06‏/08‏/2008

Goya's Ghosts

انهيال آلام التاريخ في الراهن

نحن في إسبانيا 1792 لنتابع ميلودراما يقدمها المخرج التشيكي المميز الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في فيضان موهبته، المجنون الذي بدأ مهنته بالدراسات الرفيعة في ديناميكا الموجة الجديدة للسينما وتفوق في دراسته عام 1965 ميلوس فورمان صاحب الإنجازين السينمائيين الفذين 'أمادويس' و'الطيران فوق عش الوقواق'، الشريطين اللذين منحاه ثماني جوائز أوسكار والذي لم يخرج أي فيلم منذ 'الدوران حول القمر' عام 1999 وبانت السنوات الثماني التي قضاها بلا عمل على شريطه الجديد بسبب ذبوله المحتمل.في المشاهدة الأولى للفيلم ينبثق انطباع بأن في الشريط البالغ طوله ساعة و 54 دقيقة، الكثير من السياسة والفلسفة الدينية والتبختر في صالات اللوحات الخالدة تدار بأسلوب المسلسلات التلفزيونية المسرفة الإطالة تنقل صور الفوضى الأخلاقية واليومية لإسبانيا الرازحة تحت حكم ملكي فاسد وتجبر الكنيسة اللذين كانا يعممان الظلم. وينشغل فورمان كثيرا ليعطي مساحة واضحة لآلام القرن الثامن عشر محاولا الانفلات منها لعكسها على عصرنا بطريقة انهيال التاريخ في الراهن ساعدته مخطوطة كتبها جين كلود كارير بتعاون ثان مع لوريس ويل بو ومشاركته المباشرة في كتابة السيناريو.لكن الانطباع الأول سيزول ليحصد الفيلم على أقل تقدير وصفا جميلا جدا منذ افتتاحه بتصفح لوحات غويا واستقصاء جناح لوحاته، وهناك تصرف مقبول بالسيرة الخاصة لغويا من قبل المؤلف ولا يلاحظ عبثا كبيرا في تاريخ هذا الرجل ولا بتلك الأحداث التي جرت في عصره.


تحفة سينمائية محيرة تتطلب مشاهدا حَـسِـن الثقافة وحزين وممتلئ الإحساس بالمعرفة

حزمة مواهب كبيرة
تبرز موهبة خافيار بارديم (رشح للأوسكار كأفضل دور رئيسي) بالتلاعب والتناغم الرائع لأداء الصوت وإلقاء مدعم بتمثيل على نمط المسرح البريطاني وكنا نحسب أن لورنس أوليفيه حاضرا في 'هنري الخامس'، لكن على الرغم من محاولاته ظهر مثل شكسبيري مزيف ولكنه ذكرنا ببيتر أوتول في 'الأسد في الشتاء' وريتشارد بيرتن في 'مرة من الأيام الألف'، محاولا استرداد الوزن الثقافي الكبير للأزمنة الخوالي لبيرتون وأتول وآخرهم ميريل ستريب الذين خلقوا الجمهور المثقف، مقدما دور الأخ لورينسو الكاهن الداعر، بينما جسد شخصية الفنان الإسباني فرانسيسكو خوزيه دي غويا 1746 ـ 1828 (ستيلان سكارسكارد) ككاثوليكي مستقيم ينكر إيمانه الصارم أحيانا لاسيما حينما يتم اتهام بنت صغيرة بأنها يهودية لكونها لم تتناول صحن لحم خنزير فظيع المظهر في حانة. وتكاد ناتاليا بورتمان تثبت في كل مشهد أنها ممثلة مسرحية من طراز خاص مقدمة دور إنيس بلباتو ابنة تاجر محلي ثري يستخدمها غويا كموديل للملائكة الذين كان يرسمهم على جدران الكنائس.سكارسكارد سيحتفظ بابتسامته قدر ما يستطيع وأسلوبه في التمثيل فيه ثقة فنان كبير قادر على خرق القواعد وبلا مبالغة كان حريصا على أن تخرج الأحداث ابتداء منه وهو لم يكن شريرا في عالم شرير بما يكفي حوله، لذلك لم يعترض على بعض الدناءة العرضية التي لم يجهد في إقناع نفسه على رؤيتها أو التعايش معها.

الشبح الأكبر في الفيلم كان غويا نفسه

الروعة البذيئة
يبدأ الفيلم بعرض رسومات غويا وبعدها مباشرة كان كبار الكنيسة الإسبانية يدينون تخطيطات غويا التي صورت تعذيب المنشقين والزنادقة وحديث حول حث الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بتحصين نفسها وتنشيط عمليات الإقصاء لتنقية الأرض منهم.يلي ذلك مشهد رمي جثة حيوان في واحد من بساتين الملك البليد كارلوس الرابع لكي تتجمع عليها الطيور ويصطادها بشبق لكون الملكة ماريا لويزا فضلت العقبان لعشائها وهو إيحاء مبكر من فورمان وموفق إلى حد بعيد لتهيئة المشاهد للدنيا الفاجرة التي سيقدمها فيما بعد والروعة البذيئة لبيوت الملوك، فيما شوارع المملكة تعج بالحياة الساقطة وسط الموت الرخيص.
الحياة على طبق خنزير
لم تفعل إنيس شيئا سوى أنها عبرت عن اشمئزازها من طبق الخنزير، ولأنها لم تجده شهيا، فضلت حساء الدجاج عليه وبعض البطاطا، لكن عينا كانت تراقبها كتبت تقريرا إلى الكنيسة لتتهمها في اليوم التالي أنها تخفي سرا معتقدها اليهودي لتبدأ بعد ذلك سلسلة رهيبة من عمليات التعذيب التي عرفت بها أقبية الأديرة في القرن الثامن عشر.ستعلق إينيس عقوبة على شهيتها المفقودة وستسحل عارية وسيغتصبها الكاهن لورينسو وتجبر على توقيع اعتراف بأن جدها قدم إلى إسبانيا عام 1620 من أمستردام وأخفى أصلهم اليهودي بعد اعتناقه الكاثوليكية.في هذه الأوقات كان غويا يطلي الكنائس بوجوه الملائكة وفي الوقت نفسه يقدم نفسه على أنه 'الرسام الملكي' على الرغم من أن الملكة ماريا لويزا (بلانكا بورتيللو) المعروفة بعدم جاذبيتها لم تمتدح اللوحة التي رسمها لها وهي على حصانها لأنه أظهر عمرها الحقيقي بملامح وجهها الأصلي.
Goya's Ghosts-Time to say goodbye

فلسفة التعذيب
والد إنيسا (خوزيه لويس غوميز) سيكون في عصر اليوم ذاته عند غويا لأنه يعرف بأنه يرسم لوحة للأب لورينسو الذي كان يشرف على تعذيبها وفي هذه اللحظة كان يغتصب ابنته في السجن.لم يطلب والدها من غويا سوى رؤية هذا الرجل، مشيرا إلى البورتريه الذي أكمله وبعد توسل قبل غويا ترتيب لقاء عشاء في بيت التاجر الثري.هنا بدأت محاورة عميقة جدا بين خوزيه غوميس وخافيار بارديم الداخل تماما في شخصية الأخ لورينسو والمصر على أن الله سيعطي القوة لقول الحق فقط، لكن التاجر يعتقد أن التعذيب سيجعل المرء يقر بأمور غير موجودة وبأي شيء إذا أجبره العذاب على ذلك. ولكي يثبت نظريته أمر أبناءه بتعليق لورينسو في الثريا المتوسطة صالة الطعام وأجبره على توقيع ورقة يقر فيها أنه قرد!سيتركه والد إنيسا ويعده بحرق الورقة ما ان يرى ابنته في البيت، لكن لورينسو لا يستطيع إطلاق سراحها ففي هذه الأثناء حملت منه في سجن الكنيسة وهو الكاهن الكاثوليكي المعروف، لذلك قرر الهرب إلى فرنسا ليلتحق بالثورة هناك وقبلها سيزورها للمرة الأخيرة في السجن ليغتصبها من جديد بالعبارة المشفرة التي أصبحت تعرفها: 'لنصل معا'!يداهم حرس الكنيسة مرسم غويا ويسحبون بورتريه لورينسو ويحرقونه وسط الساحة بموسيقى صفير الحضور واستهجانهم من الهارب وخائن الكنيسة وفي غضون سماعه للصفير سيفقد أهم رسامي عصره فرانسيسكو غويا السمع.

Goya's Ghosts

بعد 15 سنة
ستدخل جيوش نابليون وتحرر إنيسا وغيرها من سجون الكنيسة في مشاهد فيها تأثير فيكتور هيغو والكسندر دوماس لتزور بيتها القديم. ستراه وقد نهبه العامة وقتلوا والديها وأخوتها ولم تجد غير باب غويا لتطرقه فيضع في يدها قطعة معدنية متصورا أنها شحاذة، لكنها تومئ إليه بلوحتها التي رسمها لها قبل 16 سنة، فيدعوها للدخول ويعد لها شيئا تأكله ويعطيها قلما وورقة لتسرد له كتابة ما حصل لها ولم تذكر سوى أنها تبحث عن ابنتها التي أخذوها منها في السجن ما إن بدأت تشم حليبها.وفي هذه اللحظات سيترأس لورينسو العائد إلى إسبانيا مع القوات الفرنسية محكمة تصدر حكم الإعدام بالأب جريجوريو وكل زملائه السابقين في الكنيسة. لكنه سيؤجل تنفيذ الحكم بعد أن زارته إنيسا بصحبة غويا لتخبره بأن لهم ابنة سيلقى بها مجددا في مستشفى المجانين. ويزور الأب جريجوريو في السجن ليعلم بحقيقة ابنته التي هربت بعمر 11 سنة من أحد الأديرة واكتشفها غويا بعد أيام في منتزه مدريد الرئيسي الذي تتجول فيه داعرات المدينة.لم يترك غويا ملاكه إنيسا، زارها في المستشفى واشتراها من مديرها الجشع، وأخبرها أنه عثر على ابنتها، لكن لورينسو سبقه إليها وأودعها مع فتيات أخريات في عربات التهجير إلى أميركا. سيعترض غويا على إجراء لورينسو وكيفية سوق الإسبانيات كعبيد للأميركان، لكن القافلة ستقع في الطريق بيد القوات البريطانية التي كانت تزحف إلى مدريد لتشاهد البنت إليسا التي فقدت ابنتها هي الأخرى في عملية الاعتقال من فوق شرفة مع ضابط بريطاني تشاهد إعدام أبيها الذي لا تعرفه، لكن إنيسا ستأخذ الرضيعة من تحت طاولة الحانة لتهتف بلورينسو أن يرى ابنتهما، يحدق بها قبل شنقه ويبتسم لها.

أهداف فورمان ـ كارير
ساعد التصميم الصحيح لليزلي تشاتز على إظهار الفيلم بالعمق المطلوب، وتابع مهندس الصوت عمله بالدقة نفسها، فكانت أبواب الكنيسة تفتح وتغلق على الطرق الواسعة وأصوات الأجراس البعيدة وصوت الأكتاف وحفيف الأقدام وشغل خافيار أغيرساربو في إدارة التصوير حسن جدا وخاصة تركيبه الألوان والتظليل ومراقبة تمثيل العيون والصور المقربة التي كانت تطمس صعوبات الديكور.أما السيناريو فثمة شك في أن فورمان والكاتب الأسطوري للسيناريو جين كلود كارير افتقرا إلى رواية القصة على الشاشة، فثمة وهن في بعض المشاهد وخاصة استدعاء لورينسو لابنته إلى عربته كمومس ومفاتحتها مباشرة في الشارع العام بأمر تهجيرها إلى أمريكا وإفلاتها منه بكل بساطة بعد أن تدارك فضيحة مع مومس في شارع عام وهي لا تعرف بأن الشخص الذي هربت منه يكون والدها. ولكن فورمان وكارير ظفرا بهدفيهما حينما تحركت الكاميرا في مشاهد كثيرة أخرى كانوا واثقين فيه بالتوازن بين الحاجة للتوثيق واعتبار غويا شاهدا على التاريخ والالتزام بالحس الدرامي ـ الفني.غير أن النقد المتبصر لا تفلت منه عملية النفخ الميلودرامي بحوادث مبنية على الصدف التي تلد صدفها. ويحدث تعاقب الأحداث الهرمي على المصادفات الكثيرة وحدها، أما الخيوط الأخرى التي كانت مهمتها تشبيكها، فقد ظلت عالقة في شريط مليء بالميلودراما وأناس يعيشون حياتهم ضد خلفية التاريخ والرياح والمصير.



