10‏/06‏/2009

The Kite Runner


لا يمكن الهروب من الذكريات المخزية، هناك متسع في الحياة لتصحيحها فحسب. هذا ما يريد خالد حسيني قوله في روايته (The Kite Runner) الناجحة توزيعا وانتشارا ومبيعا في الولايات المتحدة وأوربا والتي حولتها إلى السينما مخطوطة سيناريو لديفيد بينيوف وأدار فريق الفيلم وأخرجه مارك فوريستر. يعتبر الندم أحد أقوى المواضيع في الأدب منذ ظهوره في الإنسانية، كل البشر من الممكن أن يقترفوا ما يتوبون عليه بتقدم العمر، لاسيما تلك الأخطاء المريعة والفاصلة التي يحملونها بقية حياتهم لغاية امتلاكهم القدرة على المستوى العقلي والعاطفي لتعويض الذنوب، لا مسحها.


PDF

هذا الفيلم يضعنا في مواجهة الوجه الإنساني للحرب، انه شريط يحاول تسجيل قهر الضحايا الأبرياء انطلاقا من كابول عشية التدخل السوفيتي ولغاية سان فرانسيسكو مطلع القرن الجديد، حاملا مثالب الحرب نفسها وطارحا أزمة الكتاب المغتربين الذين يؤلفون الروايات عن بلدانهم عبر السماع والأنباء ووجهات النظر المسبقة وما تبقى لديهم من إرث خلَّفه لهم الآباء الذين حملوهم أطفالا، كما جرى لخالد حسيني الذي ترك الطب، ليتفرغ للكتابة عن أفغانستان التي غادرها طفلا عام 1978، وهو العام الذي تبدأ فيه أحداث الشريط.



تورط المخرج الناجح
مارك فوريستر غير مبتدئ في إدارة الأفلام الطويلة التي تناقش ما يمكن أن نسميه «الأسئلة الكبرى»، فقد عرف في فيلمه «كرة الوحش» الذي جلب لهالي بيري أوسكار أفضل ممثلة و«حارس الغابة» الذي جلب له مديحا نقديا وإقبالا لافتا على شباك التذاكر.
ولفهم «عداء الطائرات الورقية»، لابد من مشاهدة هذين الفيلمين للتعرف على أسلوب فوريستر في معالجة المشاهد المركبة والمؤلمة عاطفيا وتعامله الصحيح مع الأطفال.
وهو مخرج طموح للغاية في التعامل مع الروايات ومجهز بالأدوات كافة للعودة إلى الماضي والإمساك بمحاور القصة دون الاستعانة بالتقنية والأرشيف والخدع وكان دائما ينال هدفه، غير أنه في هذا الشريط وجد رواية حسيني مرتبة جدا، كما لو كتبها خصيصا للسينما، بميزتها المتحركة وإثارتها النفسية وحتى في ظلامها وتناولها وبدا أن مهمة بينيوف جرت بسلاسة، لكونه لم يجد صعوبة في الانتقال ما بين زمنين: أفغانستان قبل الاجتياح السوفيتي وفي أيامه الأولى، ومن ثم في غضون حكم طالبان، ووضع الجالية الأفغانية في أميركا، وهكذا لا يوجد أكثر من هذا الترتيب للشروع في تصوير فيلم. ولكن هل كان الطريق متاحا أمام هذا المخرج الناجح، دون التورط في طرح قضية كانت أكبر من الكاتب نفسه؟

أفغانستان بعين طفل
كما أنه من أندر الأفلام التي سلطت الضوء على المجتمع الارستقراطي الأفغاني أوقات الملكية، ووضع الروائي اهتمامه بالأطفال أكثر من البالغين (لكونه البطل الحقيقي ورأى أفغانستان بعين طفل)، وهو أمير (زكريا إبراهيم) الذي أدى دوره بشكل استثنائي وصديقه حسن (أحمد خان) الذي كان يعمل خادما مع والده عند قصر والد أمير (هامايون إرشادي) الذي فقد زوجته في ولادة أمير الذي أصبح منطويا ، تلبى رغباته بدون ضغوط، لا يقوى على الدفاع عن نفسه بمواجهة أطفال المدينة الشرسين والعدوانيين، وكانت مهمة حمايته موكلة لحسن الذي حمل صفات الرجولة عوضا عنه، رغم أنه كان أصغر منه سنا وأضعف بنية. ولم يكن رجلا فحسب، بل أفضل من يقود الطائرات الورقية في كابول واستطاع في مشهد سينمائي، أن يسقط كل الطائرات الورقية المتنافسة، في اللعبة الشعبية المعروفة في العاصمة الأفغانية، حينما يبدأ المتنافسون بإدارة طائراتهم وإسقاط طائرات المنافسين بربط أجنحة زجاجية تتكفل في قطع الخيوط.


الثبات والتخاذل
إن حسن، كان رمزا للروح الأفغانية، بثباتها وقوتها ومهارتها، المدافع عن صديقه الارستقراطي الذي تخاذل عن مساعدته حينما حوصر من مجموعة مراهقين في شارع ضيق واغتصبوه، وتوارى كأنه لم ير هذا الاعتداء، ليحمل جبنه معه في المنفى.
وولع حسن بالطائرات، عشقه للحرية والاندفاع والطيران وبأس المحارب، وهي الصفات التي أراد أمير تعويضها في الدراسة، وحينما رفع أبوه النخب في حانة أميركية تحية للدكتور أمير الذي حصل اليوم على الشهادة الجامعية ( أدى دور أمير البالغ خالد عبدالله)، تضايق من هذا اللقب العلمي ليجد نفسه بائعا في «بازار» شعبي ترتاده الجالية الأفغانية.
هو مصير خالد حسيني نفسه الذي ترك الطب وأحنى جبهته للموضوع الأفغاني ليعالجه في روايات كانت هذه الأولى التي أصدرها. وهي أزمة الهوية التي أراد إثباتها وطمس عاره في السكوت والخنوع حينما تم اغتصاب صديقه أمام مرآه وتخاذل في عمل شيء، بل افتعل حادثة سرقة ساعته متهما حسن بذلك، ليغادر الخادمان قصر والده حاملين ذنوب أمير التي تحتاج إلى قدرة هائلة لكي تغتفر.
لذلك حينما تزوج أمير من ابنة صاحبة البازار اللطيفة التي تحمل كل سمات الفتاة الشرقية المحافظة حتى في جمالها، لم يكن لديه خيار في إنجاب الأطفال، لا يريد أن يقدم جبانا جديدا إلى العالم، لم يكن أمامه سوى حسن لكي يعيده إلى ترابه، منبعه، قوته، شجاعته المفقودة، ورجولته.


