنا، ومن هذه الزاوية كان الشريط أنينا تحذيريا، غنيا بالشجاعة والأفكار والعنف والمرارة وهو في كل مقاييس الفن أنجز هدفه بنبل من الناحية الإنسانية وبتفوق من وجهة نظر الفن الراقي.
توضيح تاريخي
إن قصة تريمبو مهمة ومؤثرة بما فيه الكفاية وخاصة نقلها لأحداث الثلاثينات ولغاية السبعينات. ففي الثلاثينات كان الحزب الشيوعي الأميركي (بلغ عدد أعضائه وقتذاك 80 ألف وهو عدد قليل وصفوهم مزحا أنهم أقل عددا من الأيائل، لكن يمكن تصور فداحة هذا الرقم بالنسبة للكونغرس لو عكسنا الوضع بشكل معاصر، لو يسمع الكونغرس الآن أن هناك 80 ألف أميركي متحالف مع تنظيم «القاعدة»). ومع ذلك كان الحزب الشيوعي هو الحزب الوحيد في الولايات المتحدة الذي عارض الفاشية علنا ويواجه الأنظمة الدكتاتورية التي ظهرت قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية وكان السوفيت في الظاهر حلفاء للأميركان، لذلك سكتت السلطات الأميركية عن نشاطات الحزب الشيوعي الأميركي لكي لا تثير ستالين، لكنها بعد نهاية الحرب ظهرت الكراهية والعداء وبدأت عملية «صيد الساحرات» بتشكيل لجنة «HUAC»، بعض الممثلين خشوا من تدهور وضعهم، استسلموا وتعاونوا معها عدا «عشرة هوليوود» الذين كان تريمبو أشهرهم في ذلك الوقت، ففضل السجن والإقصاء من العمل والنفي الى المكسيك.
مقامرة تجارية
ومنذ فترة طويلة، لم تجازف هوليوود في إنتاج فيلم متيقنة أنه لن ينجح تجاريا، وبالرغم من مشاركة الشريط في كل المهرجانات السينمائية الرصينة في العالم بدءا من مهرجان تورنتو، إلا أن أحدا من شركة «أفلام صاموئيل جولدين» لم يضع في حسابه ربحا ماليا، رغم أن مبيعاتهم من نسخ الـ DVD قد يفلح موزعهم الدولي وليم موريس في تعويض خسائرهم عن الإنتاج، ونسجل هنا بكل تبجيل موقف ممثلي هوليوود العشرة الكبار الذين تطوعوا مساهمة منهم في رد الاعتبار لكاتب السيناريو العبقري. أشهر أعماله
من أفلامه الشهيرة: النزوح الجماعي، سبارتاكوس، بابل، ثلاثون ثانية على طوكيو، عطلة رومانية، جوني حصل على بندقيته، الشجاع الأوحد، وغيرها من الأفلام التي كتبها بأسماء مستعارة.

Basic Instinct 2

المشكلة في الفيلم أنه غير سيء ومقبول ولكونه كذلك فقد مفاجأته وأغمّ المشاهدين ودفعهم لانتظار الجزء الثالث

لعل شارون ستون نجمة هوليوود الأولى في صناعة أفلام الإثارة قبل ظهور سلسلة 'الجنس والمدينة'، ونظرة سريعة على أفيشات غريزتها الأساسية الثانية تعطي الانطباع بأن المشاهدين سيرون فيلما عبر سيقانها، وإن قدمت حسا تمثيليا متميزا في أجزاء صغيرة من أفلام كبيرة مهد لها الترقي السلس عبر سلم هوليوود.الجزء الأول من 'الغريزة الأساسية' أحدث جدلا كبيرا بعد ظهوره عام 1992 وإلى جانب الهطول النقدي الغزير الذي لم ينقطع ل 15 سنة حول الفيلم ، فإنه جمع 350 مليون دولار وكان أحد أهم الضربات السينمائية في التسعينات، الأمر الذي شجع ستون على إطلاق إنتاج الجزء الثاني عام 2006 بغياب مايكل دوغلاس بطل النسخة الأولى من دون الحاجة إلى لفت النظر لألعاب كتاب السيناريو في تبديل النجوم.

حقق الجزء الأول 350 مليون دولار وأحدث جدلا كبيرا وهطولا نقديا غزيرا لم ينقطع لـ 15 عاما

مقارنة بين الجزأين
المقارنة الساطعة تقدم الجزء الثاني كنفاية ممتعة للأول مع احتفاظ الاثنين بالصنعة البارعة لمدرسة هتشكوك والحوار الخام والمشاهد البشعة لأفلام الرعب والاستعارات المنعمة لأفلام الإثارة الإيروتيكية من دون فساد أصيل ومباشر ومهووس، لقد قدموا هذه المرة المزيج المذكور مع ألعاب سينمائية أخرى بقالب كوميدي مأساوي.