إرغام السيناريو
ولم يعان أيا من كاتبي السيناريو على الأرجح أن تكون القصة عن غويا لاستكشاف حياة الفنان أو أن يضعوه مراقبا تاريخيا لما حصل في زمانه، وفضلا الخيار الثاني رغم أنهم وضعوا اسم غويا في عنوان الفيلم، ولا نرى بأن الأمر أضر بغويا أو الفيلم.كما أنهما حشرا الكثير من المواضيع البالغة التعقيد فلسفيا وتاريخيا في شريط واحد ربما لا يتحمل محاكمة: الكاثوليكية، تاريخ إسبانيا، لوحات غويا، تاريخ الكنيسة والحروب الكثيرة والغزوات التي حدثت في نهاية القرن الثامن عشر. فهناك دائما المحور القصصي الذي يلتصق بالشريط، لكن هذا اللاصق غاب بشكل مؤلم في 'أشباح غويا'.إن إرغام السيناريو على حشد كل هذه الموضوعات الكبرى في فيلم واحد كتحفة محيرة تتطلب المشاكل الفلسفية التي طرحها الاستعانة بأفلاطون ومن الجانب الآخر وجود مرغم آخر وهو مشاهد حسن الثقافة، حزين وممتلئ الإحساس بالمعرفة وهو مشاهد نادر في عالمنا.هذا الأمر ليس بالشيء السيىء، لكنه سيف ذو حدين، ولأجل ذلك صرف ميلوس فورمان بمساعدة منتج متعاون فائز بالأوسكار منذ مدة طويلة (ساول زانيتز) أشرف على التصوير من 5 سبتمبر حتى السابع من ديسمبر 2005 في المدن الإسبانية: مدريد، سالامنكا، تيليدو وغونيسا، مبددا الكثير من الأموال ليعيد إنشاء إسبانيا نهاية القرن الثامن عشر مستخدما المجاميع البشرية الهائلة.من ناحية أخرى ليس ل 'أشباح غويا' غرض واضح ولا رسالة بعينها ولا شخصية مركزية يعول عليها لحمل الشريط (تقريبا لم تتعلق القصة بغويا شخصيا وبدا الشبح الأكبر في الفيلم هو غويا نفسه) واعتمد على عنف الماضي والغزو النابليوني المشؤوم لإسبانيا عام 1807 عندما اعتقد الفرنسيون بأن الزهور ستلقى أمامهم في الطرقات بعد عتقهم من الحكم الملكي الفاسد والكنيسة المستبدة.وعلى الرغم من أن الفيلم كله يدور في إسبانيا وعنها، إلا أننا نشاهد ممثلا إسبانيا واحدا فحسب، والذين لعبوا الأدوار الرئيسية: أميركي وإنكليزي وسويدي. وهذه واحدة من المشاكل التي يعانيها الوضع السينمائي في العالم، فالكلام بالإنكليزية (وإن كان مزيجا عشوائيا لمختلف اللهجات) يضمن للمنتجين بيعه في أي مكان، لكون الإنكليزية أصبحت لغة الأعمال والجريمة والجنس والحروب.

Francisco Goya \1746-1828

الأسئلة الراهنة
يطرح الفيلم بعض الأسئلة الجانبية، ولعلها كذلك إن لم تكن الرئيسية: هل كان فورمان يلمح بالشجب لأعمال الغرب الذي رفع لواء الحرب على الإرهاب بتذكيرهم بالإرهاب والاضطهاد الديني الذي كانت الكنيسة تمارسه ضد الأناس الذين اعترضوا عجلتها الوحشية؟ إن المحاضرة التي ألقاها لورينسو بعد دخول جيوش نابليون إلى مدريد تظهر كخطاب سياسي ألقاه جورج بوش بعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد وهو تدخل مبهم أولجه فورمان بشكل تقريري.


الخاتمة
ستبقى خاتمة هذا الفيلم واحدة من أروع صور السينما ولوحة باهرة اجتمع فيها كل عمق هذا الفن والموهبة العظيمة لفورمان.لم يعتذر لورينسو للكنيسة وفضل الموت على ذلك، لكن ابتسامته على منصة الإعدام لمصدر صوت إنيسا كانت بمنزلة إعلان توبة أمام قلبه والفظائع التي اقترفها بحقها.وإنيسا الوحيدة التي رافقت جثته التي سحبتها عربة بحمارين وكان رأس لورينسو يتدلى من العربة ليبصر في لحظاته الأخيرة مدريد بالمقلوب مع موسيقى مشكلة من غناء أطفال على الرغم من كل ما فعله معها وغويا خلفهما. وكأن المعادلة الرهيبة العمق تسير وفق الهارمونيا التالية : تسير نحو وفائها ممثلة الحياة ويلحقها غويا متشبثا بالحياة برمزها الأثيري والاثنان يمشيان في جنازة الحياة نفسها، برذائلها وقسوتها ووحشيتها وندوبها ووفاء الملائكة الذين انصهروا جميعا في اللوحة الفائقة الجمال التي التقطها غويا لأشباحه.

Love in the Time of Cholera


( 1 ) الرواية


نجاح لا يجارى حققته رواية الكولومبي الفذ غابرييل غارسيا ماركيز 'الحب في زمن الكوليرا' الصادرة باللغة الإسبانية عام 1986 في كل أنحاء العالم وبعد أكثر من عشرين سنة وبلوغ الكاتب الأمهر 80 عاما يخرج مايكل نيويل الرواية إلى السينما المعروف بأعماله الأخيرة 'أربع حفلات زفاف وجنازة'، هاري بوتر وقدح النار، مقدما قصة حب استمرت أكثر من 50 سنة تبدأ في قرية كولومبية صغيرة وتمر بباريس ولأنها كما روايات ماركيز الأخرى تحفل بالجنس، فالرقابة صنفت الفيلم لجمهور تعدى سن الرشد. يقوم ببطولة الفيلم خافيار بارديم وجيفانا ميزغيرونو.معضلة قارئ الرواية الذي سيكون شغوفا بها بلا شك، سيحملها في شرايينه، وسيضطر للمقارنة في كل ثانية، فالرواية معشبة وشائكة الأدغال ومليئة بالرمزية الذي ابتدعه الشكل الأدبي الفائق الأهمية المعروف بالواقعية السحرية.

Gabriel García Márquez
لكن الذي يعني المخرج والممثلان الرئيسيان وكل من ارتضى الارتباط بالنسخة السينمائية لماركيز هو التحدي الكبير الذي جلبه لهم حبهم للرواية نفسها. القضية في منتهى الصعوبة، فإذا كانت الترجمة من لغة إلى أخرى تتطلب معجزة وعبقرية لإتقانها، فكيف الانتقال من فن لآخر لاسيما في حكايات ملحمية يكتبها ماركيز. ولا نخفي أيضا جسارة المهمة لمن يتجرأ ويكتب عن الرواية والفيلم لينتج عملا مفيدا آخر يحمل عظمتها وبهجة الحياة مرورا بنهاية الحياة التي علمنا إياها المعلم الفائق الموهبة غابريل غارسيا ماركيز الذي استدرجنا من جديد لواحدة من الروايات التي لا يمكن مفارقتها أبدا ولابد من تقديم عرض موجز لهذه الحكاية الأثيرة التي بدأت أحداثها في وقت متأخر من عام 1879 حيث التقى مريض بالحب ربته المتوجة لغاية ثلاثينات القرن العشرين حينما ركبا الموجة المتهادية قدما نحو الحياة الأبدية.

El amor en los tiempos del colera


رمل القلب
نبدأ بحادثة الانتحار التي عرفنا من خلالها ماركيز على الدكتور خوفينال أوربينو (بنجامين برات ) قائلا لشاب يدرس التشريح في مستوصف المدينة: 'لن تعدم هنا وجود مجنون في الحب يمنحك الفرصة في يوم من هذه الأيام'، فأولئك الذين يموتون حبا يوجد رمل في قلوبهم عادة! سيقول له الشاب: 'من المؤسف أننا ما زلنا نلتقي بمنتحر دافعه للانتحار ليس الحب'. وهنا تستمر التهيئة لعرض قضية كبيرة يتساءل عندها الكاتب: 'غير انه لم يفهم كيف أن كائنين راشدين وحرين وبلا ماض، على هامش اهتمامات مجتمع غارق في شؤونه، قد اختارا نكبة الحب المحرم'، ويقود هذا التساؤل لحالة موت أخرى لصديق الطبيب الذي كانت زوجته قد 'ساعدته على تجاوز الاحتضار، بالحب نفسه الذي ساعدته على اكتشاف السعادة'، أما المتوفى جيرميا دي سانت آمور فقد كان يحب الحياة بعاطفة مبهمة، كان يحب البحر والحب، يحب كلبه ويحبها، وكلما اقترب اليوم الموعود كان يهوي أكثر فأكثر إلى اليأس لأنه كان يتنهد حيث كانا يرقدان بعد الحب: 'لن أصير كهلا أبدا' وقد فهمت على أنه نية بطولية للنضال دون هوادة ضد نكبات الزمن. وهكذا عندما أزف القدر الحتمي قالت: 'عندما تركته وحيدا في الليل، لم يكن من أهل الدنيا'. وطيف كلماته الأخيرة: 'تذكريني بوردة'. وبعد أن ارتدت ملابس الحداد قطفت من الفناء أول وردة من وردات الفجر. تبتعد الرواية بتعمد عن الشخوص الذين سيظهرون بقوة فيما بعد، فقد كانت ملامسة جانبية، أراد فيها ماركيز تصفية حساب أولي خاص جدا بأكثر عناصر الرواية: الحب الأبدي، الشيخوخة، الخلود، مدى الحياة، الوفاء، الصبر على الحب وغيرها حتى يتلو القضية الرئيسية.