انهيار الجميع
إن خروج حسن بهذه الطريقة المهينة من حياة أمير، كان فاتحة لانهيار البلاد باختلاط مفرقعات الحفلة الارستقراطية لعيد ميلاد أمير مع الاجتياح السوفيتي، في الوقت نفسه، سيحمل والد أمير الحقائب نفسها لخادمه الذي غادر القصر ظلما، ويتوجه إلى بيشاور الباكستانية هربا من النظام الجديد الذي يخطط السوفيت في إقامته، وقبل أن يحشر مع أمير في خزان للوقود لكي يعبرا الحدود يأخذ بأصابعه حفنة من التراب الأفغاني ويضعها في حافظة ساعته، ليشمها قبل لفظ أنفاسه الأخيرة في سان فرانسيسكو بعد عقدين.
في الطريق إلى باكستان، ستوقفهم نقطة تفتيش للجيش الغازي، ويبدأ الاستجواب، ولا نعرف هل من الواقعي أن يقف إرشادي ليبدأ خطبة إرشادية عن الضمير على مسمع الجندي السوفيتي الذي يجيبه ماصا لفافة السجائر: «إنها الحرب ، عن أي ضمير تحدثني أيها العم».
صورة أفغانية خاصة للمتلقي الغربي وفقا للمراسم الدعائية التي اعتادها

خصيصا للمتلقي الغربي
لقد كانت للسذاجة السياسية لخالد حسيني وآرائه المكتوبة للمتلقي الغربي أثرها على سيناريو بينيوف الذي لم يخرج عن المراسم الدعائية للرواية، وكأن الحفاظ على الأصالة الأفغانية للجالية في أميركا لا تتم إلا بزيارة سوق الدجاج والبحث عن الذبح الحلال والرقص الشعبي عند توزيع الحلويات الوطنية. وحينما عاد أمير إلى كابول عبر بيشاور، شدد حسيني والسيناريو والمخرج على إظهار طالبان كوحوش، ولكي يفزعوا المشاهد الغربي لابد لأمير أن يكون في ملعب لكرة القدم حيث يُرجم الزناة في المشهد الذي كررته القنوات الإخبارية مئات المرات.
وهذا الأميركي الأفغاني لابد وأن يكون المنقذ، سيجتاز بلحية مستعارة الحدود وسيخترق ضيعة قائد ميداني طالباني كان قد أضاف إلى غلمانه أبن حسن – سهراب ( علي دينيش) ، كتكرار لمأساة والده الذي قتل في الحرب دون التوقف بمزيد من التفاصيل واكتفى من في الفيلم برسالة كان حسن قد أودعها عند العم رحيم خان (شاون توب) الذي كان يهتم بالصبيين، وفي اللحظة التي كان ينهال فيها قائد طالبان على أمير بالضرب، سينقذه سهراب كما فعلها والده حسن في الطفولة بالمصيادة ، وسيهربان من بين كل القوات الموجودة بلمح البصر.



بطولة وهمية
وبطبيعة الحال، كان مشهدا هوليوديا رخيصا بامتياز ولا يصلح لهذا النوع من الأفلام، فكيف يمكن لأمير الضعيف الهرب بالصبي سهراب من كابول حتى قندهار ومن ثم يعبر الحدود إلى بيشاور بهذه البساطة ، هذا في حالة إذا تغافلنا البطولات الوهمية التي حدثت في مقر قائد طالبان.
والذي يعرف الوضع في أفغانستان أوقات حكم طالبان، يدرك قوتهم التنظيمية في مجال الأمن، بحيث لا يمكن لعجلة جيب اختراق ثلاثة أرباع البلاد، بعد اعتداء أفرادها على قائد لهم، بهذه البساطة، لذلك حصلنا على أحداث ملفقة إلى حد بعيد، كافية لأن تسقط الفيلم برمته.

تلقى الفيلم هزيمة فنية بسبب رزم آلام الآخرين للعن الخصوم ببهرجة السينما التجارية

السقوط في الفخ
في الروايات قد تأتي حوارات ومواقف خرقاء، لكن لماذا حافظ عليها سيناريو بينيوف وفوق ذلك سار فوريستر على نهج المخطوطة، فالعداء للشيوعيين وطالبان لا يكون بهذه الصورة، فماذا يعني أن يعالج والد أمير في الولايات المتحدة على يد طبيب وخلال عملية الفحص، يعرف أنه من أصول روسية فيدفعه ويذهب إلى طبيب أفغاني يستكمل عنده العلاج، أو وصفه للملالي على أنه قرود في لحظة شفطه للكحول. ما المغزى في هذه اللقطات التافهة؟ وإذا كان فوريستر راغبا في تفادي السياسة، فلماذا يسقط في فخ أكثر خطورة: السطحية التي هي ألد أعداء الفن. إن بطل رواية إيان ميكويان «تكفير» طفل أيضا، وحمل ذنوبه وكوابيس الحرب في بلاده إلى المنفى، لكن التطهير الذي حصل عليه، بعد معاناة ومشقة جاءت منطقية وواقعية، وكذلك شريط «طعم الكرز» لعباس كيروستامي الذي لا تجد فيه أي ادعاء، وعبقرية ترجمة الإيقاعات الطبيعية للحياة وللمؤدين غير المهنيين على الشاشة وقابليته على تعبئة المشاهد بالمشاكل الحقيقية، خلافا لنص حسيني، التي باقتباسها «رامبويات» هوليوود، جعلتنا نشك حتى في رغبته للتوبة.

المؤلف خالد حسيني والمخرج مارك فوريستر

هزيمة الفن
لقد تلقى حسيني وفوريستر في «عداء الطائرات الورقية» هزيمة فنية، لأنهم لم يمتلكوا أدنى حق في رزم آلام الآخرين ليلعنوا خصومهم ببهرجة السينما التجارية. غير أن هزيمة الفيلم لم تكن منكرة، فقد أنقذها كاتب الموسيقى المخضرم ألبيرتو إيغلسيس.وعناصر الإنقاذ الأخرى كانت الأداء المتميز للأطفال والممثل خالد عبدالله الذي نعده مفاجأة حقيقية بتمثيله المحترف ومدير التصوير روبيرتو شيفر الذي أجهد نفسه بالتصوير الجوي لمعارك الطائرات الورقية، وتلفيق أغلب المشاهد، كما لو صورت في كابول فعلا، فالذي يعرف العاصمة الأفغانية سرعان ما يفاجأ بفداحة أخطاء المخرج وفريقه الذين كانوا جاهلين تماما حتى في فارق الأزياء ما بين البشتون الذين هم أغلبية سكان كابول والأوزبيك والطاجيك الذين يسكنون في جلال اباد ومزار شريف على التوالي. وفي كل الأحوال ان المشاهد السريعة بينت أن الفيلم تم تصويره في بيشاور وبعض القرى الباكستانية ذات الغالبية الأفغانية، ودخلت كاميرا منفردة إلى أفغانستان لتصور بعض المناطق التي لم يظهر فيها ممثل واحد بحوار.

27‏/05‏/2009

UN PROPHETE - A PROPHET

حصل على ثاني أكبر جائزة في مهرجان كان السينمائي في دورته الـ 62 وهي الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، في وقت كانت فيه كل الترشيحات مصوبة لاقتناصه السعفة الذهبية ، فقد حصل على تأييد النقاد الفرنسيين الثقيلي الوزن وكذلك غرّد في مدحه النقاد الإنكليز والناطقون بالإسبانية طوال الأسبوع الأول من المهرجان ولغاية اللحظات الأخيرة لنطق الحكم.
ساعتان ونصف أثبت فيها أوديار أنه حقق ضربته القوية ليس في محيط المهرجان فحسب، بل في المجال السينمائي العالمي، لاسيما وأنه يتميز بالصوم كثيرا قبل كل فيلم ( عرف في "اقرأ شفاهي" – ربح ثلاث جوائز سيزار - و " الضربة التي طفرت بقلبي".
كما أن الصدمة التي أحدثها الشريط منذ عرضه الأول (2008) بقدرة الإخراج على مسك أحشاء المشاهد وعدم تركها طوال الـ 150 دقيقة من التوتر وسرعة الإيقاع ، قطع الحناجر، إطلاق النار، المطاردات ، متلمسا قضية حرجة جدا يتحفظ على التلفظ بها الكثيرون وهي الحالة في السجون الفرنسية ووضع الجاليات الملونة فيها وسلطة مافيا الجريمة المنظمة.
Article format - PDF

الأعزل المتوحش
أخرج الشريط الفرنسي جاك أوديار ( ابن السيناريست المخضرم ميتشل أوديار) بالاستناد على نص سيناريو كتبه أيضا بالمشاركة مع توماس بيدغان ونيكولاس بيوفيل عن شاب عربي مالك (ممثل مجهول طاهر رحيم الذي صرخ من السعادة حينما شاهد العرض الأول وتم اختياره للعب هذا الدور بمنافسة 40 شخص) حكم عليه بست سنوات سجن عن جريمة تافهة، يصل إلى السجن وحيدا كليا، فقيرا، لا يقرأ ولا يكتب ، أعزل، هشا وصغيرا أكثر من المحكومين الآخرين، لا يتجاوز عمره 19 سنة، وعليه مواجهة زعيم مافيا السجن الكورسيكية لوسيوني المسيطر على السجن (أداه الممثل الفرنسي الشهير نيلز أريسترو)، أو على الأقل كسب ثقته، في ظرف كان فيه الجميع يقتلون بأمر منه.