الجزء الثاني نفاية ممتعة للأول مع احتفاظ الاثنين بصنعة هتشكوك وحوار خام واستعارات منعمة لأفلام الإثارة

الحبكة الجديدة ـ القديمة
يفتتح الفيلم بمشهد ايروتيكي متوتر تسرع فيه كاترين خلال نفق بسيارة رياضية (لا تأثيرات فرويدية هنا حتى الآن)، ستصدم سيارتها بصندوق زجاجي عملاق لتطير مع حبيبها نجم كرة القدم من على جسر التايمز، لكنها تنجو سباحة نحو السطح، فيما سخرية الأقدار تصعد بملاكها الرياضي نحو السماء كإيحاء لغرق عشيقها. ستجلب لها الشرطة عن طريق المخبر (روي واشبيرن) في الصباح طبيب نفساني (ديفيد مورسي) ولم تطلب من الشخصين غير إيداعها في السجن لمدة طويلة، ولم يكن مورسي إلا تعبير آخر لمايكل دوغلاس في النسخة الأولى للشريط ومرشح ممتاز لإكمال اللعبة الايروتيكية القادمة للقط والفأر.لكنها تتضمن هذه المرة الدكتور غلاس وزوجته السابقة دنيس (انديرا فارمس) وخليلها المشكوك في أخلاقه هيو دانسي ليدسوه حتما بلغز المريض السابق للدكتور غلاس ولكونه ضرب صديقته الحامل بطابوقة حتى الموت قبل سبع سنوات.سيشعرون المشاهد بأن القصة تبنى حول هذا الرجل المأزوم بما يكفي وسيسيطر على المشاهد المبكرة التي كانت إعدادا لكشف مكائدها لغاية منتصف الفيلم الذي يتولى النصف الثاني فك ألغازها وعلاقاتها بعضها مع بعض.تنافس على من؟ليس هذا ما يضايق ويبرر سبب اختيار أي مشاهد هذا الفيلم من دون غيره، بل هو هدوء مورسي المبالغ فيه ووسامته العادية وافتقاره إلى مؤهلات المخبر مايكل دوغلاس التي لابد أن يضعها المشاهد رهن المقارنة، لأن الرجلين على الأقل يتنافسان على كاترين في وعي المشاهد الذي سيتورط في التقييم بين نجمه المتبختر السابق وهذا الذي يملك التصلب البريطاني الجاد والبليد أميركيا والذي لا يستحق أن يكون نظير نجمهم المحبوب في العشب الرائع لستون.معظم اللائمة سيلقونها على كاتب السيناريو الذي خضع لشروط المنتجين الذين عطلوا إصدار النسخة الثانية لسنتين على الأقل وعلى تلك المشاهد المثيرة فوق المعدل التي يرى البعض أنها لا تؤثر في السياق لو حذف بعضها، لاسيما أولئك الباحثين عن الفن في السينما وسيعتبرون تكرار المشاهد العارية مملا وكذلك الإغراق بالإضاءة وهندسة الديكور الإيحائية.


Basic Instinct II Opening Scene

ماذا عن شارون؟
إنها في الثامنة والأربعين ولكنها ما زالت تحتفظ بشكلها الجذاب ومسامرتها ورقتها وتعبيرات وجهها التي تسحب من يراها بلا أي إشارة على وجود جراحة تجميلية، وهنا سيكون المشاهد مرغما على مقارنة أخرى بين شارون ستون الحالية التي تحاول التشبث بشبابها ، وتلك التي جعلتها قبل 14 سنة مرغوبة جدا من قبله بتسريحاتها الأنيقة وفتنتها المستفزة.التغيير الذي طرأ على هالتها أدمج عنصر المؤامرة في الفيلم ليجعل من كاترين في الجزء الثاني محصنة ضد الأدوات النفسية والإذعان للعلاج وانتهك دفاعاتها الماضية وذلك في حقيقة الأمر مأزق الدكتور غلاس ، كما هو ضعف محتمل في بناء السيناريو الذي يعتمد على جلسات العلاج النفسي كخلفية لمسار الأحداث برمتها.غير أن ستون تحتفظ بجرأتها الأولى في تصوير مشاهد الإثارة التي يعتقد البعض أن انفصالها العاطفي شجعه إلى حد بعيد. ولكن لماذا وافقت ستون على الظهور في 'الغريزة الأساسية 2' وهددت نجاحها المذهل في الجزء الأول؟الإجابة لا تخرج عن ثلاثة احتمالات: أولا، حاولت الانبعاث ثانية بعد ترديها المهني الأخير. ثانيا، من الصعب للغاية رفض الأموال الكبيرة التي تنتظرها. ثالثا، أرادت ضرب نظيراتها الممثلات في العمر اللواتي يتسابقن في الحصول على الأدوار.
ذنوب الجزء الأول
منذ عام 1992 يتساءل المشاهدون لماذا لم يمنع المخبر مايكل دوغلاس عمليات القتل التي كانت تمارسها شارون ستون بعلمه؟ ولماذا وهو المخبر المتورط بماض غير موات في تعاطي المخدرات لعب دور الطبيب النفسي والعاشق ؟ هل يستحق مايكل اللوم حتى في الجزء الثاني الذي يستمر في تعليق هذه الذنوب عليه التي ساهمت في نشاط مقطع الثلج الذي تغرزه ستون في قلوب شركائها في الفراش، ومن المتورط الحقيقي في كل هذه الجرائم؟هل هو الطب النفسي الذي عجز عن المقاومة وبدا عاريا هو الآخر أمام التنفيس القذر المسلم بعاطفة إغواء شيطانية ملفقة بتقنيات المداعبات المثيرة؟