فيرمينا المسكينة
فيرمينا داثا ( جسدتها بعذوبة جيفانا ميزغيرونو ) لها اثنتان وسبعون سنة وكانت، حسب وصف ماركيز، قد فقدت مشيتها الغزلانية لكنها تعيش وسط حيوانات مختلفة وكل الأزهار المتاحة واحتفلا منذ وقت قريب مع خوفينال أربينو باليوبيل الذهبي لزواجهما وليس بإمكان احدهما العيش لحظة واحدة دون الآخر أو دون التفكير به مع إنهما يعيان ذلك أقل فأقل كلما استفحلت الشيخوخة ولم يكن بمقدور أي منهما القول إن كانت تلك العبودية المتبادلة ترتكز على الحب أم على الراحة وبدأت تكتشف شيئا فشيئا تعثر خطى زوجها واضطراب مزاجه وتصدع ذاكرته والبكاء وهو نائم ورأت في ذلك عودة سعيدة إلى الطفولة ولذا لم تعامله على أنه شيخ صعب، وإنما كطفل هرم، ولقد كانت تلك الخدعة إلهاما لكليهما لأنها وضعتهما بمنأى عن الشفقة. ولقد علمتهما الحياة أن تصريف كوارث الزواج العظيمة أسهل من تصريف المناكفات اليومية الصغيرة وإذا كانا تعلما شيئا ما معا، فهو 'أن الحكمة تأتينا في الوقت الذي لا تعود به ذات نفع'، فحتى الشجار في الزواج يبعث في كلا الزوجين رغبة الإذعان والبدء في حياة أخرى أما الجراح قليلة الالتئام سرعان ما تعاود النزيف وكأنها جراح الأمس.سيسقط أربينو من على الشجرة في محاولة مميتة للقبض على الببغاء المشاكس وسيلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديها بعد أن تمكن من التعرف عليها وسط الحشد ومن خلال دموع الألم التي لا تتكرر لموته من دونها، وتطلع إليها لآخر مرة وإلى الأبد بعينين أشد بريقا وأكثر حزنا وأعظم امتنانا مما رأته طوال نصف قرن من الحياة المشتركة واستطاع أن يقول لها مع النفس الأخير: 'الله وحده يعلم كم أحببتك'.
Javier Bardem

فلورينتينو الباهر
سيظهر فلورينتينو اريثا ( صوره بكل عمق خافيار بارديم ) بين جموع الوجهاء والأعيان في جنازة الدكتور خوفينال أوربينو ولم تميزه فيرمينا داثا وسط صخب التعزيات الأولى وكانت مساعداته الكثيرة لا تقدر بثمن في ساعة الشؤم التي يمر بها البيت، ولكن كان ثمة أمران يثيران الشكوك في 'عازب متماد في عزوبيته'، لقد انفق مالا كثيرا وحيلا واسعة وتصميما شديدا كي لا تظهر آثار السنوات الست والسبعين التي أتمها وكان مقتنعا في عزلة روحه بأنه أحب بصمت أكثر بكثير من أي كان في العالم.وعندما رأته فيرمينا داثا في آخر أيام عزاء زوجها، كانت المرة الأولى التي تراه فيها بوعي طهره النسيان، ولكن قبل أن تتمكن من شكره لهذه الزيارة، وضع قبعته فوق موضوع القلب وشق الدمل الذي كان قوام حياته بان قال لها بصوت مرتعش ووقور: 'فرمينا.. لقد انتظرت هذه الفرصة لأكثر من نصف قرن، لأكرر لك مرة أخرى قسم وفائي الأبدي وحبي الدائم'.لم يكن لامرأة تحافظ على حرمة بيتها التي انتهكتها عبارات حبيب طفولة وجثة زوجها ما زالت ساخنة في القبر إلا أن تجيب بلا غضب: 'انصرف.. ولا تدعني أراك ثانية في السنوات المتبقية لك في الحياة.. وأرجو ان تكون سنوات قليلة'. وهي الآن قد بلغت الثانية والسبعين، لم تكن تعي تماما حتى هذا اليوم، وزن وحجم المأساة التي أثارتها وهي في الثامنة عشرة من عمرها حيث ستلاحقها حتى موتها وحينما بكت لأول مرة على الفراش دون زوجها هزها خاطر مبهم: 'على الناس الذين يحبهم المرء أن يموتوا مع كل أشيائهم' ونامت على أن يحقق الله لها أمل الموت، لكنها كانت تفكر وهي منتحبة في الحلم، بفلورينتينو اريثا أكثر من زوجها الميت.


كارثة الحب
لقد مضى على رفضها له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر وأربعة أيام ومن جانبه لم يمر يوم إلا ويحدث شيء يذكره بها وكان قد رآها لأول مرة في عصر يوم كلفه فيه لوتاريو توغوت بإيصال برقية إلى شخص بلا عنوان واضح اسمه لورينثو داثا كان قد وصل حديثا إلى المدينة ولم تكن له فيها صداقات كثيرة. وما ان سلمه البرقية وخلال خروجه لمح صبية تتعلم على البيانو وما أن رفعت نظرها لترى من الذي مر عبر النافذة، كانت هذه النظرة العابرة أصل كارثة حب لم تنته بعد مرور نصف قرن. وبدأ الأمر بتعقب مرورها ذهابا وإيابا إلى المدرسة أربع مرات في الأسبوع ومرة واحدة أيام الآحاد عند الخروج من القداس الكبير وكانت رؤية الصبية تكفيه، وشيئا فشيئا بدأت الرسائل التي كان يخطها بحرفية متحولة إلى معجم للغزل المتأثر بالكتب التي حفظها غيبا لكثرة جلوسه في الحديقة وهو ينتظرها. ولكن فيرمينا داثا كانت بمنجى حتى من مجرد الفضول بشأن الحب، الشيء الوحيد الذي أثاره فيها فلورينتينو اريثا هو قليل من الأسى، إذ بدا لها عليلا، غير إن عمتها قالت لها أنه 'لابد من العيش طويلا لمعرفة الطبيعة الحقيقية للرجل'، وكانت مقتنعة أن ذلك الذي يجلس في الحديقة ليراهما تمران، لا يمكن إلا أن يكون مريضا بداء الحب. وكان ظهور اريثا بالنسبة لهما تسلية جديدة وكانتا تسرعان للبحث بنظرة فورية عن ذلك الحارس الضامر، الخجول، ضئيل الشأن الذي يرتدي بشكل دائم ملابس سوداء رغم الحر ويتظاهر بالقراءة تحت الأشجار. واحتياطا لأي نوع من المصائب علمتها عمتها التواصل بحروف يدوية أو الإشارات التي كانت الوسيلة الوحيدة الضرورية للغراميات المحرمة.


LOVE IN THE TIME OF CHOLERA

رسائل حب
لكن التسلية تحولت إلى قلق للإسراع برؤيته وصارت تدعو أن يمنحه الله الشجاعة كي يسلمها الرسالة لتعرف فقط ما الذي سيقوله فيها. وبعد أوقات مريرة انتصب مرة أمامها وشعر بشهقتها وبتنفسها الوردي الذي سيميزها فيه طوال حياته المتبقية متحدثا إليها برأس مرفوع وبتصميم لن يصل إليه ثانية إلا بعد نصف قرن، وللسبب نفسه قال لها: 'الشيء الوحيد الذي أطلبه منك هو أن تتقبلي رسالة مني'. أخبرته بأنها لن تتقبل الرسائل إلا بعد حصولها على إذن من والدها وكان قرارها الثاني قد فتح له الباب الذي يتسع للعالم بأسره حينما قالت:'عد مساء كل يوم وانتظر إلى أن أبدل مقعدي'. كان قد كتب لها سبعين صفحة، لكن حينما أزفت لحظة تقبلها الرسالة سلمها نصف ورقة فحسب انتزعتها منه وقالت:'اذهب الآن ولا ترجع إلى أن أخبرك'. وفي فترة انتظار الرد صار نبضه ضعيفا وتنفسه رمليا وعرقه شاحبا وتأكد أن 'أعراض الحب هي أعراض الكوليرا نفسها' ولم يداوم على وصفات الطبيب وعمل عكسها تماما لأنه كان في جوهر الأمر مستمتعا بعذابه وهو الذي حددته أمه: 'انتهز الفرصة لتتألم بقدر ما تستطيع الآن وانت شاب، لأن هذه الأمور لا تدوم طول الحياة'. هكذا أثرت تشوشات الحب على حياته العملية ودائما يرى غائب الوعي فوق ملطم الأمواج حيث يتعزى العشاق الذين لا سقف لديهم بممارسة الحب وفي غيبوبته وأخيرا وجدته العمة فأنبته على سلبيته في انتظار الرد على الرسالة وذكرته بأنه لا يمكن للضعفاء دخول مملكة الحب، لأنها مملكة صارمة وقاسية وإن النساء لا يستسلمن إلا للرجال المصممين لأنهم يبعثون فيهن الطمأنينة التي يتعطشن إليها لمواجهة الحياة. استوعب الدرس وطبقه أولا على العمة التي لقنتها إياه حينما داهمهن في الحديقة وطلب منها تركهما، وفي هذه الفترة كانت الصبية جمعت عنه معلومات كافية وعرفت ان له مستقبلا واعدا وفي أيام الآحاد حينما كان يعزف، أحست ان الكمان يعزف لها وحدها، ومع ذلك لم يكن نموذجا للرجل الذي ستختاره، لكن أساليبه الغامضة أثارت فيها فضولا من الصعب مقاومته، لكنها لم تتصور أبدا أن يكون الفضول هو احد مصائد الحب الكثيرة.

لا شيء أكثر صعوبة من تحويل الحب في الحياة إلى الأدب ومنه إلى السينما

سنة الحب العنيف
بدأت سنة الحب العنيف حينما وصلت إليه رسالة تركتها العمة في مكتب التلغراف في كتاب صلوات مجلد وفيه ظرف مبطن ومزين بصورة مذهبة، تلك الرسالة التي جعلت اريثا مختلا من السعادة يراجع الرسالة حرفا حرفا ويأكل الورد الذي احتواه الظرف مما جعل أمه تجبره على شرب زيت الخروع. بعدها لم يكن في حياة أي منهما شيء سوى التفكير بالآخر وانتظار الرسائل بشوق كشوق الرد عليها ولكن من أن رأيا بعضهما لأول مرة وإلى أن كرر عليها قراره بعد نصف قرن، لم يحصلا أبدا على فرصة اللقاء منفردين. كان يجلس في مقبرة الفقراء المكشوفة للشمس والمطر فوق تلة جرداء يعزف لها معزوفة السيرناد أطلق عليها 'الربة المتوجة' حيث كانت الموسيقى تصدح بأصداء ما ورائية تسوقها الريح إليها. ومع بداية واحدة من الحروب الكثيرة استمر اريثا يرسل الموسيقى غير عابئ بحال الدنيا حتى اعتقلته دورية عسكرية وهو يقلق عفة الموتى باستفزازاته الغرامية واتهموه بالتجسس وإرسال إشارات ضوئية لسفن العدو، وكان يردد: 'أي جاسوس وأي لعنة. أنا لست سوى عاشق بائس'. وفي شيخوخته وعندما اصبحت تختلط في ذاكرته ذكرى حروب أخرى كثيرة، فكر بانه الرجل الوحيد الذي جر بقدميه أصفادا زنتها خمسة أرطال من أجل قضية حب. وحينما عرض عليها الزواج أجابت بقصاصة منتزعة من دفتر مدرسي 'حسنا أوافق على الزواج منك إن انت وعدتني بألا تجبرني على أكل الباذنجان' !