Jacques Audiard


وظائف جانبية
ما الرسالة التي كان يريد جاك أوديار إيصالها؟ ولمن؟
أن أي مجرم بسيط، قد يتحول إلى كبير لو دخل السجن. انتهى النداء والرسالة وصلت. ربما يقول البعض لو كانت هذه رسالة الفيلم، فهو بلا رسالة في حقيقة الأمر. لكن في الفن، المبدعون أحرار في تناولهم المبادئ الأخلاقية وفي السخرية، ففرانسيز كوبلا قدم آل باتشينو وغدا حقيقيا في "العراب" ، إلا أنه كسب بفضل الفن تعاطف كل من رأه.
أضف إلى ذلك، أن أي فيلم لا يفترض أن يتبنى اعتقادات ما سائدة في المجتمع، فليس وظيفته الوعظ وتمييز الأبيض عن الأسود، وتحديد الطيبين والأشرار، وفي حالتنا أراد أوديار عرض إلهامه الخاص عن السجناء في فرنسا.
لقد حقق المخرج واحدة من أهم مهامه في توظيف طاقة الفريق وإطلاق النبض الحي لكل منهم، بداية من الكاميرا التي انشغلت كثيرا في تصوير فيلم ناجح وتوجيه الممثلين ودفعهم لمراقبة بعضهم الآخر والتدريب على منح الشحنات ما بين رحيم المبتدئ في التمثيل وأريسترو الذي قضى عمره في هذه الصنعة وكأنه منح الممثل الشاب 40 سنة من التجربة بالنيابة.
ان سينما السجون قديمة جدا، ولعل كلاسيكية الموضوع كانت أهم التحديات التي واجهت أوديار، وكان عليه الاعتناء بإدارة المجموعات وعدم التعامل مع السجن كبناء وأبواب فولاذية وحماقات شاذة ، بل كحالة عزل وكائنات محصورة في حيز ضيق، وكان له ما أراد، لولا انجذابه لمشاهد العنف التقليدية التي تظهر في أفلام المعارك ( رغم إدارتها بشكل بارع)، مقتطعة من الشريط نصف ساعة كان حذفها مفيدا لأن يخبرنا عن أهدافه.


اللعب على العنوان
ولطالما فكرنا في عنوان الفيلم حتى قبل مشاهدته، وبعد ذلك تملكنا يقين في أنه لا يعني شيئ وليس له علاقة بموضوعة الشريط، عدا احتمال واحد، أن الكاتب يريد أن يجبرنا على التصديق في أن بطله يمكنه معرفة المستقبل، وهنا سندخل في تشويش الترجمة ما بين "النبي" وهو عنوان الفيلم الذي يكسب مباشرة طابعا روحيا وعقائديا و "المتنبئ" الواثق من تنجيمه. وهي سمة مقرفة في حقيقة الأمر، أن تتعمد الخلط واللعب في اللغة وأنت تقدم عملا فنيا، فالعنوان في الفرنسية قد لا يعني ترجمته إلى الإنكليزية (قد يظنه البعض الشبح) وكذا الحال عند نقله إلى العربية (النبي)، ناهيك عن التفخيم غير الواجب في العنوان أساسا لكونه لا يزيد أو ينقص من أهمية الشريط.

عبقري الاجرام
العربي الشمال أفريقي مالك الذي دخل السجن أميـّا ، سيجد نفسه منفذا لأول اختبار إجباري من "قيصر السجن" لوسيوني بقطع حنجرة عربي منافس كان قد نصحه باستبدال المخدرات بالجنس (ريب ياسوبي) ومدركا إلى أي جهة ينبغي الانحياز عندما تكون مستلبا في السجون، ومن الذي يديرها في الواقع وكان الثمن حمايته، قبل فرضه الإعجاب ليتولى مهام أكبر في الخارج. يبدأ بالتسلق التدريجي في المهمات ، وبثبات يبرهن فيها على قابلية للتعلم السريع من معلمه المجرم المحترف. ويتم تصوير حالة النمو الإجرامي بطريقة موفقة جدا تحيلنا إلى شريط فرانك لوكاس "الشقي الأميركي" كمقارنة ضرورية لتتبع حياة العصابات التي تنشأ في السجون وينطلق نشاطها خارج أسواره.

قدما نحو الجديد
أن أهم شيء في الفيلم، أن كل مشهد جديد، يعطي شيء جديد، وواضح منذ الدقائق الأولى أن المشاهد سيستمتع بعمل مخرج مدهش يدرك كيفية التحكم بالقصة حسب مرور الوقت. فمثلا، ليس من السهل تنمية مواهب ممثل شاب، ليستطيع التفريق البالغ الدقة في الأداء حينما كان نكرة، حتى يكسب الاحترام في منظومة السجن. التطور في الأداء جاء تدريجيا وحسب الوقت الموضوعي والمخطط له بشكل متقن ويعود الفضل الأساسي هنا لطاهر رحيم الذي استحق الإشادة على الأقل ونيلز أريسترو الفاتن التمثيل.
لم يخض السيناريو في أسباب وجود مالك في السجن، ما كان يشغله، أن رجلا خاليا من التاريخ الإجرامي الجدي دخل الحياة الجديدة. في الوقت نفسه، لم يتكلف الفيلم في مراجعة سيرة حياة لوسيوني ولا تلك الألغاز التي تحيط عرشه ، للمشاهد الفرص الكافية لأن يعرف روابطه خارج السجن وعلاقاته مع مافيا المخدرات وما بعدها.
وهكذا، فأن أكثر ما انشغل فيه أوديار هو الكشف العميق لمجتمعات السجون (كمؤسسة اجتماعية) لعكسها في صورة أوسع: الصراع بين الأعراق، مقدما تصميما رائعا لحالة فرنسا المتعددة الأثنيات ، بشكل لم يتعد على أي منها ولم يتطاول بإسفاف اعتادت عليه شرائط هوليود الرخيصة، كما لم يستفز أحد بأفكار دينية تمس العقائد المتنوعة.

Tahar l'étudiant extrait
خلطة غريبة
النزيل الآخر رياض (عادل بن شريف) يصبح صديق مالك ويعلمه القراءة والكتابة وحليفه في خارج السجن لاحقا عندما يرتب له لوسيوني المهمات الإجرامية المختلفة التي تجعل حياته أخطر مما كانت عليه، وجوردي الغجري الذي يشكل مع رياض مشروع عائلة لمالك ، لتظهر على نحو مفاجئ موهبة التنبؤ بعد حادثة غريبة لتحطم سيارة أنذرت في نمو سلسلة خيالاته المبهمة. لا نفهم السبب الذي جعل السيناريو يستعين بالغيبيات في قصة واقعية، لعلها ميول أوديار النفسية التي يكحل بها أفلامه سائرا وفق أسلوب ستيفاني فونتاني ولغته السينمائية التي يتعمد تفكيكها.