Sharon Stone Basic Instinct sex scene

أناقة السينما
إن تنشيط فن القصة في السينما يحتاج إلى أناقة أخرى تعتمد على فن السينما وليس التكنيك الأدبي الذي تعول عليه الروايات. ومن الواضح أن جونز لم يعرف تماما كيف يقترب من المادة الروائية وامتداداتها الكاملة ويأخذ التفاصيل بأكملها بجدية كافية حتى في الحالات التي يموت فيها الناس في مشاهد الفيلم المختلفة على نحو كريه ، فإنه يقدم الأمر في قالب يبدو كوميديا مفعما بالتخمينات وعبارات مقحمة لشكسبير وكأن أوديب بالفعل لم ير وجه أمه كطريقة غير قابلة للدفاع تجعل التبرير أسهل الحلول لأولئك الناس الذين يختارون الرذيلة أسلوبا لهم في الحياة، مؤمنين بأن التمرغ في هذه المؤامرة طريقة عقلانية للسقوط، مذكرين المشاهد بكل الرجال العدوانيين أبطال الحب الخائب في التاريخ ، وكأن مدمنة مراجعات الأطباء النفسيين التي ترتكب جرائمها بتخطيط مسبق ومع كامل الإصرار واللذة، قد ارتكبت هفوة مزقت يقينها بالرجال لتغور أعمق فأعمق في الجريمة، بينما يبدو السيناريو متطفلا على أصول الطب النفسي والأدب والتاريخ موظفا عناصره لتسجيل شريط فيديو رخيص في دقائق كثيرة لتشجيع المنتجين وإبطال حججهم التي منعت إنتاج الجزء الثاني لفترة طويلة.
مشكلة الشريط الجديد
المشكلة في فيلم 'الغريزة الأساسية' الثاني، أنه كفيلم غير سيىء، لكنه مقبول ولكونه مقبولا فإنه فقد مفاجأته، الأمر الذي أغم المشاهدين ودفعهم إلى انتظار الجزء الثالث. كما أن الجزء الثاني لا يملك ذكاء الجزء الأول ولا جنونه وهو درس في المهانة التي يمكن أن توجه إلى ممثلات هوليوود خصوصا اللائي تجاوزن الأربعين بمحاولاتهن المذلة لإثبات الذات وإلقاء نفاياتهن في وجه المشاهد بقليل جدا من الموهبة التي لم تنقذ أي شيء.ومن كان يتصور أن الجزء الثاني للغريزة سيصدر بعد 14 عاما حاملا كل هذه الادعاءات من المخرج مايكل كاتون جونز وكاتب النص جو إيستيرهاس، وذلك الأسلوب المتثاقل أكثر من اللازم بالإيقاعات ومحاولات الخروج من الكوة التي حشروا أنفسهم فيها بمزيد من الطعنات والوجوه الشاحبة والمشاهد العارية والمرح الغبي وتقديم فيلم غير قادر على تضمين شيء كبير غير الدغدغة والتسلية النتنة والغموض المتعمد الساذج.

The Departed

فيلم ساخن ومثير واستعاض عن الطاقة بالترقب والإثارة والغموض

هذا نوع من الأفلام يعتمد على 'الأسلوب' وليس المادة وممثلين لامعين جدا: جاك نيكلسون وليناردو دي كابريو ومات دامون مع مخرج هرعت نحوه جائزة الأوسكار مارتن سكورسيزي الذي نشط في السنوات الأخيرة بأفلام الجوائز مثل 'عصابات نيويورك' و'الطيار' ليحمل كل تبعات هذا الشريط الذي عالجه بالأسلوب السريع ذاته وغير الممل بالمرة في أعماله الجيدة السابقة.وربما نتهم بالإعجاب الشخصي بالموهوب الكبير جاك نيكلسون، لكنه فعلا حمل على عاتقه كل الأفلام التي لعبها وهو بلا أدنى شك حمل هذا الشريط منذ ثوانيه الأولى حتى الأخيرة.يفسر فرانك كاستيللو (جاك نيكلسون) كل الفيلم بعبارته الافتتاحية: 'عندما كنت في عمرك كانوا يقولون لنا إننا إما نصبح شرطة وإما مجرمين وكنت أقول ما الفرق في ذلك مادام الجميع يستعمل البنادق'.انه فيلم ساخن للغاية ومثير وصراعه بلا هوادة بين الرجال السيئين والخيرين، وحسب فلسفة نيكلسون فليس بالضرورة أن يكون المجرمون في حالتنا هم الأشرار فالحكاية في النتيجة تختصرها المعادلة: صراع بين شرطي فاسد ولص شريف! وهذا التناقض يحتاج إلى بعض الجدية التي لابد أن تتوقف عند الحالة الأميركية للجاني والمجني عليه والشرطي والمجرم، وهي الخلطة الغريبة التي اعتمدها سيناريو وليام مونهان وأندرو لاو وقصة ألن ماك وفيليكس تشونغ الذين عملوا سابقا في أفلام 'حرارة' و'شؤون مجنونة' وحصدوا الكثير من الجوائز.

حكاية الشرطي الفاسد واللص الشريف

عن الخير والشر طبعا
لا نستطيع اعتبار عنوان الفيلم 'الراحل' أو 'المفقود' مثاليا لقصة يزرع فيها الشرطة جاسوسا لدى المافيا والمافيا تزرع جاسوسها لدى الشرطة والإف بي آي يشرف على كل الجواسيس ومافيا الشرطة مجتمعين وكل طرف ينسى مهامه ويركز على كشف الجاسوس في مؤامرات وسرعة بالغة تستمر لساعتين ونصف الساعة وهو طول مبالغ فيه، فليس بالضرورة أن يكون الأطول أفضل، لاسيما حينما يخلط عمدا في لعبة القط والفأر فلا يميز أحد من يكون القط ومن هو الفأر في هذه اللعبة التي نشعر بأنه لا أحد في الفيلم كان مرتاحا لثانية واحدة، فالشرطي السري متوتر في عمله مع العصابة بيلي كوستيجان (ليناردو ديكابريو) وعضو العصابة نشيط ضمن الشرطة كولن سوليفان (مات دامون).إنها قصة مرتبة جيدا عن الخير والشر، لا الرجل الجيد فيها مستقيم ولا السيئ شرير والغريب أن المجرم فيهم حكيم ولا يتكلم بتلك البذاءة التي تتدلى من أفواه حماة القانون، بل تدار المفردات أحيانا وكأن الطرفين تخرجا من الحفرة النتنة ذاتها.
شريط النجوم
نعتقد أن ديكابريو أصبح أحد النجوم السينمائيين الأوائل في العالم بفضل دوره في فيلم 'تايتانيك' وقصة الكارثة هي التي جعلت موهوبين مثل توم هانكس ودانيال لويس وجون مالكوفيتش وهذه المرة جاك نيكلسون يلعبون معه أدوار الممثلين المساعدين.لكن نيكلسون يؤدي كما لو أن النار تخرج من عينيه وكان يزعج حتى السحب التي تمر في سماء المدينة، مؤذ وواضح وباستطاعته رواية القصة كلها بمفرده وفي رأينا كان ديكابريو ودامون هما الممثلان المساعدان له وليس كما أراد المنتجون بتقديم اسميهما عليه، وكذلك الحال بالنسبة إلى أليكس بالدوين الذي أدى شخصيته بجوانبها المختلفة ولمصلحتها.وبمراجعة تاريخ مارتن سكورسيزي نجد أن 'الراحل' يعتبر ريشة واحدة من قبعته الكثيفة الزهو ووضعه في العتبة الطبيعية في السلم المؤدي إلى منصة الأوسكار باعتماده على فريق ممثلين صلب.