رحلة النسيان
لكن علاقتهما السرية اكتشفتها راهبة مدرسة ظهور العذراء المقدسة التي تدرس فيها فيرمينا داثا فيما تتجسس على التلميذات وجدت الصبية تكتب رسالة حب في درس المعرفة الكونية وكان هذا سببا كافيا لطردها واستدعاء والدها لورينثو داثا الذي اكتشف سريعا الثقب الذي كان يتسرب منه نظامه ورسائل ثلاث سنوات مخبأة بمحبة تضاهي المحبة المبذولة في كتابتها. تم طرد العمة في أول مركب وحبست الصبية نفسها وحاولت الانتحار بسكين المطبخ، الأمر الذي دفع الأب للذهاب ومقابلة العاشق الشاب والتحدث إليه 'رجلا لرجل لخمس دقائق' كما طلبن منه حينما أمسك ساعد الفتى بحزم في مكتب التلغراف وبعد أن حكى لورنثو ديثا سيرته الشخصية لفلورنتينو اريثا اختتمها بحزم: 'ابتعد عن طريقنا'. وتطور الحديث أن هدده: 'لا تجبرني على قتلك'. ولكن فلورنتينو لم يرتعش لهذا التهديد وأشار إلى قلبه قائلا: 'اقتلني'. بعدها حمل الأب ابنته إلى رحلة النسيان وما كانت تبدو لها بهذه المرارة لولا قلقها بانها لن ترى اريثا بعد اليوم، وكان اريثا قد أقام جمعية واسعة من عاملي التلغراف لاقتفاء آثار فيرمينا داثا حتى آخر قرية وصلت إليها. ستمر سنوات رحلة النسيان لتعود مجددا إلى المدينة وسيلاحقها في الطريقة نفسها لغاية اليوم الذي يقترب منها في السوق ويحاول التحدث معها، لكنها لم تشعر بهيجان الحب كما في السابق، وتساءلت كيف استطاعت أن تحتضن طوال هذا الوقت وبكل هذه القسوة حرقة قلب كتلك وبالكاد استطاعت أن تفكر:'رباه، يا للرجل البائس'. وكانت رسالتها الأخيرة من سطرين:'عندما رأيتك اليوم، أدركت أن ما كان بيننا ليس إلا وهما'. وبعد أن أعادت إليه كل ما يربطها معه، لم تتح لفلورنتينو اريثا الفرصة أبدا لرؤية فيرمينا داثا على انفراد ولا التحدث إليها أثناء لقاءاتهما الكثيرة في حياتهما الطويلتين، إلا بعد انقضاء إحدى وخمسين سنة وتسعة اشهر وأربعة أيام عندما كرر لها يمين الوفاء الابدي والحب الدائم في ليلتها الأولى كأرملة.

راية الكوليرا كانت راية لانتصار الحب و تحرر الروح من ظلام الصبر

الرحلة الخالدة
ستنمو بعد نصف قرن، علاقة جديدة لم يستطع أحد ثنيها هذه المرة لتعترف: 'قبل قرن من الزمان أفسدوا حياتي مع هذا الرجل المسكين لأننا كنا لا نزال صغيرين، وها هم يريدون إفسادها مجددا لأننا أصبحنا عجوزين'. قررا هجر بيتيهما والانطلاق قدما وعدم العودة أبدا، وإن كانت السفينة الأولى التي مخرت مياه نهر مجدلينا اسمها 'وفاء'، فقد عمد فلورنتينو اريثا سفينة أطلق عليها 'وفاء الجديدة' لكونه رومانسيا مزمنا وجاء اليوم الذي انتظره لنصف قرن ليلتقيا على انفراد وكانت السفينة تتقدم تسحبهما نحو بريق الأزهار البدائي وإدراكهما بانهما بعد تجاوزهما السبعين يتصرفان كخطيبين زاد من انبهارهما لأن حبا فائضا له من التأثير في القلب كما لقلة الحب وأن ممارسة الحب ينبغي أن تكون حين يجيء الإلهام من دون السعي في طلبه، وقد كانا مكتفيين بسعادة وجودهما معا. حينها وجه فلورنتينو اريثا سؤالا بدا للقبطان كأنه فكرة الخلاص: 'هل يمكننا، نظريا، القيام برحلة مباشرة بلا حمولة ولا مسافرين، دون التوقف في أي ميناء، ودون أي شي؟'وكان الحل الوحيد المتاح هو رفع الراية الصفراء على السفينة لوجود مصاب في الكوليرا على ظهر السفينة للدلالة على أن السفينة محجورة صحيا. وهكذا أبحرت 'وفاء الجديدة' تحمل العاشقين العجوزين فقط فيما راية الكوليرا الصفراء تخفق طربا على صاريها الأكبر وأحست فيرمينا داثا بخفقات حريتها حينما كان مصب نهر مجدلينا العظيم المعكر والرصين يمتد حتى الجانب الآخر من الدنيا: فلنتابع قدما.. قدما،، قالها فلورنتينو اريثا بتماسك لا يقهر بحبه الراسخ وارتياحه المتأخر بأن الحياة أكثر من الموت، هي التي بلا حدود وكان جوابه عن سؤال القبطان: 'إلى متى نستطيع الاستمرار في هذا الذهاب والإياب'، جاهزا منذ ثلاث وخمسين سنة وستة اشهر واحد عشر يوما: 'مدى الحياة' ! ان حيل ماركيز تستحق منا ولأجيال كثيرة ستظهر الإدهاش وانتزاع الاعتراف بأن ما رفعه اريثا لم يكن راية الكوليرا، قدر ما كانت راية انتصار الحب الصامت، راية لتحرر الروح من ظلام الصبر والإصرار الذي جعل عشقه أليفا وخالدا وبلا حدود.

(2 ) الفيلم

فكرت هوليوود 22 سنة لتحول واحدة من اعظم اعمال القرن العشرين الادبية 'الحب في زمن الكوليرا' ذات ال 348 صفحة الى فيلم ب 138 دقيقة. وبعد ان اتخذ القرار، كانت مساهمات غابريل غارسيا ماركيز في الفيلم اقل ما يمكن، فالكاتب العظيم بلغ الثمانين عاما واكتفى باهداء المخرج مايكل نيويل نسخة من الرواية عليها بعض الملاحظات لا تتعدى بضع صفحات، لكن نيويل ادرك ان ماركيز كتب كل ما يريد قبل عشرين سنة في الرواية كما ادرك ايضا الفارق بين اخراج رواية هاري بوتر وعمل لماركيز. لكن ماركيز بذل جهدا استثنائيا لدى لقاءاته المتكررة مع الممثل خافيار بارديم لكي يساعده في تفهم حالة فلورينتينو اريثا وكيف استطاع حمل حبه طوال 51 سنة وفوق ذلك تاكيده له بعد كل هذه الاعوام. ومحنة بارديم كانت تواجه اي شخص يقرأ ماركيز، فهذا الكاتب تستطيع قراءته ولكن ما القدرة التي تملكها لتسمح لنفسك ان تصبح نسخة للتعبير عن اوصافه المعقدة وتستسلم لها بكل سرور.



روايات ماركيز في السينما
يذكر ان 'الحب في زمن الكوليرا' لم يكن الفيلم الاول الذي صور روايات ماركيز، فقد سبقه فيلم 'ارينديرا البريئة' الذي اخرجه البرازيلي راي جويرا في عام 1983 دون ان يؤثر النص السينمائي على الرؤى الباطنية للنص الروائي. وفي عام 1987 اخرج الايطالي فرانسيسكو روسي رواية 'قصة موت معلن' مثلها النجمان روبرت افيريت وارنيلا موتي، وكذلك حولت روايته 'ليس لدى الكولونيل من يكاتبه' الى شريط سينمائي عام 1999 بواسطة المخرج المكسيكي ارتورو ريبستين، بطولة فرناندو لوجان وسلمى حايك. بينما كانت رواية 'في ساعة نحس' آخر عمل روائي لماركيز يحول الى السينما عام 2004، اخرجه البرازيلي راي جويرا الذي كان قد اخرج له اولى رواياته. وكان ماركيز قد ساهم في كتابة العديد من سيناريوهات الافلام في فترات مختلفة من حياته.


الفريق الذهبي
ربح الفيلم كاتب سيناريو فريد الطراز هو رونالد هاروود الحائز جائزة الاوسكار عن فيلمه 'عازف البيانو' الذي درس كل تفاصيل القرية الكولومبية الصغيرة كارتاغينا وميناء برات اللذين جرت فيهما اغلب مشاهد الفيلم كعملية اختراع العالم الذي حدثت فيه الرواية. وحسب تصريحات المخرج مايكل نيويل فانه قد عانى كثيرا في مسالة اختيار الشخصيتين الرئيسيتين، وكان يريد لدور فلورينتينو اريثا شخصا يمكنه ان يكون شابا بعمر 15 سنة ويشيخ باقناع لغاية 75 عاما مع امتلاك الملامح والنظرة الكلاسيكية الغامضة، ولم يعثر على افضل من النجم الاسباني الكبير خافيار بارديم الذي تدفق عطاؤه المدهش في فيلم 'اشباح غويا' وتطلب منه فقدان 16 كيلوغراما ليقترب من نحول اريثا. وتطلب لدور فيرمينا داثا امريكية لاتينية سوداء العين فوجد بعد بحث الممثلة الايطالية جيفانا ميزغيرونو وكانت سنواتها ال 33 تسمح لها بلعب دور الفتاة والعجوز. وهناك ممثلون آخرون من كولومبيا والبرازيل والولايات المتحدة.
سيناريو متكيف
يبقى عمل سيناريو هاروود متكيفا مع احداث الرواية، راسما صورة الدكتور خوفينال اربينو (بنجامين برات) ورفعته منذ المشاهد الاولى وهو يطمئن عروسه العذراء فيرمينا داثا (جيفانا ميزغيرونو)، مانحا بذلك درسا في العشق، وبالطريقة نفسها تم تقديم الولهان فلورينتينو اريثا (خافيار بارديم) الذي يملك قدرة على فهم اللحظة والتعامل معها بدقة، كمراهق وشاب ورجل اختار الانصياع للغزو الجنسي لاسكات قلبه المقهور، ومن ثم عجوز ذابل مؤمن بانه سينتصر مهما امتدت به الحياة وسيظفر بهدفه مهما طالت، كادعاء دانتي في ان يلهم حياته الكاملة لبيتريس ضابطا شوقه ومعاناته لغاية الانتقال نحو الانتصار في الخاتمة. ويبدو ان معضلة السيناريو كانت رغبته في عرض كل شيء في الرواية وعدم حذف الاجزاء التي احبها القراء في الرواية، خصوصا الهيام الجنسي الذي وقع به فرناندينو اريثا بعد هزيمة حبه وبحثه المستمر عن الحب مع 622 امرأة، ضاربا الرقم القياسي لكازانوفا عدة مرات كمحاولة لان يحبها من خلال اجساد نساء اخريات، الامر الذي صعب من مهمة مايكل نيويل حيث تطلب منه المزيد من الجهد والاماكن والشخوص والاموال، والاهم في ما واجهه السيناريو حتمية التفريق ما بين الجنس العادي الذي كان يمارسه اريثا على الدوام والحب الكبير الذي احتفظ به داخل قلبه والعاطفة الكبيرة التي جعلته يذعن للحب من حبيبة رفضت الشاعر الفقير واختارت الطبيب الثري، كالاسئلة التي حيرت ميشيل فوكو لمعرفة الحب الحقيقي، من ينبغي حبه، وباي شروط وما هو الحب في كينونته ذاتها؟ وحتى في البناء الافلاطوني وطرق التذكير التي يجيب بها اكزنوفون: التقابل بين الحب الذي لا يسعى الى متعة والحب الذي يهتم بالمحبوب نفسه وضرورة تحويل العابر الى صداقة متساوية، متبادلة ودائمة، ووضع حد فاصل بين حب النفس وحب الجسد الذي يحتقره في ذاته. ان مخطوطة هاروود حملت الكثير من الاجزاء البارزة لحوارات ماركيز وبغض النظر عن ورودها في السياق، الا ان الرواية يقرأها المثقفون والفيلم يشاهده العامة، ويبدو ان كاتب السيناريو مال الى جهة انصار ماركيز الذين لا يحبذون التهاون مع اجزاء مؤلفهم وروايته التي استمرت لسنوات الاكثر مبيعا في العالم. كما ان السينما تنتزع القصة من دون لغتها، كمن يقدم الغبار والعظام ويهمل القلب، وماركيز الذي شاع اسلوب اميركا اللاتينية الاستثنائي في الواقعية السحرية وبفضله اصبح شعبيا يتميز بان نثره يلعب على التناقضات الذي يعتبر افضل من يسخر منها في تاريخ الادب واحيانا لا نجد واقعية، سحرا فحسب يستطيع اقناعنا باهمية حدوثه، لذلك فان خيال ماركيز الواسع كان خرسانة الفيلم التي وقف عليها بثبات.