في الأخلاقيات
كما تبرز معضلة أخلاقية هامة؛ وهي أن الكفاح الصعب الذي يخوضه المرء من أجل البقاء والاستمرار بالحياة القاسية، هل تستدعي أن يكون مجرما حتى لو سدت أمامه الخيارات؟ هذا في حالة استبعادنا عامل البحث عن الهوية الكثير التداول في الآداب والسينما للمهاجرين في أوربا. أي نموذج سنحظى به وأي نبيّ: يدخل مالك إلى السجن ليس أكثر من رقم، يخرج منه محطما أعدائه الواحد تلو الآخر ، بانيا إمبراطوريته الخاصة كبطل للمافيا العربية في فرنسا!من وجهة النظر هذه، ما الذي يفرق بين حكاية أوديار وفيلم العصابات التافه "أصابع" لجيمس توباك أو المنوعات البوليسية لمارتن سكورزيسي المبكرة و"ستارة الحرية" لجون وين؟ نرى قيمة الفيلم في القدرة على رسم الأشخاص وتقديم الحبكة (التي اتفقنا أنها تقليدية وشاهدنا الكثير منها في السينما) والتمثيل المتفوق والحضور القوي لطاهر رحيم والإجادة البصرية والتأثيرات الصوتية المتقنة والتقنيات الجديدة وعناصر أخرى أشرنا إلى معظمها.

26‏/05‏/2009

The White Ribbon - Das weisse Band

'The White ribbon'
بالأبيض والأسود يحرز «الشريط الأبيض» للنمساوي مايكل هانيكي واحدة من أهم الجوائز في تاريخ السينما وهي السعفة الذهبية لمهرجان «كان» في دورته الـ 62. كما لو كانت القرية البروتستانتية لا تتمتع إلا باللونين الأسود والأبيض فعلا، يعيدنا هانيكي الى عشية الحرب العالمية الأولى وتحديدا بين عامي 1913-1914 مقدما لنا حكاية مجموعة أطفال ومراهقين يديرهم بصيغة الراوي معلم القرية موزعا عليهم الذنوب والمهام: البارون، المضيّف، القسّ، الطبيب، القابلة، الفلاحون والأطفال. ولابد من حوادث غريبة أن تحدث ليتم مواجهتها بأسلوب الرعب المرح الذي اعتاد عليه المخرج في أفلام سابقة، لاسيما في شريطه «ألعاب مضحكة»، غير أن لعبته هذه المرة كانت تحتاج إلى طقوس للعذاب، في حقيقته كان عقابا، على الجميع تقاسمه تدريجيا.


LE RUBAN BLANC
بهذا الفيلم الجديد، يعود مايكل هانيكي (ساعده في إعداد مخطوطة السيناريو جين كلود كارير) إلى مواضيعه الكلاسيكية التي يمسّ فيها الصفات الإنسانية الجوهرية: الشعور بالذنب، نكران الذات، العنف كميزة للسقوط الجماعي وإشارة إلى صعود الفاشية عبر التربية الصارمة لأطفال من أجل تنشئة مبادرة الإجرام فيهم، لافا شريطه الأبيض حول قرية في شمال ألمانيا خلال فترة العزل قبل نشوب الحرب، سائرا بدقائق الفيلم الـ 145 بصرامة وانضباط وشدة الثلج الذي كانت عليه أعصابه في غضون تصويره. هي حكاية أناس معزولين تهزهم أحداث غير قابلة للتوضيح ولا المتعة يرويها معلم القرية العجوز جاكوبي بدءا من الحادث الغامض لسقوط الطبيب المحلي بوك من حصانه وكسر عظم ترقوته، قبل العثور على سلك مثبت بتعمد لإيذائه. وسيعرفنا الرواي بمالك أراضي البلدة البارون الارستقراطي أولريك توكور وزوجته لاريدا والقس البالغ الحزم والثقة بنفسه كلاوسنر وآخرين كمدبرة المنزل وحبيبة الطبيب (لوثار) والبنت التي تغتصب (روكسان دوران) ومضيف عقار البارون (جوزيف بيربشلر) والمزارع المحلي (سامورفسكي) الذي تموت زوجته مباشرة بعد حادثة الطبيب، بينما المعلم العجوز يغري مربية الأطفال 17 سنة (بينيش) بعد عجز الطبيب لكي تكون عروسه.


Michael Haneke

ستتوالى الأحداث الغامضة في القرية: يجدون بشكل مفاجئ ابن البارون مجلودا والحظيرة محروقة، تقتل زوجة مزارع في معمل نشارة وتنهال الأمراض، لا شرطة ولا أحد يمكنه التوصل إلى مصدر هذه الجرائم. إذن، يتحقق مراد السيناريو في عكس الوحشية والظلم المنتشرين في القرية بغض النظر عن النوايا الحسنة لبعض الأطفال والنساء وحتى البارون، لكن من سيضمن لمدير العمل أن ذلك لن يؤدي إلى كراهية المشاهدين بسبب الإذلال الذي يتعرضون إليه والشر السادي في مشاهد جلد الأطفال الذي صوّر واقعيا. استبدال الحرمان بالخوف إن الشريط أو «الوشاح» الأبيض الذي يفرض القسّ على أطفاله ارتداءه، هو عنوان «الإهانة» وكرسالة تذكير لحالتهم الشريرة التي تحتاج إلى النقاوة، الوشاح الأبيض هو رمز العنف والانتقام الذي سيجيء وفرض الالتباس للقهر المكبوت والمدفون في الصدور الى حين أزوف اللحظة المناسبة لإخراجه، كإشارة لمرض مجتمع برمته، مرض مستمر يتناول الفرد تلو الآخر.


PALME D'OR : LE RUBAN BLANC DE MICHAEL HANEKE

الأطفال المحرومون من أي حق، في حالة تمرد عقيم ضد السلطة الأبوية والدينية، ينفسون عن حقدهم لها بأفعال هي من السوء، بحيث تسبب تشنج الحياة في القرية، كما لو كانوا يعوضون عن حرمانهم بزرع الخوف في الجميع وأهلهم على السواء، وأحزن ما في الأمر، أن كل هذه السيئات تستمر لغاية اندلاع الحرب: العنف الأكبر.لكن ما يشغل هانيكي، ليس الرعب الذي يصدره واعتاد عليه في أشرطته، بل ما يريد قوله: ان كل شيء يحدث (ممهدا للحرب) لا يهتم أو يبالي أحد في كشفه. كأنه يريد القول انه في الحروب لا يوجد مذنبون ولا جناة ، هذه الثقة المطلقة التي يملكها «الشريط الأبيض» هي إجادته، بل صناعته لغته السينمائية الخاصة ، أما هانيكي، فبدا كأنه انتزع من فريق ممثليه - خصوصا الأطفال- كل ما يملكونه من طاقة في الأداء، لقد حقق مهمته بشكل مثالي.
LE RUBAN BLANC (DAS WEISSE BAND) - Soundtrack
إرث بيرغمان
ومن غير الممكن تفادي التأثير البالغ النضج لبيرغمان على هانيكي (حتى في نشر الضوء على لونيه الأسود والأبيض وتلك التناغمات التي لا تستعاد بسهولة) وجمع شتات كوادره بما في ذلك الزوايا لتصوير الوجوه لكي تخدم ألغازه وكيفية تناوله النزاعات البروتستانتية التي ظهرت مطلع القرن العشرين وكيف تجول في التعبيرية المتشائمة. لا نعلم في أي وقت رأينا آخر مرة، التزاوج الهادئ ما بين البصري (الخارجي) والوعي (الداخلي) في فيلم، غير أن «الشريط الأبيض» يكشفه بصبر مخيف، حتى عندما يصور فناء البلدة كصورة للخواء الذي تبقى لسكانها. هذا التحدي المريع للكاميرا لم يتقنه غير بيرغمان ، وحينما حاول هانيكي ذلك في «ألعاب مضحكة» لأول مرة كان الجمهور الراشد يشك في فهم ما يرى، لكن هذه المرة، لا مناص أمام المشاهد غير التركيز ومحاولة الإجابة: ما الشيء الذي تريد قوله هذه الكاميرا؟ إن القرية كيس كبير ممتلئ بالمخلوقات والتجارب، الأصدقاء والأعداء، المحبوبين والمكروهين، الأتقياء والأشرار، الأزهار وأشواكها، النزاعات العائلية والدينية، المهارة الفنية العالية الدقة الوحيدة التي تستطيع تنظيم محتويات هذا الكيس، بالسيطرة الإيجابية والصائبة على المادة والتفريق بين العاطفي والثقافي في تنسيقها لكي يقدم هذا العالم المغموم كفن مقبول في الحياة الحديثة.