لا أحد في الفيلم يعرف أي شيء ولم يكن مرتاحا لثانية واحدة

القسمة العادلة
هذا الفريق غير العادي من السوبر نجوم دفع سكورسيزي لتقسيم المشاهد بينهم، فلا يظهر ديكابريو حتى يليه دامون فيما يعتبر نيكلسون الحبل الرابط بينهما طوال أكثر من ساعتين حتى يلتقيان في مشاهد سريعة قبل الخاتمة.ولم يشذ الشريط عن قاعدة أفلام الحركة التي تعتمد على الصدف الغريبة التي تجمع كل الشخوص في مصير واحد، بل وصل الأمر على أن ديكابريو لم يعثر على امرأة في كل بوسطن، إلا عشيقة دامون لكي يقيم العلاقة معها!هكذا وزعوا البطولة بالتساوي بين الثلاثة الذين بذلوا جهدا كبيرا لكي لا يغضبوا مدير أعمال أي منهم ولكي لا يشعر النجوم الكبار بالحساسية المعروفة، وحتى أفيشات الفيلم وزعت بالتساوي في أكثر من نسخة تضع اسم واحد من الثلاثة وصورته في المقدمة.وبصرف النظر عن اعتناء السيد سكورسيزي بنجومه المشهورين، فإنه نجح في خلق العالم المظلم والغامض والمخيف للأشقياء وبالشغل الكبير الذي قدمه الممثلان المساندان اليك بالدوين ومارك والبيرغ المخبران اللذان كانا يديران ديكابريو.
تقنيات
تقنيا لا نعرف لماذا كانت الإضاءة شحيحة حتى في النهار وأي قرارات كانت تتخذ لتحديد زوايا الكاميرا التي تشعرنا في أحيان كثيرة بأنها ثابتة كما لو تنقل خطابا لزعيم سياسي، وإن أدت عملا ملموسا في المشاهد السريعة والانتقالات المفاجئة.وبالنسبة إلى تقنية الصورة كانت نوعيتها جيدة وألوانها عميقة بما يكفي لتعرف المشاهد بما يجري بالرغم من أنها لامعة أحيانا، علاوة على الدرجة الإضافية من الألوان التي كانت تضاف بشكل معقول في المشاهد الطويلة التي لا تعتمد على الإنارة الطبيعية مانحة الصورة نعومة ومسحة يستفيد منها مشاهدو نسخ الفيديو عادة.أما هندسة الصوت فاعتمدت على التقنية الرقمية بأسلوب الديناميكا العريضة جدا والتأثير المعبر القوي الذي أبرز الطلقات النارية واللكمات بصفاء، لكن الهندسة أهملت الأصوات المحيطة وركزت على المتكلمين الرئيسيين، ولم يتم تغذيتها بما يحيطهم من أصوات على الرغم من وجودها.
الترقب كبديل للطاقةإن الشريط لا يحمل طاقة 'عصابات نيويورك'، لكنه يمهر في شيء آخر مهم جدا في هذا النوع من الأفلام: الترقب وبعض الغموض مع مستوى ثابت للإثارة والتوتر. وكأن الأمور كانت تسير في الحبكة لتغذية الجملة التي مهدت للخاتمة: لا أحد يعرف كل شيء.هذا الغموض يجبر المشاهد على التعاطف أحيانا مع المجرم والشرطي بطريقة ما ، بينما يتعمق سكورسيزي أكثر بالعقل الإجرامي (ولا نعتقد بأنه فعلها في هذا الشريط أفضل من باقي أفلامه: سائق الأجرة، الثور الهائج، غودفيلاس، كازينو، عمر البراءة وغيرها).غير أن أكثر ما يحسب لمصلحة الفيلم، قدرة السيناريو على إدخال دامون في الحيز الذي غادره نيكلسون وبترتيب مقنع إلى حد كبير.