ثمار الإخراج
لقد افتتح نيويل الفيلم ليس كما افتتح ماركيز الرواية، وفضل المخرج الدخول مباشرة مع سقوط الدكتور خوفينال اربينو من السلم كاعلان موت الحب غير المتبادل مع فيرمينا داثا ومواجهة عذاب الذاكرة وتجريدها من حلوها ومرها، وكشف المصير لشيخوخة تكفيها زلة واحدة نحو الموت محيلا ايانا الى ذكريات افلام عميقة منحتنا اللغة نفسها، قدمها فيسكونتي وامبيرتو سول، حكايات الحب المحظور والفاشل، الحب المنكوب بلا ارادة احد، ذلك الحب الوقور الذي طالما مني بالخيبة. ولم يجهد المخرج نفسه في تصوير الحروب المتنوعة والاوبئة والاشخاص الثانويين في الرواية، ولن يحظى المشاهد بمؤثرات بصرية ولا موسيقى محفزة، رغم ان عمل انطونيو بينتو كان مؤثرا جدا في المشاهد الضرورية، ويعد هذا اسلوب نيويل الذي يتبنى سينما الخط الجديد: النهر المهيب الذي تودع فيه ثروات الثقافة الكولومبية، الديكور، الجنس، المرح، صوت شاكيرا الحيوي الذي يرافق الموسيقى التصويرية. ويمكن الادعاء بان الشريط فارغ من جماليات الفن السينمائي الرائج ومن الواضح ان مايكل نيويل لم يبارح الكاميرا طيلة فترة التصوير.
فيلم العوائق والمسافات
ان 'الحب في زمن الكوليرا' يعتبر فيلم العوائق والمسافات، فماركيز كتب الرواية بالاسباني والفيلم قدم سيناريو معتمدا على الترجمة الانكليزية وقدم بهذه اللغة ايضا وما بين الرواية والسينما من عوائق تضاف المسافات ما بين لغة واخرى، ناهيك عن ان مايكل نيويل بريطاني وليست لديه تجارب ولم ينغمس في الحياة الكاريبية، حيث تقع احداث الرواية. اضف الى ذلك ان الرواية تتحدث عن فترة تتجاوز الخمسين عاما بما يتطلب ذلك من تغيير في كل شيء: المدينة، الملابس، السيارات، السفن، اعمار الممثلين، كل شيء ينبغي ان يتطور كما في الحياة، وجرت العادة في السينما ان تحذف المشاهد التي تكلف الانتاج كثيرا او تؤذي الشكل الفني في حالة عدم تحقيقها، فالسينما تغض النظر عما يحرجها، لذلك لابد ان ترزح للديكور والرسم والمؤثرات الاخرى والعمل المقرف في الاستديو. (هذا لا يعني ان الانتاج بادارة سكوت ستيندورف كان يبخل على العمل فقد اهدر عليه 50 مليون دولار). ورغم ذلك نجح نيويل في ما هو اهم، انه منح الرؤية واللمسة الحادة واضاء نظرة المشاهد واخترع له اللمعان في يوم لم تشرق فيه الشمس.

صورة 'فلورينتينو ـ بارديم '
لفلورينتينو روح شاعر وهذه امسك بها المخرج نيويل والممثل المبدع خافيار بارديم الذي تمت مساعدته بشكل كامل من فريق الفيلم برمته فقد كانت الكاميرا تخدمه وكذلك فعلت المؤثرات والصوت وكان في اغلب اوقات الشريط على مرمى البصر كقلبه المعلق بتأرجحه العاطفي بين النساء وتوفيقه مع الكوميديا الصعبة والمرح الماكر الذي يبدأ به فتوحاته الغرامية عادة. ان تجسيد مثل هذه الشخصية يحتاج الى بصيرة وذكاء وقدرة واستعداد وسحر وتلبية متطلبات السينما ايضا ولعلها كانت مهمة مستحيلة، لذلك كان ماركيز يجتمع مع بارديم اكثر من الوقت الذي قضاه مع المخرج نيويل، فالكاتب الكبير ادرك ان مفتاح تفوق الفيلم يكمن في صورة فلورينتينو اريثا وكان عليه ان يحمل المهانة والفشل وفقدان حب كان في متناول اشعاره ومن ثم اتصاله الطويل المدى مع نساء كن يداوين غرامه المرجو منذ امد طويل.لذلك بدأ فلورينتينو كعازب محترف غريب الاطوار في الرواية وكان يضلل نفسه كثيرا، ويبخر رغبته باستخدام نساء مختلفات كوكيلات لحبه الضائع ولو برز في عصرنا شخص مثله لتهاوى عليه الاطباء النفسانيون وسيكون مصنفا من الصحافة وشرطة المدينة كمهووس رسمي نصفه تهيمن عليه علاقة حب والنصف الآخر مازوشي تجدر مراقبته. يقول فلورينتينو في واحد من حواراته بانه 'لا شيء اكثر صعوبة من الحب'، ولهذا يقترح الفيلم حججا مضادة، وبهذا المعنى يمكننا استخدام اسلوب ماركيز في الدعابة وتحويل الجملة كالتالي: لا شيء اكثر صعوبة من تحويل الحب في الروايات الى الشاشة، وهذا ما كان يؤرق خبراء هوليوود لنحو 22 عاما. لا احد ممن كانوا ينتظرون ظهور الرواية على الشاشة استطاع الاستعجال، كمصير فلورينتينو نفسه الذي انتظر 51 سنة، لكن الحب جاء في زمن الكوليرا، كما جاء الشريط في زمان لا احد يمكنه تصديق حكاية التجريد الرومانسي والاحباط الذي يتحول بعد صبر طويل الى انتصار، ان الجمهور المعاصر قد يسخر من هكذا حكايات او يقابلها ببرود وباحسن الاحوال بدهشة غير المصدق. اي من سكان الكوكب الحاليين بمستطاعه صرف نصف قرن على قراءة الشعر الرومانسي واغواء النساء بحثا عن سيدته العظيمة، الا يبدو الامر مملا للجمهور المعاصر؟ نعتقد ان هذا سر اجتماعات ماركيز الطويلة مع بارديم، لكون فلورينتينو امتلك مفتاح نجاح الفيلم او سقوطه، وبدون تردد حقق خافيار بارديم فوزا مذهلا لا يقل شأنا عن الانتصار الخرافي لفلورينتينو، فقد امتلك الممثل والشخصية التي لعبها العنصران الرئيسيان للظفر: التحدي والامل!

PERFUME

Perfume - The Story of a Murderer (Das Parfum)

نموذج للسينما الحسية متكيف بعطر باتريك زوسكيند الرواية الأكثر رواجا في العالم منذ صدورها عام 1985 والمترجمة إلى 45 لغة والتي باعت 15 مليون نسخة حتى الآن. المدرسة السينمائية التي تحاول الغور في الأحاسيس ومس الوجدان وتحفيز المعرفة والعيون والآذان وإبقاء كل حواس المشاهد على المحك مع خدشها بلا رعاية أو رحمة. شاركت في إنتاج الشريط البالغ طوله 147 دقيقة ثلاث دول قدمت الكثير إلى السينما: فرنسا، ألمانيا وفرنسا، اختارت توم توكوير لإخراجه وإدارة البطل المثير لرواية العطر جان باتيست غرنوي الذي وصفه المؤلف منذ الأسطر الأولى بأنه أحد 'النوابغ الأوغاد' الذين برزوا في القرن الثامن عشر في فرنسا منتميا إلى أكثر الكائنات 'نبوغا وشناعة' واضعا إياه مع رجال مريبين آخرين هزوا عصرهم مثل دوساد وسان جوست وبونابرت وغيرهم. وكان المطلوب من توكوير أن يكون أكثر جدية في التعامل مع غرنوي (الممثل البريطاني الشاب بن واشوا) عنه في أفلامه السابقة، لأنه سيواجه شخصية ولدت في جو لاذع بروائح القرن الثامن عشر التي لا يتصور أي إنسان من عصرنا الحديث مدى نتانتها التي تفوح من الناس والمدافئ والمدابغ والشراشف والغرف غير المهواة والمباول والمسالخ والأفواه والأنهر والساحات، فالإنسان حسب زوسكيند لم يكن قد توصل في ذلك الزمان إلى وضع حد للتفاعل التحللي للبكتيريا، ولذلك لم يكن ثمة تفتح أو فعالية بشرية بناءة أو مخربة من دون أن ترافقها رائحتها.

مطر الأزهار الذي يذهب بالعاطفة إلى العاطفة والروح إلى الروح

ضفدع في 'مقبرة الأبرياء'
وفي باريس حيث كانت الروائح على أشدها وخاصة الجهنمية منها في 'مقبرة الأبرياء' التي ضمت موتى ثمانمائة سنة وعليها بالذات أقيمت ساحة السوق الذي ولد فيه جان غرنوي (في لهجة تلك الأوقات يعتقد أن اسمه يعني: الضفدع) في أشد أيام السنة سخونة حينما كانت والدته الواصلة إلى منتصف العشرينات والتي لم تعان من أمراض جدية عدا النقرس والسفلس والسل الخفيف، تقشر السمك الذي طغت رائحته على الجثث وكان الألم قد أمات عندها أي حساسية تجاه الانطباعات الخارجية للوجود، فاستلقت مثل سمكاتها المكومات لتضع مولودها جان كما لو كانت تتبرزه، كالمرات الأربع السابقة التي ولدت فيها تحت عربة السمك وألقت بأولادها مع نفايات السمك في نهر السين، لكن قدرها والحر الشديد ساعدا جان على الصراخ المتواصل الذي جلب أنظار الناس والشرطة في وقت كانت أمه قد قطعت مشيمته بسكين السمك. وبناء على القوانين السارية فقد اتهموها بجرائم القتل بحق أطفالها وعلقوها في مشنقة جاهزة، فيما كان الرضيع يصرخ بين أحشاء السمك والذباب ليمنح إلى مرضعة اشتكت من جشعه في مص حليبها دون أن يترك نقطة واحدة للرضع الآخرين.
للواقعية السحرية نسق خاص لا تصلح بالحسابات الواقعية المنضبطة حتى لو قدمتها سينما مذهلة

محنة المؤلف ومتاعب المخرج
وعلى توكوير تصوير كل هذه الفواجع في أقل من عشر دقائق مستعينا بأسلوب تقليدي ورث في السينما وهو صوت الراوي (أداء شون باريت الذي كان يصرف الانتباه بدلا من تركيزه بتلقينه المعلومات السهلة اختصارا للزمن وحذف الكثير من مقاطع الرواية لأغراض إنتاجية والتخلص من ديكورات صعبة التنفيذ، وكان يقرأ مقاطع مجتزأة من الرواية وكان عليه أن يوضح للمشاهد الذي لم يقرأ الرواية بان جان غرنوي لم يحمل أي رائحة وله قابلية على شم الروائح عن بعد كبير وتمييزها بشكل لا يستطيع مخلوق على ذلك.