لماذا الأسود؟
اللون الأسود، ما هو إلا اليأس الذي كان يطارد هانيكي نفسه الذي افترض أن شرائطه السقيمة تستطيع انتزاع السعفة الذهبية في كان 2005 أو في مهرجان سيزار 2006، وجائزة لجنة التحكيم عن فيلمه «معلم البيانو» 2001، لكنها صعبة المنال لأذواق العامة. من هنا كان اعتماده في «الشريط الأبيض» على رواية المثقف الذي يسقط من حصانه ( كإشارة الى سقوط الانتلجنسيا) بعد أن وضع أحد ما سلكا في طريقه وعن أطفال يتسلون في قتل الحيوانات ورجل مستاء جنسيا يفرّغ أمراضه النفسية بانتهاك ابنته المراهقة، وبالطبع لا بد من وجود قسّ في هذه القرية يقبض على الأمور بيد من حديد. إن الحركة المملة الواضحة في الفيلم هي أيضا تعمد لهانيكي لعكس حالة اليأس عند شخوصه، والسريعة الى حد التوتر أحيانا أخرى تعبيرا عن قلقهم، وعندما يتركنا للسكون في بعض فترات الشريط، فهو أسلوب تاركوفسكي والمدرسة الإيطالية للتعرض للمشاهد واستفزازه لكي ينضم إلى اللعبة الغامضة والمستترة أسفل السطح العائم للشاشة، لغاية ظهور الوشاح الأبيض الإلزامي الذي كانت مهمته تذكير الشبان ببراءتهم.

Das weisse Band
تضاريس الحزن
أفضل ما فعله كاتب السيناريو والمخرج مايكل هانيكي هو هروبه من الأحداث الواقعية للحرب التي من الممكن أن تحول شريطه إلى مسلسل تاريخي وقابليته على إيجاد «ذاكرة وسيطة» تصفي من خلالها الأعمال العنيفة المتراكمة التي حدثت في القرية أو المناطق المحيطة بها. فالسيناريو يعمل على عدة مستويات: البالغين المنافقين وأطفالهم غير المتوازنين، وهي صورة ألمانيا التي مهدت لظهور النازية. وبالطبع لا يكلف هانيكي نفسه مهمة الكشف عن المذنبين ، لأنهم مكشوفون طوال طريق القمع الهائل الذي يأخذنا إليه كحال سخرية القدر التي تمنحنا المعادلة: هؤلاء الأولاد البسيطون.. كم هم وحوش رهيبة!

Trailer Haneke
السؤال الألماني
لا يخفى هنا الاتهام المباشر للروح البروتستانتية الألمانية في وقت كانت فيه أوروبا برمتها تندفع نحو الحرب ، ولعل الألمان سيسألون الكاتب والمخرج بعد انتهائهم مشاهدة الفيلم: لماذا كان عليك تصوير هؤلاء الناس كمذنبين في سلسلة من الجرائم اجتاحت أوروبا لقرون؟ نقول ذلك ليس كملاحظة لطلاء الشريط بمزاج التاريخ السياسي، لكن الألمان على الأرجح، سيكونون أكثر المشاهدين الذين ستوخزهم بألم دبابيس هانيكي وفوق ذلك يعاونه فرنسيون وإيطاليون وأميركيون في الإنتاج! مركزا على الجيل الذي اعتنق الاشتراكية القومية، كتمهيد سياسي - اجتماعي لمؤسسة ألمانيا النازية في روحها وأناسها ، تاركنا كباقي أفلامه، أمام أسئلة أكثر من أجوبتها. ربما لسان حال هانيكي يقول، أنه عرض أجواء مثالية لنمو الأفكار الفاسدة والمجرمة، وهي ليست مشكلة ألمانية، بل تعني كل شخص.


السؤال المركزي
القس الذي يجبر اثنان من أولاده لارتداء الشريط الأبيض بعد أن وصلوا إلى البيت متأخرين ويعاقب أحدهم بسبب الاستمناء بربط أيديه في السرير طوال الليل، ولكنه سيجد ابن الطبيب مع أخته المراهقة في الليل. وهذا القس الذي يوزع الشرائط البيضاء يشتكي للطبيب لعلاج رائحة الفم الكريهة للقابلة، البنت الصغيرة ستدفع المقص إلى جسده، عنف محلي لطيف نتاج تربية قسرية وعتبة مساعدة للتغيير الكبير في ألمانيا الذي جاء دون لوم من أحد، مثل هؤلاء الناس لابد أن يدعموا شخصا مثل هتلر. وهكذا فإن مناخ القمع اليومي والقسوة الأبوية ستمر من جيل إلى آخر.هو ذا السؤال المركزي في هذا الفيلم المهم الذي يحتاج إلى المزيد من الجوائز لكي يهرع إليه الكثير من المشاهدين، هو «الشريط الأبيض» الذي ارتكب كل الوحشية وشيـّد نفسه بثقة في خانة السينما الجدلية .. المحترمة.

15‏/04‏/2009

Revolutionary Road


منذ عرض «تايتانك» عام 1997 ومحبو هذا الفيلم يتعطشون الى إعادة تجربة ليوناردو دي كابريو وكايت وينسلت لاسيما كيمياء الصداقة العظيمة بينهما، حتى سنحت لهم الفرصة في رؤيتهما مجددا في هذا الشريط، لكن النتائج ربما سببت لهم القدر نفسه من الضيق والبهجة.
أخرج الفيلم وأداره زوج وينسلت سام ميندس ونقل بطريقة مخلصة جوستن هاوث السيناريو من رواية ريتشارد يايتس الصادرة عام 1961 حول الأحلام الضائعة والمسرعة لسكان الضواحي في منتصف الخمسينات الذين يدركون فجأة بأنهم وجدوا طريقهم الجديد و«الثوري» في الحياة لكي يخرجوا من عزلتهم التي جعلتهم كجاليات قروية في المدن الكبرى. وسيرون كيف أنهم سينقسمون في النهاية بعضهم مع بعض وجيرانهم بتأثر الكدح اليومي الذي سينشف سعادتهم ويزيد من سخطهم.
نحن في غرب كونيكتيكت في عام 1955 ولدينا نموذج لعائلة صغيرة من فرانك ويلر (ليوناردو دي كابريو) وأبريل (كايت وينسلت) التي رشحت لجائزة أوسكار أحسن ممثلة مساعدة عن هذا الدور، لكنها فازت كما هو معلوم في الدور الرئيسي لعملها في فيلم «القارئ» الذي استعرضته هذه الزاوية قبل أسابيع، وكم كان حدثا غير مسبوق في تاريخ الأوسكار لو فازت كايت في الجائزتين، لاسيما أنها كانت تستحق الجائزة بلا أدنى تردد عن دورها هنا، ووضعها زوجها في دور لا يمكن تخيل شكل الفيلم بدونها.