Three Best Lines from The Departed

أهمية نيكلسون
هذا الشرير الكامل الذي ينطق عبارة مثل هذه: 'لا أريد أن أكون من إنتاج بيئتي، بل أريد أن تكون بيئتي من إنتاجي على أساس: 'أن الرجل يصنع طريقه' وقوله الأثير: 'الكبرياء يأتي قبل السقوط' ينبغي أن يكون بهيبة هذه العبارات، إلا أنه يحيط نفسه بأداء مبهرج ذكرنا بألعابه مع كيم باسنجر في 'الرجل الوطواط' بدس نساء جميلات في حياته وظلال متعمدة وسكسوكة كسهم وعباءة تخدع بمنظر نمر وقضيب مزيف وحركات مهرج قللت من أهمية نيكلسون الذي كان يقود عمليات العصابة البسيطة بنفسه وهو الزعيم الذي يدير شبكة كبيرة طوال ثلاثين سنة، فهل يوجد سبب يضطره القيام بعمليات تبادل مخدرات تقليدية بنفسه أو الالتقاء بعميله السري في الشرطة في سينما منحطة أو مخزن عمومي أو على ناصية جسر؟
بطولة المحمول
ولا نعتقد أننا شاهدنا فيلم حركة وتجسس وبحبكة بوليسية يلعب فيها الموبايل دورا محوريا كما في هذا الشريط. ويبدو أن كتاب السيناريو غير ضليعين في عالم المافيا والتجسس ، فكل ما اعتمدوه لغرض تحريك الشرطي في العصابة ورجل العصابة في الشرطة هو تغيير شريحة الموبايل والمسجات والتحدث بالمحمول في مختلف القضايا الحساسة جدا.ولغاية اللحظة الأخيرة التي التقى فيها دامون مع ديكابريو كانت عبر الموبايل وكانت كل العمليات تدار بواسطة هذا الجهاز بين كل الأطراف.وكيف يعقل أن عميلا سريا لدى وحدة التحقيقات الخاصة لا يوجد لديه ما يثبت نشاطه السري الخاص، إلا في كمبيوتر ضابط الاتصال الذي يحركه وما أن قتل، حتى وجد نفسه في محك جديد: استعادة الهوية!
الموت والريبة
مسألة استعادة الهوية التي تشبث فيها ديكابريو في الدقائق الأخيرة من الشريط لم يتم صقلها كما ينبغي في وقت كان الجميع ينتظر النهاية التي نفذت في سرعة هائلة صرع فيها كل المعنيين، لتبقى النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات ببروز عامل جديد وهو دائرة التحريات الفدرالية التي تبين أنها تشرف على كل ما يجري في الخفاء أيضا من دون علم الشرطة، وهذه أيضا غير موثقة حيث ألقوا الأمر كله على الطبيعة التي تعرف الحقيقة.في النتيجة لم يستطع السيناريو إنقاذ بطله وإعادة اعتباره إلا بالموت الذي كان هويته باعتبار أن الموت أكثر حكمة ، في وقت باع فيها المجرمون والشرطة هذا البريء إلى الإف بي آي في لحظة اهتزاز المعايير التي وصفها نيكلسون: لا يمكنك أن تثق بشخص لا يوجد لديه ما يخسره. وكأن كل الأطراف كانت بمستوى من الشر الذي استلب من الفتى ديكابريو حقه في العمل الشريف لكونه ولد في عائلة إجرامية، لذلك لابد من الحياة أن تجازيه بالريبة نفسها.

03‏/08‏/2008

مهر ذهبي للموتى

Under The Bombs

مهمة صعبة للغاية تصوير فيلم روائي عن الحرب خلال الحرب، فمن الناحية الفنية سيمتزج الوثائقي مع النص بأسلوب 'الدراما التسجيلية' ويحتاج من يدير الفيلم إلى فهم وقدرة على الخروج بأبطال حقيقيين في الرؤية التي تناسب السيناريو وهذا ما نجح فيه إلى حد بعيد المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي لكونه استند على خبرة 40 فيلما وثائقيا وروائيا قصيرا الذي توجه بالنضج الكافي في شريطه 'بوسطة' الذي كان أول الأفلام الاستعراضية الغنائية اللبنانية بعد الحرب الأهلية والمنتج عام 2005 ومثل لبنان في جوائز الأوسكار لعام 2006. يقدم عرقتنجي فيلم 'تحت القصف' ليفوز به بجائزة المهر الذهبي لمهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الرابعة وهو إنتاج لبناني ـ فرنسي ـ بريطاني مشترك حقق صداه الواسع في مهرجان فينيسيا الأخير حينما شاهد الجمهور أناسا من الواقع المرير لحرب تموز 2006 يشتركون تقريبا في كل تفاصيل الشريط بانسجام مقبول مع أداء الممثلين الرئيسيين ندى أبو فرحات (خطفت جائزة احسن ممثلة في المهرجان) وجورج خباز الذي امتص كل قسوة الأحداث بتمثيل حي وبارع وعميق.



حقوق الكومبارس

وقد يثير الفيلم مسألة لم تحل بعد، تخص الحقوق العامة، أولئك الذين اقحموا في الفيلم من دون أن يعلموا أنه فيلم روائي وليس وثائقيا وهل من الجائز ـ أخلاقيا ـ تصوير الاضطراب الفظيع لأناس في لحظة حرجة وموتى أو مشاهد عزاء وتشييع وجرحى ومدرسة للاجئين وجدوا أنفسهم مضطرين لتقبل كاميرا غريبة ومجهولة الأهداف في خضم الكم الهائل من الكاميرات التي كانت تنقل الحرب؟ أخلاقيات الفن والحرب وإذا تم تجاوز أمر تصوير مشاهد حية تخص الناس من الناحية الشخصية وكذلك الموتى، فثمة أمر كريه آخر يخص الجانب الإنساني، وهو أن ندى أبو فرحات التي تحمل اسم زينة تعود من دبي حيث يعمل زوجها رجل الأعمال لغرض البحث عن ابنها كريم البالغ عمره 6 سنوات الذي تركته يقضي الصيف عند خالته في المنطقة الجنوبية (خربة سلم) في ظروف عائلية معقدة تسير نحو انفصالها عن زوجها لكن الحرب باغتت الخطط العائلية غير المواتية أيضا، تسأل الناس العاديين وكأن لديها فعلا ابنا مفقودا، وبالنتيجة ستتلقى عطفهم ومساعدتهم وتلك الشهامة لدى أبناء البلد، وهؤلاء الذين لا يعرفون أن كل الأمر ما هو إلا فيلم روائي يشتركون في الأحداث من دون إذن وهو سؤال إشكالي يطول الحديث عنه لو تأملنا القضية من زاوية 'أخلاقيات الإعلام'.