السينما لا تستطيع أن تكون كل شيء في آن واحد وأن تحتل كل مستويات القوة في الأدب

ستتوالى متاعب السيناريو الذي شارك المخرج في كتابته مع السيدين بيرند ايشنغر وأندرو بيركين، منذ اللقطات الأولى حيث قدم غرنوي وهو في السجن مسحوبا إلى المقصلة وهو حدث يمهد للخاتمة، وبعد أن بدأ الفيلم بهذا المشهد نسي المونتاج والإخراج وكاتب النص السينمائي ربطه مع أجزاء الأفلام الأخرى، بل وأهملوه معتمدين على فطنة من قرأ الرواية وهو المشاهد الأتعس حظا بين الحضور في قاعة السينما، لأنه سيدرك منذ البداية السبب الذي جعل باتريك زوسكيند يعترض ولا يوافق على تحويل روايته إلى السينما منذ منتصف الثمانينات حتى تمكن صديقه المنتج الألماني بيرند ايشنغر من انتزاع موافقته الذي اختار العزلة وإنتاج الفيلم عام 2006 على الرغم مما قيل أن زوسكيند كان يفضل جهود: ستانلي كوبريك، فرانسيز فورد كوبولا، مارتن سكورسيزي، تيم بيرتن، كورت كوباين، ريدلي سكوت أو ميلوس فورمان، إلا أنهم جميعا رفضوا إخراج الفيلم لمعرفتهم بالمتاعب التي تنتظرهم في الرواية، وهو الإغراء الذي لم يضعف أمامه اللاتيني الأمهر غابريل غارسيا ماركيز الذي رفض عروض أكثر إغراء لتحويل روايته 'مائة عام من العزلة' إلى السينما.
سقط الفيلم لأنه موجه للمثقفين لكنه ضئيل الثقافة وطرزّ وريقات من الرواية وحرفها

الواقعية السحرية
وتذكرنا لهذه الرواية متعمد لأنه يستند إلى الواقعية السحرية التي لها نسقها الخاص الذي يصعب على السينما تجسيده، إن لم تكن حجر عثرة للدال والمدلول والتصاق الشخصيات وابتعادها بعضها عن بعض كما مع الآخر والأشياء المرئية منها وغير المرئية والثنيات السرية في بناء الشخوص والعالم خلف الجسد والحركة الفيزيائية له والجوهر الفاعل خلف الكلمة، ذلك الذي يمتلك المعنى الأكثر مملوكا من المشاهد - القارئ والذي لا يتكلم عنه، بل يكلمه أو يتكلم وفقا له أو يتركه يتكلم، مخترقا داخله نحو فضاء وعي مرتبط بنسيج كلمات لا يستطيع فن السينما بالرغم من رقيه، نقشه أو تبادل الأفكار معه ولن يستطيع خلق الأبعاد الكاملة للكلمات التي حدد الأدب وحده مسافتها ومداها.



قوة الأدب وأسلوب السينما
هنا سقط الفيلم لأنه موجه للمثقفين ولكنه ضئيل الثقافة وأمعن في تطريز وريقات من الرواية وتحريفها حسب فهم وأسلوب السينما التي لا تستطيع أن تصبح كل شيء في آن واحد وأن تحتل كل مستويات القوة في الأدب، فالحذف والإضافة وتغيير المسار والرؤية ستبطش بالمعنى والجوهر الذي خلقت من أجله الرواية، وكما يلتهم آكلو لحوم البشر في نهاية الرواية والفيلم جان غرنوي، فقد مزقه المخرج والسيناريو إربا وأنكر عنه أهم صفاته وتخطاها ليقدم قاتل فتيات شاحب ومهووس ونحيل ويهوى شم العطور.ومن دون تساهل خلط الفيلم عناصر لا يمكن التلاعب فيها ومزجها وأفرغ، بل وانتزع تلك الصعوبة اللذيذة للوضع المكاني ـ الزماني لفرنسا تلك الحقبة وأسطورة جان غرنوي المشيدة على الإبهار المطلق والمنظر الخاص المشتق من نفسه وحده وامتلاكه إياها مع تعاليه واحتقاره لكل ما حوله، فليس لديه نظرتنا حينما يسلخ قط كبير صانعي العطور في باريس جوزيف بالديني لإكمال تجربته التي هي أهم من هذه 'الروح' الشبيه له والقتل بالنسبة الى الآخرين جريمة بشعة، لكنها بالنسبة إليه مجرد خبرة ممنوعة بعد إنجازها يحقق هدفه وشخصيته بإنتاج عطر لا مثيل له، هو في الحقيقة رائحته المفقودة وشخصيته وإنسانيته التي قطعت بسكين تنظيف الأسماك في ناصية عفنة من 'مقبرة الأبرياء'.

Laura's perfume

بيضة الشيطان
هذا التعيس جان، المولود بين أحشاء الذبائح، شجع النقاد على إحالة حكاية زوسكيند إلى أسطورة 'بيضة الشيطان'، لقد أراد تعويض فقدانه للرائحة الذاتية لخلق رائحته الخاصة بمزيج من العذراوات كتنقية لسلطته وفهمه الخاص للحياة التي تبدأ لديه من الرائحة.ومن قال إن الجرأة تنهض بالسينما دائما وهل أن المشاهد المركبة تنفع بالضرورة؟ وإذا توافرت عناصر الصلب هل سنحصل على حكاية السيد المسيح كما حاول مشهد ساحة الإعدام الذي انتهى بسيل الحب؟إن الفيلم مظلم ومظلم جدا ومركز على هوس وحيد، قد لا يستطيع المشاهد تحويل بصره عن بعض الصور المريعة، لكنه لن يقدر على التوقف عن مراقبة الرعب والسحر الذي يحمله حاصرا الخيال لمهمة الاستدعاء.


أمثلة التحريف
ويبقى الشيء الوحيد الذي لا يغتفر ولا يمحو عيوب الفيلم هو عدم وفائه للرواية وخاصة قضيتها الجوهرية والحوادث العديدة التي حذفت وتلك التي مروا عليها بسرعة فائقة لم تنقذهم من اختصار دقائق الشريط المفرط الطول. ويمكن إيراد أهم أجزاء الفيلم التي تعرضت للتحريف الخطأ:1 ـ في الرواية يقتل جان غرنوي عن عمد، أما في الفيلم فعملية القتل الأولى التي جرته إلى سلسة من الجرائم كانت بالصدفة لإخفاء صوت الفتاة المستغيثة. وبالتالي فهو يقتل كما ذكر لوالد الفتاة الأخيرة: كانت مهمة بالنسبة إلي. ويقصد رائحتها. 2 ـ كبير صانعي العطور في باريس داستن هوفمان كان في الرواية الحكيم والمعلم الأول له الذي صقل موهبته الفطرية بتدريبه على كيمياء العقل قبل الغريزة وعلمه الأسلوب وكان رحيما به، فيما يزعق في الفيلم أكثر مما يعلم. 3 ـ والد الفتاة كان في الرواية إنسانيا وضحية، فيما أظهره الفيلم متزمتا جافا ومتعطشا للانتقام. 4 ـ الخاتمة التي انتظرها الجميع من السينما عانت بعض المشاكل: أولا ـ إظهارها بالحركة البطيئة بخلفية موسيقى رائعة هدأ من روع المشهد، الذي كان من الممكن أن يكون واحدا من أهم المشاهد في تاريخ السينما. ولعلكم تتصورون ماذا يعني أن يمارس الآلاف، في ساحة عامة، الحب بشكل علني ابتداء من أب الكنيسة وإلى الدرك والجلاد المشرف على مقصلة الإعدام.الحركة البطيئة هنا، أفقدت المشهد سخونته ودفقه ووحشيته ونزقه وحافظت على جماله فقط، فالذي حدث لم يكن ممارسة حب بين عاشقين، بل تفجر شبق بطاقة أهملها الشريط لصعوبة تصوير الطاقة على الأرجح، كان المشهد شديد الرومانسية، فيما هو في الرواية زلزال مشاعر. ثانيا، من قال إن مؤلف الرواية قدم شخصية الملاك؟ إن الناس في الساحة هم الذين رأوه ملاكا، لكنه كان شخصية خاصة جدا ونادرة ولا يعلم بأنه ملاك أو غيره من التسميات البشرية، لم يبال البتة بهذه الأوصاف ولا يغتر ما إن سمع الناس ينادونه بالملاك، إنه حتى لا يعرف ما الذي يعنونه بهذه المفردة، فكيف يرفع يديه كأنه صدق فعلا أنه صار ملاكا، ليستجيب لحركتهم في السجود إليه، هذا الإيماء لم تحتوه الرواية، ولهذا السبب كانت عظيمة، لم يعنه ما الذي يكون، هو اهتم بالرائحة وبالعطر الذي صنعه، جل هدفه كان صناعة عطر خالد لا يضاهى، هذا ما قاله لهوفمان: سأصنع العطر الوحيد!ثالثا، لماذا جنح الفيلم ودس في غضون ممارسة الجميع الجنس في الساحة استرجاع البطل لذكرى الفتاة الأولى التي قتلها وكأنه يحبها ويمارس الجنس معها؟أن غرنوي لا يستطيع أن يحب وغير مهتم بالحب وسلوكه استحواذي، لكنه فجأة يبدو عاشقا في الفيلم بمشهد الاسترجاع شاحب الخيال وكم ستكون مصيبة المخرج كبيرة لو يصدق المشاهدون بان غرنوي وقع فعلا في حب ضحيته الأولى!الرواية لم تتطرق لهذا المنولوج بالمرة، لأنه ببساطة غبي، ونسف تكوين شخصية زوسكيند، إنه مخلوق بلا رائحة، ولد في جوف زريبة أسماك، وكان يبحث عن رائحته الخاصة (شخصيته) في الروائح العظيمة للنساء اللواتي تعرف عليهن وكانت الأولى والأخيرة أهم الروائح التي شكلت عطره الفريد، وإذا كان تذكره الفتاة الأولى، لكونها الأولى التي شكلت رائحته التي قدمها للعالم.هنا لم يفرق الفيلم بين فلسفة الروائي وتكوين الشخصية الداخلي، كذلك لم يفرق بين ما هو عليه وكيف ينظر إلى الناس والكون وكيف ينظر الآخر إليه، هو لم يهتم بالآخرين فكيف غيرهم وجعلهم يحبونه إلى حد العبادة والالتهام؟ فأكثر ما كان يشغله عطره الخاص، فرادته وقيمته الخاصة، مشهده الخالد.رابعا، كثيرا ما تبدل السينما الروايات، وأكثر ما تضيف وتغير وتحذف، لكنها في حالات تتدخل وتغير نحو الأحسن، هنا كان التبديل نحو الأسوأ، حيث نسفت عظمة الرواية وأهم ما تملكه وقدمت شخصية أخرى، ناهيك عن عدم التوفيق في رسمها والصورة البشعة فنيا التي ظهر عليها البطل منذ اللحظات الأولى لظهوره في الفيلم حتى المشهد الختامي.خامسا، كان يريد أن يتلاشى بين الناس، لذلك اختار أكثر الفقراء فقرا لكي يسمح لهم بالتهامه، حتى تخترق رائحته أجساد الجميع (وليس بالضرورة جسده)، كان يريد أن يتماهى في الآخرين وأن يكون في الجميع، أقاربه الفقراء.

Grenouille meets Laure


شريط قاحل جدا
الجزء الذي كان ينبغي أن يرتاح فيه المشاهد هو الذي جمع بن واشوا وداستن هوفمان الذي لم يكن رائعا كما ألفناه في باروكته المجعدة والبودرة المخملية والذي حال مغادرته الفيلم بانهيار بيته ومعمله في النهر، أصبح الشريط قاحلا جدا من الناحية الحسية التي بني الفيلم على أساسها. وحلت الفتاة ذات الشعر الأحمر التي كان رحيقها المكمل النهائي للعطر لورا (راشيل هيرد) في الفيلم كما رحلت عنه بلا أي تأثير كوالدها أنتوين ريشيز (الن ريكمان) الذي كان أداؤه الأقل تميزا وإقناعا. فكيف بالإمكان استيعاب ارتداء هذه الفتاة الارستقراطية ملابس الفلاحين والرقص في ساحة نوتردام دي باريس ومن ثم شجارها الوقح مع والدها وهروبها عبر أزقة المدينة الموحشة في الليل.

