03‏/07‏/2009

مايكل جاكسون في السينما

PDF


عرف العالم مايكل جاكسون كأحد أهم أساطيره الموسيقية، لكن ليس كل العالم مطلعا جيدا على إسهاماته في السينما، لاسيما في مجال الموسيقى التصويرية والمؤثرات الأخرى وكذلك تطويره لما يعرف الآن «الفيديو كليب» أو الموسيقى المصورة بتحقيقه طفرة نوعية فيها أجبرت شركات «متخصصة بالبيض» مثل «أم تي في» لتقديم هذا الفتى المنحدر من أصول أفريقية لأغنية Thriller التي عمل فيها خيرة الفنيين في هوليوود وأنتجت بمبلغ يفوق الكثير من الأفلام الروائية وساهمت في ظهور نموذج جديد للأغنية المصورة سينمائيا. وهكذا، لم يكن ملك البوب غريبا عن عالم السينما، سواء لعبه أدوار البطولة، أو ظهوره الشرفي في بعض الأفلام، ناهيك عن موسيقاه المصورة التي أبهرت المشاهدين في زمانه.

مخرجون كبار
والمثير أن سيناريوهات أغانيه وكذلك إخراجها قام بها كبار المخرجين في العالم مثل مارتن سكورزيسي في أغنية Bad وجون لاندز أخرج Thriller و«هم لا يهتمون بنا» They Don't Care About Us، وديفيد فينتشر لأغنية «من هو؟» ?Who Is It ونحو 20 أغنية مصورة قدمت «مايكلنا المفضل».

The Wiz
فيلم مغامرة موسيقي أخرجه سيدني لوميت عام 1978 وقامت ببطولته ديانا روز كمعلمة للأطفال من أصول أفريقية في حي هارلم المكتظ بهم: مايكل جاكسون ونيبسي روسل ولينا هورني وتيد روس وتيريزا ميريت وريتشارد بريور وستانلي جرين.. وأنتجه روب كوهين.
سيناريو جويل شوماخر عن رواية شعبية لفرانك بوم يحيلنا الى العالم السريالي لذوي الأصول الأفريقية في نيويورك الذين اعتمد عليهم الشريط كليا؛ أولئك الرجال المختلطين مع حاويات القمامة، العمال الذين يقضون يومهم في كسب العيش والأطفال الذين يعرفون الموسيقى أكثر مما تحويه المكتبة العامة للمدينة. اعتمد الشريط على المسرحية الغنائية لبرودواي وأغاني لوثر فاندروز الذي أطلق وقتها مجموعة من موسيقاه الجديدة بالاعتماد على مجموعة songwriting نيكولاس آشفورد وفاليري سيمبسن.
وبالرغم من أن الفيلم فشل تجاريا ونقديا وأشر إلى نهاية نهوض أفلام الأميركيين الأفارقة التي كانت قد نشطت بفضل الحركة الفنية Blaxploitation في مطلع السبعينات، فإنه رشح إلى أربع جوائز للأكاديمية السينمائية كأفضل: اتجاه فني، تصميم وملابس، موسيقى أصلية وأفضل إنتاج.
حبكته بسيطة محورها يدور على المعلمة دوروثي (ديانا روس) التي تعيش مع عمتها (تيريزا ميريت) وعمها هنري (ستانلي غرين) الانطوائي جداً، وبدورها تحاول دوروثي الاستقلال بحياتها.
وفي غضون الاحتفال بعيد الشكر، يحاول كلب دوروثي (توتو) استقبال العيد بطريقته، فينسل من باب المطبخ ليتيه وسط عاصفة ثلجية ويتحتم عليه مواجهة المدينة لأول مرة، ليقابل في الصباح التالي مايكل جاكسون ويتصادقان بمشاركة العديد من سكان الصفيح والمومسات والسحرة والمشردين، ليجنح الشريط نحو المطاردات والمغامرات التي تتخللها الموسيقى والرقص مذكرتنا بأغنية «لا تستطيع الربح» لمايكل جاكسون و«أسفل الطريق» لمايكل ودايان روس التي غنت «البيت» أيضا، وهو فيلم للحنين لا يوجد سبب لدينا الآن لمراجعة عيوبه.