Under the bombs - Scenes 1



تغييرالنمط الوثائقي

تصل زينة إلى لبنان عن طريق تركيا، لأن المطار مضروب والموانئ محاصرة نجد زينة تصرخ بلوعة (الممثلة البارعة وليس الأم التي فقدت ابنها فعلا) في نقطة وصولها تجمعا للسائقين: 'في حدا رايح ع الجنوب'، وسيجيبونها أن الوضع هناك لا يسمح لأي منهم في الوصول، وهنا ستكشف هويات أناس حقيقيين تملصوا من مساعدة أم في موقف كهذا.

لكن فيليب عرقتنجي يغير النمط الوثائقي عندما تعثر على توني (جورج خباز) الذي يعمل سائقا لتاكسي ويوافق أن يرافقها في هذه الرحلة التي تنحصر قضية الفيلم فيها، إلا أن دافعه في البداية كان ماديا، سرعان ما يتحول إلى تعاطف شديد مع قضية هذه المرأة الوحيدة التي لم تتقبله في البداية أيضا، بل وكانت تحتقره لصفته الانتهازية.

لا وجود لسيناريو

ومن الواضح أن سيناريو ميشال ليفيان لا يعتمد على حبكة معقدة أو مصنوعة أو مبتكرة، هو سهل جدا وربما مرتجل، لكونه اعتمد على أحداث حصلت لجميع من عاش تلك الأيام، لم يضف إلا شيئا بسيطا وتقريريا، وهو أن المرأة مسلمة والرجل مسيحي وهما بتعاضدهما سينجوان نحو حافة الأمل واللقاء مهما كانت الظروف تسبح ضدهما.

فيه بعض السياسة عبر عن رأي سائد في لبنان، ولا يوجد أفضل أن يميت السيناريو شقيقتها (مها) ورفض (زينة) المشاركة في التشييع الرسمي الذي تتكاثر فيه الأعلام اللبنانية ورايات حزب الله، مفضلة الجلوس والبكاء لوحدها معبرة عن وجهة نظر أصحاب الفيلم بأن هذه ليست حربها.

أما توني، فشقيقه طوحت به الحرب الأولى ليلتحق مع جيش لحد إلى إسرائيل وتبدأ عنده احلام الهجرة بعد أن فقد كل شيء في الوطن الخارج من الحرب والتيه.





دوافع الإخراج

ولعل فيليب كما يقول، بدأ التصوير وكله إحساس بالكراهية للعدو، لكنه انتهى منه وكله حب للشهداء الذين سقطوا وهنا تعلم الدرس الذي وصفه في كلمة واحدة في حفل توزيع الجوائز وهو أن الفن ينبغي أن يكون 'صرخة ضد الكراهية'.

يبرر فيليب عرقتنجي تصويره للموتى في شريطه الروائي بأنه: 'أردت تقديم الحرب بشكل مختلف ولم أكن راغبا في عرض الموتى على الجمهور، لكنهم كانوا هناك، تحت الأحجار والأنقاض، لذلك عملت الفيلم لهم'.

لكن من جانب آخر، إن المخرج وكاتب السيناريو وضعا الخطوط العامة وفي الميدان كانت الأحداث والظروف والنجاح أو الفشل الكفيلة بتحديد مسار الكاميرا مع الاحتفاظ بالجو الروائي العام الممزوج بتفاصيل ساذجة كالمعلومات التي حصلت عليها بأن ابنها أنقذه صحافيون فرنسيون (لماذا فرنسيون بالذات، هل لكون الفيلم إنتاجا فرنسيا مثلا؟!).

الساحة جاهزة والابتكار بسيط

لقد كانت الحرب جاهزة بالنسبة إلى فريق المنتجين ولم يحتاجوا إلى بناء مدن وتهديمها وتفجيرات ودبابات (حتى الجيش اللبناني تم تصويره من دون علمه على الأرجح أن ما يجري فيلم روائي)، بمعنى أن الساحة مهيئة تماما لتصوير حكاية من داخل الحرب وليس أسهل من ابتكار علاقة إنسانية بين مسيحي ومسلمة في إطار لا يحتاج إلى أي عبقرية. وعدا ندى وجورج كل الذين ظهروا في الفيلم لاجئون ومتظاهرون ومدنيون ومسؤولو منظمات غير حكومية وجنود وصحافيون، كل مثل دوره كما عاش لحظتها. هذا لا يعني أن فيليب عرقتنجي وجد الحرب بانتظاره ليصور حبكته البسيطة، فجهده جبار في تلك الأوقات التي لا يمكن للمرء العثور على قطرة ماء نقي، وإذا به يدير فريقا كاملا ليقدم سينما جادة ليست بالضرورة متفوقة فنيا، إلا أن 'تحت القصف' كان مناسبا لهكذا شريط ظهر من تحت لهيب النيران والغدر والبطش وتكاتف الناس العظماء والشد الرومانسي الطاهر وموسيقى فاعلة ومونتاج كلف دينا شراره الكثير من الطاقة والدقة والحرفية.