البيوت حينما تصمم بشكل رائع كسجون !


سنوات بلا معنى
الإيقاع يسير متجهما وحزينا كما طرحته رواية يايتس ويحافظ على أسئلتها الحادة التي لا تقبل الخيارين سيناريو هاوث. فيه تأمل للحياة وتسوياتها والأكاذيب اليومية التي يسببها الضجر والتهميش وفقدان التوازن بين الأيام والسنوات التي تمر بلا معنى وبدون شجاعة لتغيير مسارها حتى ولو بالأحلام.
لم تكن فترة مظلمة من زواج شابين، بقدر ما كانت تيه جسّده العبقري بيرغمان في شريطه الفذ «مشاهد من الحياة الزوجية»، ولم تكن تعاسة دي كابريو في عمله واضطراره الى المواصلة لحاجته الى المال بعد أن فوجئنا من دعوته لوينسلت للرقص في حفل عابر، إلى تحولهما إلى عائلة فيها طفلان، ولا تكاد تفرق لدى أحد تلك السنوات التي أهملها الشريط، لأن موضوعه يبدأ، بعد تشكيل العائلة، ومحاولة الزوجة أبريل بيع بيت الضواحي والهروب الى الأمام، وهذه المرة إلى باريس، التي كان مجرد سماع اسمها من الجيران، يجمد كؤوس القهوة في الكف. لكن التغييرات الثورية التي كانت تخطط لها أبريل وتمنحها سعادة مؤقتة، قوبلت بمهلة التفكير التي طلبها فرانك لكي يمهد الطريق الجديد في دماغه ويرتب «فراغه اليائس» باكتشاف الذات.
وبدا أن «اكتشاف الذات» لم يكن سوى ترقية منتظرة في العمل لشركة مكائن كبيرة في مانهاتن، تتطفل على خيال ابريل المندفع لشق «مسار التغيير» (الذي نفضله لتطبيع عنوان الفيلم)، متحمسا لفكرة الترقي الوظيفي، كأن صعود المرتب حفنة من الدولارات سيجيء أيضا بالحلول عندما تبدأ المخارج بالزوال، وخاصة بعد الحل الروائي السهل باصطدام الاثنين بالحبل الثالث على التوالي، الذي جاء في لحظات كان فيها الزوجان يشقان طريقهما المعاكس.


لطخة الدم
المخرج سام ميندس على خلاف زميله ديفيد لنتش، لم ير الضواحي بائسة، بل عكس الجمال الأميركي، لكنه اعتبرها مستنزفة للحياة، طارحا السؤال ضمنيا: هل هذا الحلم الأميركي، أن تكون لك زوجة وأطفال وبيت مقابل أن تساوم الاستقرار مقابل روحك وإبداعك!
سام الذي جعل من شاهد شريطه النادر «الجمال الأميركي» يعاني حتى الآن وكذلك فيلمه «الطريق إلى الجحيم» والقراءة القاسية لمذكرات الحرب في Jarhead ليعود ويذكرنا بلطخة الدم بشكل وردة استخدمها في هذا الشريط عند المشهد الختامي لوينسلت.
معارك الأوهام
ولا نعتقد أن السنوات الخمسين غيرت المشكلة في أميركا ولا في غيرها، فالحياة الرتيبة سائرة نحو خنق الزيجات الواحدة تلو الأخرى، مهددة منظومة الزواج بشكل جاد حيث الأغلب يتحدث عن الطلاق والقليل يندفعون نحو الزواج (بالذات في هذه المجتمعات)، لا ادعاءات في هذا الفيلم أو غيره، على أن المعتقدات الدينية ستساعد على حلول السلام المؤقت لو طفح كيل الرتابة، ليس الأوهام حلا لمواجهة تحديات الملل، هناك معارك تنتظر الأحلام، في العمل، ذرائع أحد الزوجين، النزاعات الحمقاء المتخصصة بالتوافه اليومية، المعارضة المتأصلة في طبيعة الإنسان الذي يجد نفسه مرتبطا مع آخر بمصير مشترك وغيرها.


طريق الأحلام
ان الشريط قدم لنا عائلة مثالية في أسوأ وأفضل ما تكون عليه، حتى في تلك اللحظات التي كانا يداريان فيها قمع الروتين ويقدمان نفسيهما للآخرين كزوجين مثاليين إلى «أصدقائهما» وجيرانهما.
سيبقى طريق الأحلام إلى باريس وإن لم يكن «خطة» حقيقية، لكنه أمل عائم وإن كان عابرا، إلا أنه محاولة للتصدي على الأقل، ولا ينبغي أن نفلت الفكرة الجوهرية للروائي، بأن شخصا واحدا، ربما، سيتراجع عنده الحلم الأميركي لأن هناك أوروبا، أو بمعنى أدق: العودة إلى القمر، إمساك أوروبا من جديد، لقد انهار الحلم في ضواحي الأرض الجديدة.
نجاح شامل
كانت موسيقى المخضرم توماس نيومان بسيطة وغير ملحوظة، مستخدما نغمة خفيفة تعمل على مستوى اللاشعور الذي يزيد إحساس المستمع بأنه ضمن البيت، على عكس عمل الكاميرا الذي كان مدير التصوير يختار الزوايا بحذق، مقدما للسيناريو أكبر خدمة بتقديمه البيت كأنه سجن مصمم بشكل رائع، فأي توفيق زودته الكاميرا لخدمة الموضوع الرئيسي حينما تصور الجو الخانق للبيت حتى عندما يتنزه الناس في غابة أو في المشاهد الخارجية!
ومن نـ.عـَم السيناريو أنه تجرأ وطرح الأسئلة الفلسفية والأكثر قبولا، أن الممثلين كانوا خبراء في «مادة البحث». مثلا، ليس من السهل تصوير أو تمثيل شخص ممتلئ عاطفيا لكنه شحيح الإحساس، هنا الرفعة والعبء الإضافي على الممثل الذي لا ينقذه أحد سوى موهبته، عليك أن تكافئ الطرق التي أوصلتك إلى المأساة في نهاية الأمر وأنت «الخصمُ والحكمُ».
خيانات مندسة
العائلة التي تحمل كل شيء رتيب حتى في الخيانة الزوجية لفرانك مع سكرتيرة بسيطة الطموحات الغرامية مورين (زوي كازان) التي تعامل معها كهدية عيد ميلاده الثلاثين لنفسه، واندفاع أبريل لمعاشرة جيرانها المتواضع الهيئة في سيارة على طريق الآلام.
كأنها واحدة من حالات التخبط في الخطأ لا في ارتكابه، وهذه اللاشكلية هي التي تثير الاستياء، حتى عندما أعلن فرانك خيانته لزوجته، لم تتوقف عن تقشير البطاطا، واعتبرتها محاولة للالتفاف على قرارها بهجره بتصنع الغيرة، لكنهما في النهاية تركا الجمهور مستاء من رؤية محاولة الإصلاح باحتقار النفس والشريك في وقت تحتاج فيه الأحلام على ضبط النفس في واحدة من مراحل تكوينها.