المشي على القمر
قدمه المخرج كولون تشيفرز عام 1988 بعد أربع سنوات من الإعداد بعنوان جانبي «الأسطورة تستمر»، من إنتاج دينيس جونز وجيري كرامير، كتب السيناريو ديفيد نيومان مستندا الى قصة كتبها مايكل جاكسون نفسه وأدار التصوير جون هورا وموسيقى بروس بروتون وشارك مايكل جاكسون كل من: شون لينون وكيلي باركر وبراندون آدامز.
والشريط قريب الى أن يكون السيرة الذاتية لمايكل جاكسون، وهو قطعة موسيقية مليئة بالرقص والأطفال والمؤثرات الجديدة وقتذاك، ويبدو كأن السيناريو اهتم بربط أغاني مايكل جاكسون بعضها مع الآخر وأفلح في تقديم شريط منظم ومحترف وممتع في الوقت نفسه. خلال 93 دقيقة يسترجع الشريط أغاني مايكل المبكرة حينما كان مع مجموعته يقلدون أغاني براندون آدامز والتعليقات التي نالها جاكسون في الصحف الشعبية تصاحبها قطع من الصور المتحركة التي نفذها جيم بلاشفيلد ومحاولات مايكل الصغير في تحوير أغاني البيتلز بأسلوبه الخاص، لاسيما تقليده الإنسان الآلي وحركاته المبتكرة التي عشقها العالم في غضون تصويره الأغنية التي تحمل الاسم ذاته.

رجل في المرآة
سيرة سينمائية أنتجت عن حياة مايكل جاكسون عام 2004، متنقلة في محطات مختلفة من حياته المشحونة بالمال والشهرة والغرابة والفضيحة والنجاح والعزلة والحزن.
مراجعة مؤلمة منذ بداياته الشجاعة مع عائلته البائسة في غاري ومن ثم أنديانا ومجموعة «جاكسون – 5» لغاية نجاح ألبومات الثمانينات حتى الهبوط القياسي لمبيعاته واتهاماته بالسلوك المنحرف مع الأطفال في مدينة الملاهي التي شيدها في Neverland.
بينما التسعينيات تنتهي، يبدأ مايكل بتوضيح سلوكه في المقابلة التي صاحبها برنامج وثائقي ( الأولى مع أوبرا وينفري 1993 والثانية الأبرز في نهاية التسعينات مع مقدم لا أتذكره) يتحدث فيها الموسيقي المشهور جدا تحت ضوء خافت معترفا بحبه للعلاقات مع الأطفال ويعتبرها مجرد علاقات إنسانية دافعها العطف والحب، تلك الاعترافات التي قادته في النهاية ليوضع تحت الحراسة المشددة وتجذب الكثيرين لإلقاء التهم عليه من كل صوب.
نعتقد أن دقائق الفيلم الـ 86 كانت معصورة بلا موسيقى، بحيث لا تمنح المجال لا العطف على ملك البوب ولا الغضب عليه، كما أن الشريط قفز على مراحل كثيرة من حياة مايكل لا تعفي أي مرآة لتجاهلها. والفيلم أنتج في وقت غير مناسب، حيث كان العالم يتابع أخبار محاكمة جاكسون والظروف المتعبة التي كانت تحيط به، ناهيك عن التقديرات التافهة التي تم تكديسها ضد ماضي الطفل السابع لعائلة جاكسون ومشاجراته مع أبيه القاسي والتقييم السطحي لثقافة البوب والتركيز على سلوك جاكسون الشاذ لمشاركته السرير مع الأطفال وكأنه يحاول رمي هذه القنبلة التي لم تعد كذلك بعد محاكمة الموسيقي العلنية.
سيتم تفادي شهادات راعيته الروحية الصديقة والممثلة إليزابيث تايلور ودس ممثلة مغمورة للعب دور جانيت جاكسون كما الحال بالنسبة لكريستا راي وليسا ماري بريلسي كزوجة محبطة لا تملك أي حيلة تجاه زوجها الغريب.
ومن الواضح أن قصة مايكل جاكسون لم تكتبها وتخرجها السينما بعد، ولعل الفترة اللاحقة مهيأة لحدث فني من هذا النوع، ولكي يظهر فيلم سينمائي عن ملك البوب، عليه البداية مع ذلك الطفل الذي اجتاز الطريق وحيدا ووضع مسافة ما بين المبدع الكبير وفضائحه ولا ينبغي أن يتحول الفن إلى سوط يجلد من شيده.
لقد كان شريط «رجل في المرآة» رخيصا ولم يتحمل ثقل الملك ومنخفضا حتى في المعايير الفنية واعتماده على شرائط الفيديو لم يكن موفقا بالمرة، ناهيك عن توقيت عرضه الخبيث.