صاحب الجوائز

لم تكن جائزة المهر الذهبي الأولى التي يحصل عليها 'تحت القصف'، حيث سبق أن حصل في غضون عرضه في أيان فينيسيا السينمائية على جائزتين الأولى جائزة 'إي آي يو سي' لحقوق الإنسان والثانية 'أي آر سي أي' للمبدعين الشباب.

وعرقتنجي واحد من أهم المخرجين اللبنانيين المعاصرين وقدم العديد من الأفلام التسجيلية عن حرب لبنان وأنتج البرنامج التلفزيوني الناطق بالفرنسية 'فسيفساء' وشارك في أكثر البرامج التلفزيونية نجاحا في فرنسا وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان مونتريال عام 1995 وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان بيروت السينمائي عام 1996 والجائزة الذهبية في باريس 1994 وسيرته الفنية مليئة بالجوائز.

01‏/08‏/2008

1612 سجلات زمن المصائب



روسيا المعاصرة تعرض تاريخها الذي تعتبره مجيدا في العام الفاصل ما بين التيه الذي عاشته وعودة أسرة آل رومانوف 1612 ـ 1613 في ملحمة سينمائية أنتجها نيكيتا ميخالكوف الليبرالي الذي أصبح مقربا جدا من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حد دعوته إلى القفز على الدستور وإعادة انتخابه في ولاية ثالثة لا يسمح بها. وهو الفائز بالأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي لعام 1994 في شريطه الموجه إلى نقد الحقبة الستالينية 'الذين هدتهم الشمس'.يحتوي الفيلم على تاريخ مكتوب من وجهة نظر واحدة وخيال تتحدث فيه الأسماك والطيور ويظهر فيه وحيد القرن ومعارك واسعة النطاق منفذة بحرفية عالية وأزياء وموسيقى وتمثيل على أعلى مستوى.ربط لابد منهإنه فيلم يمجد ولادة القيصرية في روسيا عام 1613 وهو اليوم الذي تحتفل فيه روسيا بعيد استقلالها من المحتلين المختلطي الأعراق: بولنديين وأوكرانيين وليتوانيين وتتار وسويديين وألمان وكل الملل التي كانت تحيط روسيا بعد موت إيفان الرهيب حينما وجدت نفسها من غير حاكم قوي يوحد البلاد ويبعد عنها الطامعين ولا يخفى على أي من تابع الشريط، أن قرب منتجه المولود في أوكرانيا من الكرملين والرئيس بوتين شخصيا، لا يستبعد أن يكون هذا الفيلم منتجا من قبل الكرملين بشخص ميخالكوف (لم ينتج فيلم في تاريخ روسيا كلفته 12 مليون دولار كما حدث مع هذا الفيلم بالإضافة إلى أن المخرج لم ينف إسهام الكرملين في التمويل وذكر موقع 'غازيتا رو' بأن تاجر النفط الروسي فيكتور فيكسيلبيرغ ساهم لوحده ب 4 ملايين دولار كمنحة لا ترد لإنتاجه) ليوثب الانطباع لدى الشعب الروسي بأن ما حصل عام 1612 الذي مهد لولادة القيصر ومن ثم روسيا العظمى هو ذاته الذي يحصل هذه الأوقات التي يمسك فيها بروسيا الرجل الذي يعتبرونه الأقوى منذ تلك الأزمنة، وبعبارة مفهومة أن فلاديمير بوتين هو الوريث الشرعي لميخائيل رومانوف. لا يمكن الاستغناء عن هذا الربط في إنتاج ضخم تقتحم فيه السينما الروسية هذا الفن الذي تراجعت بإرادتها عنه منذ الثمانينات حيث لم تقدم غير المحاولات السوفيتية المتأخرة وبعض أفلام البريسترويكا المتهاونة للغاية مع الشروط الفنية.
سيناريو ثابت
الأحداث تبدأ بعد موت إيفان الرهيب وأسر وموت وريثه بوريس غودونوف وفناء عائلته وقتل ابنه فيودور. ومن الواضح أن المادة التاريخية تضغط على السيناريو الذي يحاول الإفلات منها ليقدم قصة سينمائية فيها بعض الخيال والرومانسية ومزيد من الدماء والمعارك لتشويق المشاهد العادي، أضف إلى ذلك، لا يوجد مؤرخان اتفقا على ما حصل في تلك الفترة التي جرت فيها حوادث لم تعرف تماما ولم يحسم الاتفاق التاريخي حولها لاسيما مصير كسينيا بنت غودونوف التي استغلها الفيلم كعنصر رئيسي. وكحال أفلام البطولة الملحمية، لابد من وجود فارس يضمد جراح الأمة ويلحم شقاقها وحتما هناك فلاحون سيبذلون ما بوسعهم للالتفاف حوله لطرد الغزاة والأجانب. وهو وقت القيصر الروسي الأسطوري ميخائيل رومانوف الذي طرد المحتلين البولنديين من الكرملين وإفناء سلالة روريك في عام سل الكلاب الذي أصبح فيما بعد أبهر الأعوام الذي تحتفل فيه روسيا بالاستقلال.
Chroniques du Temps des troubles


الإخضاع والاحتلال
المخرج فلاديمير خوتنينكو يركز على عصر المتاعب الكبرى التي مرت بها روسيا في غضون الغزو الذي تعرضت له الولاية الروسية الفتية من قبل القوات الأوكرانية ـ البولندية المشتركة بمباركة من الفاتيكان الذي كان يحاول طوال التاريخ فرض الكاثوليكية على روسيا التي اختارت الأرثوذكسية مذهبا لها، هذا النزاع الذي أدى إلى تأسيس سلاسة القيصر رومانوف الذي استمر حتى ثورة أكتوبر 1917.وهي محاولة إخضاع أكثر منها احتلال، جاءت في فترة من عدم الاستقرار والفوضى يسلط فيها الضوء على أندريه الخادم في محكمة بوريس غودونوف ولكنه بعد فترة يصل إلى روسيا بصحبة الأمير الإسباني ألفارو بورشا الذي يلقى حتفه على يد لصوص مجهولين وبعد تخفيه سيدعي أندريه بأنه الأمير الإسباني، ليمر بسلسلة من المغامرات في مسعى الوصول إلى الأميرة كسينيا غودونوف بنت بوريس الذي اعتقل ومات في الأسر.