المال لا يشتري ابتسامة ولا يجلب الحلول طالما المخارج تضيق


الاقتراب من الشخصيات

ان أهم شيء تحقق في الشريط تلك الإلفة التي حطمت المسافة بين المؤدين والجمهور (نختار منهم الخائبي الأمل) وكأن ميندس حوَّل السينما إلى مسرح تبدو فيه الأمور تسير بشكل جيد جدا دائما (كما في كل أفلامه)، وكان يحافظ على مسافة صغيرة من شخوصه، لا نعرف إن كان يعرف ذلك أو يريد أن يصبح قريبا جدا منهم، لكن شفقته واضحة حينما تفهم عيوبهم، وهذه ميزة مهمة في السينما، قدرتك على جذب الجمهور إلى الشباك عن طريق حكاية حزينة، تماما كما حصل مع «من يخاف فرجينيا وولف».
في الوقت نفسه أعطى المخرج الحرية لعناصر الـ cinematographers التي اعتنى بها روجر ديكنز (موجود في كل أعمال ميندس تقريبا) والذي لم يعثر على أفضل منه في تصوير مواضيعه الخانقة وشخوصه الذين يعانون دائما في الباطن، سجناء البيئة المحيطة ووساوسهم والمال الذي لا يمكن أن يشتري ابتسامة.
لا حلول وسطا
نعترف أن الشريط صعب المراقبة، لكونه مـُهيب وممل في آن واحد، لم يترك فيه جوستن هاوث أي شيء في الوسط، الصراخ فيه صراخ، والصمت صمت، والتكرار سواء في النزاعات اليومية متعمد ولم يطفر هكذا كملء فراغ ما، لا زركشة مصممة ودماء وينسلت ودي كابريو (نشير إلى الاختراق الذي أحدثه فيه أداء جاك نيكلسن في «خمس قطع سهلة»)، كانت تسير مع الألوان الحقيقية لكل لقطة صورت وقلقهما الدائم الذي لامسته الموسيقى بشكل مذهب، فهما لم يعدا الشابين في «تيتانك»، ولكون أحزان البالغين تختلف كثيرا عن حب الليلة الواحدة.
صادق أكثر من اللازم
ولا بد من التوقف عند شخصية مساعدة واحدة وهي ابن عائلة الجيران ميلي وشيب كامبيل (كاثرين هان وديفيد هاربر)، وهو جون (مايكل شانون) الذي خرج للتو من مصحة نفسية ليمنح دور راوي الحقيقة التي كان يقطرها خلال فترات تناول الطعام واللقاءات التي اختفى منها الودّ ما ان ظهر، لغاية انفجار فرانك وتعنيفه وطرد هذا «المجنون» من البيت، لكونه كان صادقا أكثر من اللزوم في قول الحقيقة، صدقه الذي لا يطاق.

الحقيقة التي ارتاح الجميع لإخفائها: المرأة العادية هي المرأة الجيدة


الفراغ المحطم
وكما لو كنا في المربع الأول للعلاقة حينما سألته: ما الذي تقوم به، يجيبها أعمل حمالا، لكنها كانت تقصد، ما الذي يثير اهتمامه، ذلك السؤال الذي لم يكن يعرف إجابة عنه.
الكثير من الناس في فراغ، ولكن عليهم أن يكونوا فيما هم فيه لكي يصلوا إلى اليأس. لكن في القرارات المصيرية لابد أن تطرح الأسئلة هكذا:
أن تعلم ما الذي لديك
أن تعلم ما الذي تحتاجه
أن تعلم ماذا يمكنك فعله
تلك السيطرة الخالصة.
انها معضلة الهروب من فراغ، لمدينة أرخص، أي حلول هذه؟ القرارات الكبيرة يصعب حسمها : ربما حقا الأمر يحاجة الى احتفال. العمل عشر ساعات في مهنة لا يحبها المرء، خيار يشبه المسؤولية، إن كان الأمر متعلقا بعائلة وسداد مصاريف وغيرها من معذبات الحياة، مادام الأطفال يتسربون هكذا، كل في يومه، فلا أحد يريد مواجهة الحقيقة، الجميع مرتاح لإخفائها: المرأة العادية هي المرأة الجيدة.
ويبدو أن لخطط الحياة دائما لمسات غير واقعية، وأن تضع جميع آمالك في وعد لم يتحقق، لا يمكنك التوقف عن رؤية المستقبل كالتلميح الممزوج بالمرح الساخر الذي أطلقه البوهيمي المستتر فرانك: «نحن نركض من الفراغ اليائس للحياة».
وماذا لو تجبر بين الخيارين: لا يمكنك البقاء.. لا يمكنك المغادرة!
وهكذا عندما تقرر ترك المنزل افعل ذلك برقيّ، لذلك لم يكن صعبا تفهم الأداء البالغ الصحة في منح نظرة الوداع من قبل وينسلت وهي تمضي نحو خيارها المحتوم.

08‏/04‏/2009

العاشق الآلي WALL.E

الحب الذي صار من اختصاص المكائن .. ومن أول اشعاع


قصيدة سينمائية أغرقتنا في مشاهد معدة بطريقة ذكية ومعقدة، مانحة ايانا الفرصة لمشاهدة المدن الكبرى وناطحات السحاب المحرومة من الحياة والبشر بعد 700 سنة من الآن، لا يوجد من يتجول فيها سوى إنسان آلي وصرصور، إيحاء مخيف يصور الأرض بلا ناس، مع أدلة كثيرة عن حياتهم الماضية.
هكذا تسير بنا الدقائق الأربعون الأولى بإبداع المخرج أندرو ستانتن الذي كتب السيناريو بمشاركة جيم ريردون بالاستناد على رواية ستانتن أيضا وبيت دوكتير ومدير التصوير جيرمي لاسكي وموسيقى المؤلف المخضرم توماس نيومان ومدير الإنتاج رالف إجيلستون بتوزيع والت ديزني وتصوير استوديوهات Pixar لأفلام الرسوم المتحركة، كل هؤلاء عملوا في الشريط الذي مدته ساعة و37 دقيقة والفائز بأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة من مجموع 8 جوائز رشح لها وأعلى إقبال في شباك التذاكر وحصل على نسبة 96% من مديح نقاد السينما في العالم.