ألم يكن هذا الرجل مفيدا؟!
ملك الموسيقى الشعبية بلا منازع، أثر على كل الأجيال التي ظهرت بعده (لا يقارعه غير الفيس بريسلي والبيتلز) واستطاع إدخال التصوير السينمائي بقوة في أغانيه وحشد فيها سيناريوهات مثيرة وساعد على انتعاش الفيديو وأدخل تقنيات للرقص معقدة جدا كالإنسان الآلي والمشي على القمر والتحكم الرهيب بجسمه أثناء الميلان بزاوية 45 درجة إلى الأمام وأسلوبه الصوتي المتميز الذي غيـّر الهيب هوب والبوب المعاصر عبر أجيال غير محددة.
ومايكل جاكسون تهوى الصحافة نشر أنباء «شذوذه»، ولسبب ما تتحاشى ذكر تبرعه بمئات الملايين من ثروته لبناء مؤسسات نافعة. فقد كان يدعم 39 جمعية خيرية ورعى ماليا مركز بروتمان الطبي في مدينة كولفير في كاليفورنيا و«صندوق الزنوج» الذي كان يضخ فيه سنويا نسبة محددة من إيراداته، ودعاه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان والسيدة نانسي ريغان في مايو 1984 ليسلموه درع الإنجازات الخيرية باسم الأمة الأميركية وكان يتبرع بعد كل جولة خارجية بمليوني دولار للفقراء بغض النظر عن لونهم وجنسهم، كذلك تبرع بكل إيرادات فيلم «رجل في المرآة» إلى الفقراء.
وهذا الرجل كتب بالمشاركة مع ليونيل ريتشي كلمات وموسيقى أغنيته الشهيرة «نحن العالم» التي حولت أنظار المجتمع الدولي لمساعدة الفقراء في أفريقيا وخصص 20 مليون دولار من مبيعاته لمكافحة المجاعة. وبعد تحطيمه الرقم القياسي في أحد الجولات التي ربح فيها 125 مليون دولار منح أغلبها إلى المستشفيات وملاجئ الأيتام والمنظمات الخيرية المختلفة.
وأسس مايكل مؤسسة «المشفى العالمي» عام 1992 التي كانت ترسل ملايين الدولارات كل عام إلى أطفال الدول التي تهددها الحروب والأمراض. كما تبرع بحقوق إذاعة أغانيه عبر «أتش بي أو» التي اعتبرت صفقة قياسية حينها، لمراكز بحوث الأيدز، وفعل الشيء نفسه بعوائد حضوره تنصيب الرؤساء جورج بوش وبيل كلينتون.
نال 13 جائزة غرامي ( بما فيها أفضل ألبوم للأطفال وجائزة خاصة سميت باسمه «الأسطورة الحية» في الدورة 35 في لوس أنجلوس ) وباع 750 مليون تسجيلا متنوعا مع 133 حفلا موسيقيا ضخما حول العالم وسجل الرقم القياسي في عدد الجمهور الذي يحضر حفلا موسيقيا حينما استمع إليه 4.4 ملايين شخص بشكل مباشر.