كيف تتحرك الكاميرا لتحول حاسة إلى صور بصرية خلابة الجمال ومجيدة الرعب وبارعة القسوة وشنيعة الذهول ووحشية الإتقان ؟

خيط الخلود
إن منحة العطر الذي صنعه غرنوي لمست بذروة الاتحاد الجنسي للجموع التي كانت قبل شمها العطر تهتف بتمزيقه، اتحاد العلاقة بان كخيط الخلود الذي تناظر بين الجنس والسماء والثقافة الدنيوية الشبقة، فيما أدى العطر وظيفته أن صير الجنس عنصرا مساعدا للاتحاد الروحي ـ العاطفي وكمنبع للذكريات الجميلة والحنين والسرور الصافي الذي جعل حتى آكلي لحوم البشر في خاتمة الفيلم والرواية فخورين لالتهامهم غرنوي، بابتسامتهم الفظة التي كانت تعني حسب زوسكيند أنهم لأول مرة في حياتهم فعلوا شيئا عن حب.هكذا تقدم جان باتسيتا غرنوي نحو المقصلة بين الحشود المتعطشة لدمه متسلحا بزجاجة عطره كالقائد الروماني في أنجيل لوقا في العهد الجديد ليجبرهم على الانحناء إليه في طقس أسطوري بعد أن قهرهم بالرهبة المطلقة التي امتلكها: مطر الأزهار الذي يذهب بالعاطفة إلى العاطفة والروح إلى الروح، هذا الذي قتل حتى التفنن في الانتقام الذي توعده ألن ريكمان بأنه سيشعر بأعلى درجات السعادة ما إن يسبح في دمه، غير أنه جثا على ركبتيه متوسلا معتبرا إياه ابنه. وبجزه عنق الانتقام وامتلاكه السلطة المطلقة التي تحرك الجموع وتجبرهم على السجود تحت قدميه، حقق رائحته، قصيدته المظفرة ولم يبق أمامه إلا الغور أكثر في أفئدة الفقراء: أهله، بعد أن عاش طوال حياته مثل لا أحد لافتقاده رائحته الخاصة وهو الشخص الخاص.. جدا، وبناء على هذه الخصوصية دفعهم لكي يلتهمونه سائرا بهداية السيد المسيح القائل في إنجيل لوقا: 'أولئك الذين يأكلون لحمي ويشربون دمي سيبقون في وأنا فيهم'.

Moliere

Moliere

فيلم فاخر وبارع جديد يخرج من فرنسا يتأمل الكاتب المسرحي المحافظ على شهرته منذ القرن السابع عشر موليير من إخراج لورنت تيرارد الذي تخرج من الأكاديمية السينمائية العليا التابعة لجامعة نيويورك وشارك غريغوري فيغنيرون كتابة السيناريو بعد دراسة طويلة لأسلوب مولير واحترام سمات الضعف الإنساني التي كتب عنها بشكل ساخر: النفاق، الخيانة، الطمع والاندحار. جرى التصرف بشكل ممتاز بالسيناريو ليظهر كعمل ممتع بالأداء المؤلم والممعن الموهبة من قبل النجم الفرنسي الصاعد رومين ديريس الذي جاب حياة مولير وتقمص حياته وأزماته وهيامه وعذاباته، ساعدته في أدائه الملائم جدا الرائعة لورا مورانتي والممثل المخضرم فابريكي لوتشياني الذي منح الشريط أهمية إضافية.


Making Of Moliere 2007 1ere partie

تجول السيناريو بذكاء حول مسرحيات موليير وجولات فرقته في الريف وحمل الشريط كل العاطفة الرقيقة عبر رسائل موليير الغرامية والسرور البصري والموسيقى الرفيعة للكلاسيكيين المذهلين.الممثلون الرئيسيون في الفيلم يشتغلون كما يجب، ولكن لم نفهم التحديق المستمر لموليير في الفراغ الذي يظهره كذكي متفق عليه تاريخيا، بينما تعتبر مثل هذه اللحظات مشاهد ميتة في القصة.
Making Of Moliere 2007 2eme partie

أما اختيار ديريس، فلم يتطلب صعوبة ودهاء من فريق المنتجين، فهو مناسب جدا لأن يكون موليير القرن الواحد والعشرين وقد يكون المرشح الوحيد للعب هذا الدور ببنيته الضخمة ولحيته المرافقة لعينين حددهما الظلام تعطيان انطباعا صحيحا بالجدية ومثيرا للعب علاقة عاطفية معقدة بما فيها من غزل وتملق وخداع وإرادة تكفي للظفر.وبدا ديريس مقنعا إلى حد اعتبر من شاهده بأنه موليير الحقيقي، الشاب العشريني والرجل المكافح الذي يجبر على كتابة رسائل الحب للعاشقين المغمورين مانحا المشاهدين رومانسية هزلية عذبة وإنسانية إلى حد كبير، ولعله وصل حتى إلى أولئك الذين حضروا بإرادتهم لمشاهدته ولا يملكون المشاكل نفسها التي حاول الاندساس فيها كممثل ملتصق بشخصية عبقرية معذبة وخليعة ومؤذية ومشوشة الأفكار وملهمة في تلك الأوقات من عام 1650 حينما جابت فرقته لسنوات العديد من المدن الفرنسية ووصلت إلى ضواحي باريس وتوجت في مركزها بالومضات الدرامية غير المألوفة لجمهور ذلك الزمان التي ضمنت خلود هذا الكاتب الأثير.

Making Of Moliere 2007 3eme partie

مأزق أفلام المشهورين
في نسخة المخرج تيرارد هناك بعض التغييرات في السيرة المعروفة لموليير، لاسيما ما اعتاد صناع السينما فعله حينما يتناولون حياة المشاهير، فهم بطريقة ما يفترضون علاقات حب سرية يجعلونها كالمفتاح الذي تتعلق فيه السيرة لفتح ألغاز عالمها المركب والعبقري. فلا يشك أحد في إبداع موليير في الواقعية الهجائية والكوميديا الساخرة وحتى الهزلية التقليدية، فهو الذي أثبت أن المسرح ليس مأساة في جوهره وأن الكوميديا لها قوة المأساة لو اقتربت من الشرط الإنساني، وكان من السهل عليه كتابة المأساة، لكن تلهفه انصب في الهجاء المر ودخل إلى روح شخوصه ووحدتهم وحزنهم وتطلعاتهم الصادقة ونجح في إطلاق سيل الضحك من الجمهور المختلف: الكادحين والفقراء والنبلاء إلى الملك.

Moliere Clip

إلا أن تصورات السيد تيرارد بتسيير إلهام الكاتب المسرحي بتأثير رجل مدع من ابتكار السيناريو أطلق عليه اسم جوردن (فابريكي لوتشياني) يضعنا في حالة تردد لتقبل سيناريوهات السير الشخصية وقد يخرج أحد المتزمتين في التاريخ ليعتبر عددا من الشخصيات التي أثرت في مسيرة موليير وهمية، وبالتالي لا أحد سيوقف حكمهم لو قالوا إن هذا الإقحام غبي، ويمكن لكاتب السيناريو أن يقود شخوصه في نومه وليس على شريط يحمل اسم موليير الذي يعرف الجميع أنه عاش حياة هادئة نسبيا خالية من الفضائح وكأي عاشق ابتكر طريقه من دون مجون.
Luchini dans Molière

حكاية جديدة
سجن موليير في الحياة وفي الفيلم أربعة أسابيع بسبب ديونه. (في الحقيقة اختفى موليير لعدة أشهر ولم يتفق مؤرخو الأدب على حل لغز هذا الاختفاء)، وبعد خروجه تجول في فرنسا لإتقان مهنته وعلى هامش هذا التجوال رتب علاقة عاطفية غير مواتية لأرملة شابة مع جوردن المنتمي لعائلة ارستقراطية كانت تصيبها بالجزع بعد أن دفع ديون الكاتب المسرحي.جوردن هذا، ضيق الأفق أهمل زوجته الشابة الجميلة والجذابة والمحرومة من أي مودة منه وكان يتركها لينضم إلى موليير المتجول في الحدائق المظلمة. وعلى المسرحي الوسيم تدريب الارستقراطي على الأمور الدقيقة في التمثيل وطريقة استخدام اللغة الشاعرية لكي يحوز اعجاب الأرملة الشابة التي لا تحبه كثمن الحرية التي دفعها لإطلاق سراحه. وينبغي على موليير أيضا، الاستمرار في هذه اللعبة وإقناع زوجة جوردن الفطنة (لورا مورانتي) بأنه معلم تقي وأنه مستأجر لتعليم بنتيها فاني وميلاني فحسب. وكباقي أفلام هذا العصر تعامل الزوجة المعلم الغريب باستعلاء وتوتر تمهيدا لتطور علاقاتهما الرومانسية.ولكن ما الذي سيحدث بعد هذا الاتفاق؟ هل سيقع موليير في حب زوجة جوردن؟ ستكثر التعقيدات في هذا الاتفاق والعلاقة الغريبة نتركها لكي لا نبطش بالفيلم ولاسيما لأولئك الذين لم يشاهدوه حتى الآن.
La Mort de Molière

حزمة نجاح
يمكن القول أن كل العناصر في الفيلم وجهت لتقديم كوميديا حادة فيها حزمة كافية من الضحك على الطريقة المولييرية وكذلك نجح الإخراج في تصوير أجواء ذلك العصر ووحد رؤيته من خلال نظرة موليير واعتمادا على أسلوبه واستندت اللعبة السينمائية إلى تقليد روح موليير التهكمية وأسلوب الحياة الفرنسية وبعض الوسامة والكثير من الضحك التي منحت وقتا طيبا في الفيلم الذي فيه بعض التقليد لأفلام فرانسيز فيبر وسوف لا يجد أي ناقد صعوبة في مقارنته بفيلم 'شكسبير عاشقا' المنتج عام 1998.
L'avare De MOLIERE

عناصر تفوق
الإنتاج موفق ماديا، فقد صور في أماكن تعكس صورة القرن السابع عشر بشكل مجسم، بينما أدار دي بي جلز هنري التصوير بمهارة 'صناع محترف أبهر المشاهدين بفيلم عن فان كوخ' بدوران الكاميرا المتقن والعودة إلى الماضي وتركه للديكور في الوقت المناسب ومتابعات نوبات الفيلم الزئبقية والتركيز على المواقف الحلوة والمرة والتناظر الرشيق الذي أدمج فيه نص فيغنيرون السينمائي بالمخطط الكثيف لتيرارد مفندا التوقعات السريعة للأعماق المخفية للشخوص، وخاصة تلك التحولات التي تطرأ على جوردن غير الواجب ملاحظتها بسهولة وشهوانيته التي كان ينبغي رسمها في عمق الشخصية وليس على سطحها. وساعد مدير التصوير على إظهار رومين ديريس كممثل كوميدي محترف حتى وهو خارج النص، وما وفق فيه بأداء مكتمل لم يترك حركة واحدة تمر بلا إيحاء، وهذا ما يشجع على اعتبار هذا الفيلم الذي يستمر 120 دقيقة أحد أهم وأفضل ما أنتجته السينما هذا العام.