قدم الشريط أجمل توبيخ لتناقضات اليوم وانتصارا للطبيعة ونقد للثقافة الاستهلاكية

بعد انقراض الحب
لا شك أن جميع المذكورين قامروا في تقديم «عاشق آلي» بعد انقراض الحب في القرون السبعة المقبلة التي سيلجأ فيها الإنسان الى العيش في كواكب افتراضية يخلقها من الفولاذ يسير فيها كل شيء إلكترونيا، حتى انه فقد قابلية المشي واكتفى بالاستلقاء على الحاضنة الآلية التي تسيـّر العالم من حوله ولا يفعل شيئا سوى الأكل والثرثرة، فبات بدينا ومدوّرا من البلادة، وكان لا بد لأحد ما من جيل الأرض القديم جدا، حتى لو كان آليا، يذكرهم بوجود ولو نبتة وحيدة تحتاج منهم العودة إلى الأرض لاستئناف الحب.
ان اختفاء الإنسانية، كان موضوعا مثيرا في السينما منذ بدايات افلام الخيال العلمي، وانشغل بها ستيفن سبيلبرغ وفرانسيز لورانس وويرنر هيرزوغ لا سيما في فيلمه الوثائقي «لقاءات في نهاية العالم»، الذي استمدت منه رواية الفيلم بعضا من أفكارها، لكنها تجتمع في مادة واحدة، تنحصر في أن الحضور الإنساني في الكوكب ليس أبديا.
الموسيقى وحدها خالدة
ولكن ماذا ستفعل لو بقيت وحيدا في الأرض؟ كيفية التكيف مع الأشياء، الأجهزة التي عمرها 700 سنة، لم نعرف لغاية انتهاء الفيلم من اين كانوا يحصلون على الطاقة لتشغيل أنفسهم وما حولهم. لا بأس، فالموسيقى وحدها الخالدة، ولكي يتغلب على هذه الوحدة الرهيبة أكثر ما كان يستهوي «ويللي» الاستماع اليها. يبحث في هذا العالم المتروك، تصادفه كل الحاجيات التي تركها مليارات البشر، قسم منها لا يفهم ما تعنيه لكن فضوله يقوده في النتيجة إلى نبتة وحيدة وبقعة ضوء حمراء تقوده الى مهبط مركبة زائرة لا تقل فضولا عنه لمعرفة ما الذي يجري في الأرض.
Pixar Wall-E Movie Trailer

الحقل المغناطيسي للحب
ردود فعله البشرية: الخوف الهروب الصراع من أجل البقاء التلصص الخشية التعارف ومن ثم الحب، «الروبوت» سيحب «الروبوتة» من أول اشعاع. الروبوتة كان واجبها استطلاع وتصوير الارض ولأنها حديثة، فكانت تتمتع بقدرات تكنولوجية أحدث كونها آخر موديل وليس كويللي الكهل جدا.
لم تنتبه الى وجوده في البداية، لكنها في لحظة تحرش الصرصور بها سددت عليه من اشعتها لونا من الرحمة وتركته يتنفس الصعداء. يبدأ التودد الذكري والاهتمام لغاية وقوعها في حقل مغناطيسي ليبدأ تعارفهما بأصوات الروبوتات: أنا ويللي.. وأنت؟ تجيبه: ايفا. والاجمل أنه يدعوها الى منزله، روبوت ذكري حقيقي! ما تبقى من ثقافة: الرقص.
ستتعرف على فنون البشر وبالطبع الموسيقى وحدها، يلعبون ويلهون ويسليها بألعاب الاطفال، وبالثقافة التي تقدمها الرقص.. أول شيء سيعلمها، ما تبقى من ثقافة الأرضيين. بعدها ستتعرف على النار باشعالها ولاعة، كشمعة تقارب النور المخفي في أسلاكهما، يقدم لها النبتة كهدية، لكنها ستتعطل في أول منحة انسانية.. يرفع لها المظلة ما ان يسقط المطر يرسم لها القلب تلو الآخر، ستعود المركبة لتصحبها من جديد، هناك لا وجود لأعذار تكنولوجية، كل شيء محسوب، يحاولون معرفة ما الذي دهى «حواء» التي بلعت النبتة وتوقفت عن الإشارة.
سيتسلق «العاشق الآلي» المركبة من أجلها لاحقا بها عبر «الاتموسفير» والنار وانعدام الدنيا التي تعود عليها، سيرى الفضاء مشبعا بالغرائب، سيطرق عليها نافذة المركبة ويهتف باسمها.. وفي خضم هذا الجو الرومانسي الساحر، لا بد أن يصدمون. استغراقك بهذا الجمال بالعلم الأميركي، كإثبات أنهم سيحكمون الفضاء بعد قرون، فكرة هوليوودية حمقاء تشبعت منها السينما المحترفة.
لا يضير، سيحلق بالحب ويتنهد في فضائه، حتى يخترق عالم المكائن الذين يتحكمون بالبشر السمان، لأنهم لا يؤدون شيئا سوى إصدار الأوامر للروبوتات الكثيرة التي تؤدي لهم لكل شيء حتى التفكير.هناك، حيث فقد الحب والارادة والرغبة والعطف سيظهر ويللي، وايفا حاملة تربة النبتة الوحيدة التي ما ان يلامسها انسان الفضاء يعتقدها نوعا من القمامة.

دروس الحب
سيبدأ ويللي في تلقيننا دروس الحب الواحد تلو الآخر، عانقها وقبلته وطارت النبتة وحدها، سيشع فرحا، قبلته اخيرا، كيف نسي البشر لمس أكف حبيباتهم، سيتعلمون الحب من المكائن المبرمجين، لكن النبتة ستقنعهم بالعودة الى بيتهم الارض ستدك الثقافة الأرضية معاييرهم وفي مقدمتها الرقص، الآن عرفوا ما الذي يعنيه كل هذا.
من يطالب بالعودة الى الارض فسيلقى في مزبلة الروبوتات، لكن تبرز خصلة أخرى لدى الآليين وهي الرحمة، سيصلح بعضهم الآخر ويجمعون بعض الانصار لمساندة قائد الكوكب الفولاذي الغريب الذي بدأ يتذكر «البيت»، اول مرة يقفون ويمشون، منذ قرون من الجلوس لم يتعلموا فيها حتى المشي.
بعد أحداث دراماتيكية، سيصلون الى الارض بانتظارهم الصرصور الذي يقدم درسا أرضيا آخر هو الوفاء، حيث يقودهم الى مخزن ويللي ليعيدوا تصليحه، وفي اشد حيرتها ادركت ايفا انه بحاجة الى قبلة الحياة: تشابك الكفين.
ما فائدة أن تكسب كل شيء وتخسر القلب !

تلك الأغاني الحلوة
لقد منحنا الشريط قصة حب بسيطة وجذابة في نقاوتها العاطفية وتمسكها بعنوان الرومانسية، فن الرقص والموسيقى، بالقصائد الغنائية شبه المنسية لجيريه هيرمان وتذكارات لويس آرمسترونغ، التي أعادتنا لتبجيل الكنوز الموسيقية للقرن العشرين. يعلمنا النص، أننا لن ننقرض مهما كانت العواصف، مهما كنا ثملين بالاستهلاك، قد تبعث فينا الروح بعوضة أو صرصور أو مكنة آلية.
يتحرك الفيلم بمهارة مقدما كوميديا رومانسية راقية متوقفا عند أدق التفاصيل: المدرسة القديمة للحياة، الصرير والقعقعة والزقزقة، المسامير والصدأ والغبار الذي علا الحضارة، اللامبالاة والإحساس المفقود والفصاحة الضائعة.
REAL Wall-E in DisneyLand

انتصارا للطبيعة
ليست الأجواء النظيفة في الكوكب الفضائي الفولاذي دليلا على النقاوة، ليست الصرامة الإلكترونية تنتج مواضيع الحياة، ان السيناريو قدم أجمل توبيخ لتناقضات اليوم وانتصارا للطبيعة ونقدا للثقافة الاستهلاكية والشركات الدؤوبة لتحويلنا إلى آليين تتحول فيه أجيالنا القادمة الى وجوه مدورة من الغباء وأطراف ضعيفة وقصيرة من قلة العمل والراحة، الكراسي الآلية هي التي تحركهم وتثبتهم على شاشات الفيديو ويأخذون سعراتهم الحرارية من كؤوس لا طعم فيها، وكم سيكونون وحيدين بلا موسيقى.
ان الشريط يندد بإنسان الزمن الغابر (الراهن في حقيقة الأمر) في أنه حوّل الأرض الجميلة إلى مخزن كبير للنفايات ولم يجد له حلا سوى إدمان الراحة والكسل وترك الأمور على عواهن المكائن المتخصصة، لقد كسبوا كل شيء وخسروا القلب.