24‏/06‏/2009

الموجة الجديدة للسينما الإيرانية



«أنا أتحدث عن جوف الليل،
أنا عن جوف الليل أتحدث
وإذا ما زرتني يا صديقي
فاجلب معك مصباحا وكوة
أستطيع من خلالها أن أراقب الناس
في الشارع السعيد»
فوروغ فاروخزاد

«أرى أن المشكلة الكبرى في إيران هي الإيمان بالحقائق المطلقة. كل واحد يعتقد أنه محق تماما. ولذلك أخفقت الديموقراطية في إيران. فالديمقراطية قضية ثقافية قبل أن تكون قضية سياسية. نحن جميعا نعتقد أننا مالكو الحقيقة الوحيدون، وعلى كل واحد أن يخضع لأفكارنا. نحن نفتقر إلى تقليد المناقشة العامة، فلدينا بدلا من ذلك، منبر الواعظ»
المخرج الإيراني محسن مخملباف


PDF

انطلاقة السينما الإيرانية كانت في فيلمين صامتين للأرمني أفانيس أوغانيانز «أبي وربي» - 1930 و«حجي آغا» - 1932، بينما أنشأ إبراهيم خان طهراني عام 1904 أول دار عرض سينمائي تمكن من خلالها استيراد الأفلام الأجنبية وبعده عام 1907 بنى مهدي خان دارا للسينما في طهران (والده إنكليزي وأمه روسية).
وبعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم البلاد ما بين الاحتلال الروسي والإنكليزي في غضون حكم سلالة القاجار وتأسيس الحزب الشيوعي الإيراني عام 1921 بدأ زمن الوعود الكبيرة في الثقافة والفنون بعد ولادة حركة الحداثة في الشعر بنشر ديوان «أفسانه» (الأسطورة) و«أيها الليل» و«أبو الهول» لنيما يوشيج وأعمال أحمد شاملو ومهدي أخافان وعودة صادق هدايات من أوروبا لتبدأ مرحلة الأدب القصصي وهي السنة نفسها التي كانت فيها إيران تنتظر فيلمها الأول عام 1930، فيما كان إبراهيم مرادي يؤسس أول استديو في بندر أزلي على شواطئ بحر قزوين ومن هذا المكان أنتج فيلمه «انتقام الأخ» 1931 وفيلم روائي طويل «الجشع» 1934، وعمل إردشير إيراني «الفتاة المتكبرة» 1933 الذي أدى – كما قيل وقتذاك – إلى أن رضا شاه حظر بعده على النساء ارتداء الشادور، أعقبه فيلم «شيرين وفرهاد» - 1934 بالاعتماد على قصيدة للشاعر الكلاسيكي نظامي، ثم «العيون الداكنة» - 1936 و«ليلى والمجنون» - 1937 لتشيد هذه الأعمال أساس السينما الإيرانية.