05‏/08‏/2008

Michelangelo antonioni

في وداع انطنيوني الذي رزم مآزقنا وضعفنا وهشاشتنا في شريط


منذ بداياته وحتى آخر أفلامه، بقي مايكل أنجلو انطنيوني سيد السينما الحديثة، الرائعة والمقلقة والمثقفة والأخلاقية والمحيرة والمنحازة جدا إلى الطبيعة والاحتجاج والعصرية والمواضيع الضرورية والخشنة التي كانت توقظ الجمهور النائم وتحرك فيه الغضب بإشاراته النادرة التي طورت السينما وبتنبؤاته بانحطاط الحضارة الغربية بالجشع والغطرسة سواء في السياسة أو الحروب الغبية والاعتداء على البيئة وتردي العلاقات الإنسانية.رحل انطنيوني سوية مع بيرغمان في يوم واحد، الإيطالي اهتم بالمأزق الإنساني فيما كان السويدي منشغلا بالأسئلة الكبرى للروح والخلق. والاثنان لم يذرفا الهجاء والشعور المأساوي والسخرية على أفلامهما فحسب، بل التذمر العميق والواعي حتى بتحليلهما لقضايا الحب والجنس والعنف والتشاؤم والغياب والسرور العظيم.لم تأت إشارتنا لبيرغمان، في مقالة مخصصة لتحية انطنيوني بمناسبة فصله الجديد من الحياة الأخرى، بالصدفة، لكنها إرادة المتحف الثر الذي أدخلونا فيه، ولأننا متأثرين جدا بغياب أناس مثلهم وكم ستكون ستوكهولم وروما حزينتين وضعيفتين بغياب رجلين عملا لنصف قرن لكي نستطيع تحمل العيش!


إيقونة الألغاز والهدّام الأكبر للمألوف في السينما

الانبثاق
ولد انطنيوني في 29 سبتمبر 1912 في عائلة ثرية من ملاك الأراضي في مدينة فيرارا الواقعة شمال إيطاليا التي قال عنها إنها مدينة صغيرة وصامتة وبسيطة وأثرية لذلك هي رائعة. في عمر العاشرة بدأ يصمم الدمى واهتم في مراهقته بالرسم الزيتي وكان يفضل المناظر الطبيعية. التحق بجامعة بولونيا وحاز ليسانس في التجارة والاقتصاد عام 1935 وكان يكتب في هذه الأثناء القصة والمسرحية وحاول تصوير فيلم عن المجانين بمواهبه الخاصة والفردية.انتقل إلى روما عام 1940 للعمل كسكرتير وأمين صندوق لكنه لم يتحمل هذه المهن، فوجد له عملا في مجلة السينما ومنها عبر في كتاباته عن كرهه للسينما السائدة وشجعه هذا الاندفاع لكتابة السيناريوهات برز منها 'عودة الطيار' عام 1942 بالتعاون مع المخرج الذي كان واعدا وقتذاك روبيرتو روسيلليني.

Eros - Michelangelo Antonioni

المرحلة الأولى
عاد انطنيوني إلى مسقط رأسه فيرارا وعثر على تاجر محلي رغب في تمويل أول أفلامه وكان وثائقيا عن الحياة التعيسة لصيادي السمك في تلك المنطقة الفقيرة، غير أن القوات الألمانية أحرقت الفيلم واستطاع انطنيوني إنقاذ تسعة دقائق فقط قدمها في مهرجان فينيسيا 1947 المخرج الساحر ألفريد هتشكوك.بعد الحرب كتب انطنيوني النقد السينمائي وخاصة حول حركة الواقعية الجديدة في السينما وصور أفلاما وثائقية قصيرة فاز أحدها بالجائزة الذهبية في مهرجان بينتا ديل إيستا 1951 وحقق انتصاره السينمائي الأول في عام 1955 بفيلم 'الصديقات' الذي صور فيه حياة مجموعة من نساء الطبقة المتوسطة وحاز الفيلم جائزة الأسد الفضي في مهرجان فينيسيا.ولعله الوحيد الذي يرتجل تصوير المشاهد ما إن يضع عينيه على الكاميرا ليبدأ بتحريك الممثلين بعد أن كون في نفسه فكرة كاملة للمشهد ومن الممكن أن هذا الأسلوب استخدمه في كل مشاهد فيلم 'الضجة' 1957.

أحد الأساطير العظيمة في صناعة السينما و شارة شرف في المهنة منذ ولادتها

حالة غريبة
في عام 1959 وجد منتجا يغامر معه في الفيلم المثير للجدل الذي حمل الإحساس الساحق للجفاء L'Avventura، لكن المنتج توفي خلال التصوير، ومع ذلك استمروا بالعمل في جزيرة ووصلوا إلى مرحلة لا يملكون فيها حتى الطعام وهجره الطاقم الأول وعثر على فريق ثان وكان يحمل الكاميرا على كتفه حتى ظهر منتج جديد ليقدما قطعة نادرة للسينما كانت نقطة تحول في حياته المهنية وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة لمهرجان كان 1960، فيما حصل فيلم 'الليل'La Notte، الذي قدم فيه مارسيلو ماسترياني ومونيكا فيتي، على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين عام 1961 وفي فيلم 'الكسوف'L'Eclisse 1962 قدم مونيكا فيتي مع آلن ديلون مصورا التاثيرات المادية وما تسببه من عزلة إنسانية بلغة سينمائية لم يسبقه أحد إليها وخاصة الزوايا التي كان العشاق يلجؤون إليها وضجيج الحافلات والنافورات المطفأة وكيف يفرغ الظلام في الشوارع وتلك النهاية التي يزرع فيها البياض الأثير في نهاية الشريط حيث الاضمحلال الكلي للشخوص الذين بلعهم النقاء فيما كانت مشاعرهم تتضاءل في هذا البياض كإشارة إلى كسوف الحس الإنساني.مع ريتشارد هاريس صور عام 1964 أول فيلم ملون له هو 'صحراء حمراء'Deserto Rosso وطبعا مع مونيكا فيتي التي جسدت دور امرأة معتوهة واستخدم ألوانا غير عادية وظهرت البيوت والأشجار مصبوغة بألوان لامعة تتغير من مشهد إلى آخر في تقنية لم يسبقه إليها أحد في تاريخ السينما.وهكذا بحلول منتصف الستينات أصبح انطنيوني أحد أهم وأشهر المخرجين في العالم ولم يفتتح مهرجان محترم في الكوكب، إلا وتصدرته أفلامه.

L'incomunicabilità

إحباط ونهوض
تعاون في فيلم 'الانفجار' مع الممثلين البريطانيين ديفيد هيمنغز وفينيسا ردغريف الذي لا يزال إلى الآن يحمل غموضه ولم يتفق ناقدان على تفسيره، ولكن انطنيوني تعرض لإحراج في فيلم 'زابرسكي' 1970 الذي أنتجته هوليوود بميزانية ضخمة لأول مرة في تاريخه المهني واختار حركة الاحتجاجات الطلابية موضوعا له، وسبب الفشل في جذب الجمهور لشباك التذاكر لهذا الإحراج على الرغم من أن النقاد الأجانب مدحوا الفيلم، لكن أسلوب انطنيوني لم يتقبله الجمهور الأميركي خاصة أن ذلك أدى إلى كارثة مادية لمنتجي شركة 'أم جي أم'.لكن السيد انطنيوني استرد سمعته في فيلم 'المسافر' بطولة جاك نيكلسون الذي حمل قلق الذنب الوجودي بصورة مراسل صحافي يحاول الهروب من حياته الفاشلة بتغيير هويته ولم يترك أي شك في جدية هذا الصناع الأمهر ولا تجادل أبدا منزلة هذا الفيلم في مرحلة السبعينات بأبعاده الجمالية والتزامه الأخلاقي وتأثيراته البصرية.

Enzo Coletta e le interviste per ANTONIONI
اللون الواحد
ارتبط أنطنيوني بمدير التصوير البارز تيفولي كلوتشيانو الذي أعاد رؤيته إلى الطبيعة والريف والمدينة والحكايات والأحلام والكوابيس والزوايا والدرجة البالغة الحساسية والإرهاف للعاطفة منذ فيلم 'الكسوف' عام 1962.واستطاع في كل أعماله قبل عام 1964 وخاصة ثلاثيته الخالدة التي اشرنا إليها L'Avventura 1959، La Notte الليل 1960 وL'Eclisse الكسوف 1962، تجسيد المشاهد بتعبيرات اللون الواحد ووجد الوسائل المثالية لإعطاء الشكل الحقيقي لعوالمه الدقيقة بصبر عال وتقنية منتج دقيقة وأناشيده وفواصله الحادة وجديته الحازمة ومخه الذي مرر بنجاح وعن قصد أفلامه الصعبة لمشاهدي المقاهي ومدى غضبه نحو أفئدة البشر البسيطين وحول عملية الذهاب إلى السينما كمسعى ثقافي.

Lo Sguardo di Michelangelo

الهدام المطلق
لقد كسر انطنيوني كل القواعد وكان أكثر الهدامين المبجلين في فن القرن العشرين وطالما أثار أسئلة لم يجب عليها أبدا وكان الوحيد في السينما الذي دفع ممثلين في أشرطته من دون شخصية واعتمد على التطور النفسي للحالة التي عكسها في الشاشة.دمر أنطنيوني حركة الكاميرا المعتادة وشذوذ زواياه كان متعمدا وشخصياته المركبة ساعدت على تشييد درع عاطفي بين الجمهور وشخوصه المحيرين الذين وصفهم شيخ النقد السينمائي سيمور تشاتمان بأن أنطنيوني لم يقدم أشخاصا سيئين أو جيدين، ولكنه جعلهم مطلقين وهذه نعتبرها لحظته الحاسمة في هدم المألوف في السينما.

مثل كل الكبار
لم يتعرض فنان في زمانه لاستهجان كما جرت الحال مع انطنيوني في ليلة عرض فيلمه Lavventura في مهرجان كان 1960 حين خرج الجمهور وهو يصفر مستخدما أصواتا وتعبيرات رفض مختلفة. لحظتها فكر انطنيوني ومونيكا فيتي (الممثلة التي أصبحت فيما بعد نجمة لامعة ورافقت كل أعماله العظمى في الستينات) بأنهما انتهيا مهنيا!بعد ساعات قليلة من تلك الليلة العصيبة صاغ روبيرتو روسيلليني مع مجموعة من المنتجين والنقاد المؤثرين بيانا أصدروه في اليوم التالي جاء فيه أنهم: 'مدركون للأهمية الاستثنائية لفيلم انطنيوني والأسلوب الحديث المستخدم في الشريط الذي أثار النقاد المتلهفين لإبداء إعجابهم بكل العاملين في الفيلم الذي يعد كإحدى الأساطير العظيمة في صناعة السينما التي تعد شارة شرف في هذه المهنة منذ ولادتها'.بعدها حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة وحقق ضربة كبيرة في شباك التذاكر في العالم أجمع وأينما عرض وألهب نقاشا عنيفا في الأوساط السينمائية، بعضهم رآه عديم الجدوى وآخرون تأكدوا بأنهم رزم كل مآزقهم وضعفهم وهشاشتهم في الشريط الذي ألهب البرق الصاعق لسمعة انطنيوني العالمية التي جذبت له منتجي هوليوود الذين كان يتحسس منهم مبررا ذلك بقوله إنه يناقش سيناريو أفلامه لعدة أشهر وبعدها يبدأ الحوار مع الممثلين ويجري تغييرات كبيرة على السيناريو بعد هذه المناقشات وحتى البدء بتصوير أي مشهد، يحمل في ذهنه عدة رؤى للمشهد الواحد الذي يصوره أحيانا بطرق مختلفة كما وصفه الناقد السينمائي ديفيس ميلتون : دقيق في الأسلوب، محافظ وهادئ في الخطاب وكمصرفي يحضر صفقة مصيرية.تطول انجازات انطنيوني المهنية ويتسع الجدار الذي حمل جوائزه ويكاد الحيز الذي نتناوله فيه يضيق بكلمة الوداع هذه التي ذكرتنا بالزمن الجميل والهادئ لرجل كان بمنزلة أيقونة ثقافية حمل معه اللغز وغادرنا بسكينة.