Duel episode

تاريخ مخفف
أن الفيلم لسبب ما ( قد يكون فنيا) خفف تاريخ ذلك الزمان، فمثلا، لم يسمح للقوات البولندية مغادرة موسكو وأبطال تحرير روسيا الحقيقيين مثل كوزما مينين والأمير ديمتري بوجارسكي اللذين نظما فعليا الانتفاضة الشعبية التي أوصلت القيصر إلى الكرملين لم يظهرا إلا في لقطة وحيدة ظهرت بسرعة في خاتمة الفيلم. وللإنصاف ما كان للقيصر الوصول إلى عتبة الكرملين لولا الانتفاضة الشعبية التي نظمها هذان الشخصان. إن كاتب سيناريو 1612 عارف علييف يعد واحدا من أهم الكتاب السينمائيين الروس في الوقت الحاضر وله تجارب ناجحة مع سيرغي بودروف عام 1996 حينما كتبا فيلم 'سجين القوقاز' وملحمته الشعبية الأخيرة 'منغولية'، وإذا كان لم يأخذ حرية تامة في هذا السيناريو لأسباب ستصبح معروفة لمن يقرأ هذا المقال حتى النهاية، فأن إهماله لتفاصيل مؤثرة لا يترك فرصة لمحاباته.

1612 movie music theme

تسييس لا ينكر
خوتنينكو الذي لم ينكر اشتراك الكرملين في إنتاج الفيلم، لم يعلق أيضا على تعليقات أفادت بأن الإنتاج كان موجها من قبل النخبة الحاكمة والصفوة القومية ـ الأرثوذكسية الروسية وتشديده على أن غرض الفيلم للترفيه لم ينطل على أحد، لأن في الفيلم توجها سياسيا معاديا للبولونية اعتبره البعض الرد الروسي للفيلم البولندي 'كاتي' الذي أخرجه أندريه واجدا متناولا فيه مذبحة 'كاتين' التي أعدم فيها الجيش الأحمر آلاف الضباط البولونيين ودفنوهم في غابات كاتين في سيبيريا وتم الكشف عنها في الأيام الأخيرة لحكم آخر الزعماء السوفيت ميخائيل غورباتشوف ولم يخف الفيلم أبدا معاداته لروسيا كفيلم جيرزي هوفمان 'بالسيف والنار' المنتج في بولندا 1999.أما الممثل البولندي مايكل غيبروفسكي (عمل في الفيلمين البولنديين المذكورين والمعاديين لروسيا وليست مشاركته في هذا الشريط مصادفة أبدا)، فينافس أندريه على حب كسينيا ويلعب دورا خفيا في تنفيذ مؤامرة الفاتيكان ويبذل ما في وسعه لجلب الكاثوليكية الرومانية إلى أرض منافسيها الأرثوذكس ولم يكن أداء الممثل الإيطالي المخضرم غابريل فيرزيتي بدور الكاردينال أقل شأنا منه.


زمن المصائب
كما يعتقد بعض النقاد أن ظهور مثل هذا الفيلم في وقت تستعد فيه روسيا للانتخابات يكرس الوطنية لدى الروس الذين لا يعرفون تاريخهم جيدا خاصة الأجيال التي لم تقرأ جيدا ولا يدع أي مجال للشك في مقارنة زمن المصائب في القرن السابع عشر بما حل في روسيا من مصائب مماثلة غاب فيها القائد الأسطوري بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وظهوره بشكل فلاديمير بوتين الذي يقارع المحاولات الأميركية للسيطرة على الكوكب في القرن الواحد والعشرين وفرض الهيمنة بطرق مختلفة كما حصل لروسيا في أوقات الغزو المبارك من الفاتيكان. لقد قالها خوتنينكو بلا مواربة في واحدة من مقابلاته الصحافية: على الشعب الروسي الشعور بالفخر بأن ما حدث في التاريخ القديم من نهضة يحصل الآن بعد 400 سنة! وثمة ربط آخر، وهو أن الكرملين أقر تاريخ دخول رومانوف إلى الكرملين قبل عام واحد فقط كعيد وطني تحتفل به روسيا أسموه عيد الوحدة الوطنية. إن فيلم 1612 بعنوانه الثانوي 'سجلات زمن المصائب' هو صورة مثالية للأسلوب السوفيتي في السينما، وبالتحديد في أفلام الدعاية السوفيتية ويذكرنا بالطريقة ذاتها حين كلف إيزنشتاين بإخراج فيلمه النادر 'الكسندر نيفسكي' من قبل السلطات السوفيتية عام 1938 بغية توحيد الشعب السوفيتي ضد التهديد النازي.إن فضول المشاهد وحده سينقذ الفيلم، فنوعية الشريط تحمل الصور التي تجبر على الانتباه الفائق بنوعية إنتاج عالية لا يمكن التغاضي عنها وأداء هائل من سلاح الخيالة بتفوق رهيب من قبل فرسان محنكين يذهلون الناظر إليهم ناهيك عن الجهد الجبار الذي نفذه الإنتاج بإعادة بناء المدن التاريخية وتصميم ملابس ذاك الزمان ليظهر كعمل رائع من الناحية الجمالية.