Forough Farokhzad

ما بعد الرواد
ستنتهي الحرب العالمية الثانية ليخرج إسماعيل كوشان فيلمه «عاصفة الحياة» 1948 الذي اعتبر أول فيلم ناطق بالفارسية أنتج داخل إيران، أعقبه شريطه «سجين الأمير».
وبعد التحولات السياسية بتولي مصدق رئاسة الوزراء ومغادرة الشاه ومن ثم عودته مدعوما من الولايات المتحدة هذه المرة، بدأت مرحلة جديدة للسينما التجارية التي دعمها رجال الأعمال الناشئون: «كولا مخملي» 1962 و«إبرام في باريس» 1964.
لكن الشاعرة والمثقفة الطليعية فوروغ فاروخزاد أخرجت عام 1962 فيلم «منزل مظلم» الذي يعتبر أهم شريط في تاريخ السينما الإيرانية ولا يزال يؤثر في جماعة «الموجة الجديدة» سوية مع «ليل الأحدب» لفاروخ غفاري الذي يعده الكثيرون بداية تأسيس السينما الإيرانية الجديدة، كحال فيلم «البقرة» 1969 لداريوش مهرجوي الذي أفزع الجميع بموضوعه الهام بتحول رجل إلى بقرته الميتة.
ثم شهدت السبعينات الخطوات المتقدمة بفيلم «تانغسر» لأمير نادري و«حياة ساكنة» لسوهراب شهيد سالس و«الغريب والضلال» للمخرج مهرام بيزائي الذي وطد نفسه بطريقة رائعة في شريط «أغنية تارا» 1978 حيث بلغ فيه أقصى ما يمكن أن يصل إليه فن السينما الإيرانية في مرحلة ما قبل الثورة، التي ما إن انتصرت حتى ظهرت موجة من الأفلام الدعائية السياسية لا تهمنا في هذا الاسترجاع.
Mohsen Makhmalbaf
أسرة مخملباف
كما سجن مبكرا، برزت مواهبه أيضا. ومن الواضح أن محسن مخملباف الطهراني من جهة الأب والكاشاني من جهة الأم (دام زواج والديه 6 أيام فقط) كرّس حياته وعائلته للفن منذ أفلام المرحلة الأولى ما بين 1982 – 1983: «توبة نصوح»، «عينان عمياوان» و«البحث عن مأوى»، كما كتب قصصا كثيرة نشرها في كتاب، بينما ضم كتابه الثاني مجموعة سيناريوهات ومسرحيات يقع في ألف صفحة.
ويعتبر فيلم «مقاطعة» 1985 (جذب مليون مشاهد في طهران وحدها، كتبه في البداية كمسرحية عنوانها «المسحور») بين مرحلته الأولى والثانية التي كانت في «راكب الدراجة» 1987 و«البائع المتجول» 1987 و«زواج السعداء» 1989 وحسب محسن مخملباف، فإن في هذه الثلاثية تساؤل: «ماذا سيعقب هذه الشعارات؟ لقد ضرب اليسار. صحيح كنت قلقا من إمكان توليهم السلطة، وفي هذه الآونة أخذ شكل أفلامي يتحسن من الناحية الفنية. لقد أحسنت صنعها على نحو جعلها فوق الفيلم الإيراني المتوسط الجودة، وهذا ما فتح الباب أمام الأفلام الإيرانية للدخول إلى المهرجانات الدولية».
تأتي المرحلة الثالثة لمخلمباف في: «ظلمات على زايندا – رود» وثلاثيته: «حدث ذات يوم أيتها السينما» – 1992 و«الممثل» - 1992 و«سلام سينما» – 1995.
زوجته فاطمة كانت كما يقول «تملأ أي دور أحتاج إليه»، بينما بناته (المخرجات فيما بعد) سميرة ولدت بعد الثورة بعام، وميسم بعد عامين وهـَنا أثناء تصوير «زواج سعداء»، فقد ظهرن في العديد من أفلامه.
هذه الثلاثية أطلقت أفلامه الناجحة جدا عالميا، بدءا من شريطه «الغابة» وهو قصة حب احتوت تفاصيل دقيقة غاية في الجمال والتعبير، فحين يأخذ لقطات بعيدة للمرأة، يرد عليها بلقطات مقربة للرجل، كإيحاء للنظرة الذكورية للحب في المجتمع وكانت لمساته السريالية الساحرة بالألوان والناطقة بالأفكار واحدة من أعاجيب السينما حيث تتزوج العاشقة من خيال غامض، قصة مغرية ومفجعة سلب منها الغضب وبالتأكيد التفت إليها باندهاش كل المعنيين الجادين في السينما.
كذلك في «لحظة براءة» – 1996 حيث يستبدل السكين بالخبز والزهور والوجه الشاحب المكشوف مقدما ممثلين هواة جسدوا الحيل الجميلة والحزينة للبراءة.
فيلم رائع آخر «الصمت» – 1998، هادئ غني بالألوان والأصوات المنتقاة لشاب أعمى يدير دكانا للآلات الموسيقية ويرتبط مع جارته باهتمام متبادل وصمت خال من الأفكار، كثيف الإيقاعات الغنية.
Kandahar

قندهار
موهبة محسن مخملباف الاستثنائية تتفجر في شريط «قندهار» – 2001 الذي يعود به إلى قسوة أفلام الثمانينات التي جعلت صدى هذا الفيلم في الغرب مدويا لغاية هذه اللحظة وسنوات طويلة أخرى قادمة، بتصويره مراسلة صحفية نافاس (نيلوفير بازيرا) ولدت في أفغانستان لكن تسنى لها الهرب مع عائلتها إلى كندا، غير أن أختها لم تكن محظوظة، وبقت في البلاد التي طحنتها الحرب بما في ذلك سيقانها التي فقدتها بانفجار لغم. تتسلم الصحافية رسالة من أختها تخبرها فيها أنها ستنتحر أثناء الكسوف النهائي قبل فجر القرن الحادي والعشرين. ستبدأ محاولاتها المستميتة لإنقاذ أختها، حيث تنضم إلى قافلة من اللاجئين وتحاول دخول أفغانستان وحسب القانون هناك، لا يسمح لها بالسفر بدون «محرم»، لذلك ستجبر على استئجار لفيف من الأدلاء، ليكيف مخملباف التضاريس القلقة في قصته، بدءا من المشهد الفظيع للمستشفى الميداني الذي يرقد فيه ضحايا انفجارات الألغام، ليمنح المشاهد – على خلاف أفلامه السابقة – العاطفة الكبيرة والنضج الفني.
The Day I Became a Woman

«مرضية» أصبحت امرأة
وتستمر أسرة مخملباف الرائعة بتقديم الأفلام، في هذه الأثناء التي كان فيها محسن وابنته سميرة يعيدان الى العالم صورة فرانسيز وابنته صوفيا كوبولا، قدمت زوجته الثانية مرضية مشكيني مخملباف ( شقيقة زوجته الأولى فاطمة التي توفيت) شريط «أصبحت امراة» – 2000 مقسما إلى ثلاثة أجزاء عن ثلاث شابات وطفل وامرأة عجوز.
تكتشف الطفلة في عيد ميلادها التاسع أن عليها أن تخفي شعرها بحجاب وتتوقف عن اللعب مع الأولاد، لذلك تنسل لتحظى بآخر لقاء مع صديقها الطفل (الذكر)، فيما الثانية تصرّ على المشاركة في مسابقة للدراجات الهوائية، بينما العجوز تستأجر قطيعا من الأولاد لتأثيث حياتها الباقية.
إن لكل جزء حكايته في تصوير قمع إيران للنساء اللواتي وجدن طريقة للاحتفال بالحرية مع الظلم.
Taste of cherry
Abbas Kiarostami

الموجة العالية لعباس كياروستامي
أحد رواد السينما الإيرانية الجديدة هو عباس كياروستامي الذي ولد في 1940، درس الفنون الجميلة في جامعة طهران وبدأت مهنته كمصمم للإعلانات التجارية. لاحقا، ولكونه جاء مع معهد التطوير الثقافي للشباب، فقد كانت أفلامه الوثائقية المبكرة مكرسة حول تلاميذ المدارس.
والحدث الأهم الذي يسجل لهذه الموجة كان شريط «طعم الكرز» للأول والذي ارتبط بالسعفة الذهبية لمهرجان كان 1997، حيث تحولت السينما الإيرانية بعد هذا التاريخ إلى ظاهرة لافتة وحضور قوي في المهرجانات الدولية، كالموجتين الإيطالية في الخمسينات والألمانية في الستينات.
بدأت سينما كياروستامي بشريطه القصير «الخبر والممر» 1970 حيث أسس فيه حساسيته البصرية الأولى، تلاه فيلم «انسحاب» 1972 و«المسافر» 1972 و«التجربة» 1973 و«بدلة العرس» 1976 و«طريق مسدود» 1977 وثلاثية «رستم آباد» و«لقطة مقربة» و«حياة ثم لا شيء» 1992 الذي حدد فيه فلسفته تجاه الحياة والسياسة والنظام والخوف والوجع راصدا الحياة البسيطة للأطفال والمحبين والعجائز بعيدا عما يحصل حولهم كمقدمة لرسمه الطبيعة في «طعم الكرز» كمعادل للانتحار وفوضى الحياة بغنائية شاعر، وضعته في نظر الكثيرين الأعظم من كل الأفلام الإيرانية، تدمج فيه الصورة المقربة بشكل مستمر لتتحول إلى طلاء أو بعثرة ألوان، انتقال من أحاديث السيارة إلى قاعة المحكمة ومن ثم ينقلنا في جولة على دراجة حيثما يريد الذهاب، كي نستطيع سماع ما يقوله الرجلان اللذان يتهيآن للموت.
Where Is My Friend's House

أطفال الفضاء
فيلمه الطويل الأول «المسافر» – 1974، قطع أنفاس من شاهده في عرضه الأول في فرنسا. وكان يصور فيه قصة مراهق يهرب من المدرسة لمشاهدة مباراة كرة قدم في طهران وعليه أن يداهن سائق حافلة لكي يقله إلى العاصمة، لكن الإجهاد وصعوبة النوم يلحقان به، فينام ويفوت على نفسه تحقيق حلمه ويغيب عن المباراة. الشريط صور بالأسود والأبيض وجلب الانتباه الأول لكياروستامي وإمكاناته الهائلة.
بعد 13 سنة يعود كياروستامي إلى هذا الموضوع في شريط «أين يقع منزل الصديق؟» – 1987، كمحاكاة لقصيدة سوهراب سيهري حول طفل يحاول حماية صديقه بعد أن وقع في خطأ بسبب السهو وأخذ واجب صديقه البيتي معه، وفي حالة عدم إعادته ستكون درجة صديقه صفرا في المادة الدراسية، لذا عليه البدء برحلة طويلة حول الطرق الوسخة والمؤذية في القرى الإيرانية النائية وسيقابل عدة أشخاص في الطريق الشاق كالرحلة المتعبة في فيلم «المسافر»، واستخداماته الرائعة للفضاء.
طعم الكرز
الدقائق الـ 95 لفيلم عباس كياروستامي انتزعت السعفة الذهبية لمهرجان كان واستقطبت أغلب نقاد السينما في العالم. تحكي قصة «السيد» رجل متوسط العمر يتمنى الانتحار «هامايون إرشادي» (آخر افلامه عداء الطائرات الورقية) يجوب أطراف طهران بحثا عن شخص يساعده في لحظاته الأخيرة ويوافق على دفنه إذا نجح في مهمته. خطط في البداية لجرعة زائدة من الحبوب المنومة لكنه فشل، كما فعل معه جندي كردي يهرب من الخوف ما ان يعرف بخطة السيد، وكذلك الطالب الجامعي الأفغاني الذي حاول إقناعه بقدسية الحياة وأخيرا يجد محنطا تركيا يوافق على مساعدته في الانتحار لأنه يحتاج المال لمعالجة ابنته المريضة. سيتركنا كياروستامي بدون إجابة حول السؤال: لماذا يريد السيد الانتحار وبهذا الإصرار وهل سينفذ خطته بنجاح؟سنرى أنه يحفر حفرة ويضطجع فيها ليرى إن كان سيبقى حيا حتى الصباح، وينتهي الفيلم ما ان يدخل السيد إلى حفرته وتقل الإضاءة حتى السواد التام. الجواب سيكون مبطنا في حواره الغني جدا واستخدامه للمناظر الطبيعية كخلفية والشاعرية التي حملتها العدسة حينما صورت عيني السيد وهي تفتش في الغبار عن وجوه عمال طهران الفقراء وبحثه في الاستعارة عن أسئلة الحياة والموت بتجربة سينمائية – فلسفية وكذلك شخصية، تتطلب فصل المشاهد من الأفكار الشائعة والمتوقعة. النقاد يعلمون بالطبع، مدى تأثير عمالقة مثل أكيرا كوروساوا وجين لوك غودارد في هذا الشريط، لكنهم أعجبوا بالقدرة التجريبية لكياروستامي باستخدامه أساليب جديدة حقا في السينما بتصويره الجمال حينما يكون الأمر بعيدا عنه تماما وشفافية الأناس المتورطين بأحداث في الحياة تمزق ادعاءاتهم للحقيقة والمطلق.
ما بعد رواد الموجة الجديدة
لا بد من الإشارة إلى جهود مخرجين كبار ساهموا في تأسيس أعمدة الموجة الجديدة للسينما الإيرانية ابتداء من داريوش مهرجوي ومسعود كيميائي وناصر ثقفي ومهرام بيزائي وبهرام فرمتارا وفاروخ غافاري وعامر نادري وأبو الفضل جلالي وجعفر بناهي وقائمة ليست قصيرة ممن لم يفتنا ذكرهم، بل أدى تقصيرنا الفادح مع ظروف أخرى الى ضعف اطلاعنا على أعمالهم، مكتفين بتواضع مشاهداتنا للأفلام التي حققت رواجا عالميا في المهرجانات الدولية، الأمر الذي منحنا فرصة مشاهدتها.
وفي هذه المناسبة لابد أن تتاح الفرصة للاحتفاء بنساء السينما الإيرانية اللواتي قدمن منذ أن افتتحت الطريق لهن فاروغ فروخزاد في فيلمها «المنزل المظلم» مطلع التسعينات لتنال من عصرها وتسبقه في رؤية الداء المخيف الذي ينتظر بلدها، لتمر سنوات طويلة حتى تظهر بخشان بني بأعمالها الجريئة «نرجس» – 1991 و«ذات الخمار الأزرق» 1994 و«سيدة أيار» – 1999 لغاية سميرة مخملباف وجيل ما بعد الأيديولوجيا الذي ظهر في القرن الحالي محدثا السحر والصدمة جعل قيمة المهرجانات الدولية في ما تعرضه من أفلام إيرانية.
وسنقدم ثلاثة نماذج باهرة النجاح ممن أذهلوا العالم بأفلامهم ولدوا من الموجة الجديدة للسينما الإيرانية:

Samira Makhmalbaf

سميرة مخملباف
بعمر 19 سنة وبسيناريو كتبه والدها عن رواية سيمن دانشفار وأشعار فوروغ فروخزاد، تقدم سميرة مخملباف فيلم «التفاحة» – 1998 لتكون أول مخرجة في تاريخ مهرجان كان تنافس في هذا العمر على السعفة الذهبية.
تقدم بنتين مراهقتين زهراء وماسويمي سجنتا في بيتهما من قبل أبيهما لإحدى عشرة سنة منذ ولادتهما، لكونه يعتبرهما كالزهور تذبل ما أن تصيبها الشمس (عيون الأولاد)، ونتيجة ذلك أصبحتا غير مؤهلتين للتعامل مع العالم الخارجي، حتى غير قادرتين على المشي والكلام، كما لو خرجتا من القبر إلى الحياة.
سنوات لم تجز الرقابة الإيرانية هذا الفيلم، لكن سميرة أطلقته على الفيديو، إلى أن أحرق أوراق لجنة التحكيم في كان ومنحته بالإجماع جائزة لجنة التحكيم.
بعد هذا النجاح الذي حققته، قدمت فيلم «السبورة» – 2001 عارضة فيه مغامرات معلمين كل يحمل سبورته ويتجول في الطرق الملتوية والترابية على الحدود العراقية – الإيرانية ليعلموا اللاجئين، وبالرغم من امتلاء الشريط بالصور الاستثنائية، فإن سميرة مخملباف لم تقدم أفكارها ولا حتى نواياها بوضوح.
لسميرة مخملباف أيضا «حصان بساقين» حصلت فيه على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان كان وكذلك فيلم «في الخامسة عصرا» – 2003 نافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان.
Majid Majidi
ماجد ماجدي
بدأ ماجد ماجدي هذه المهنة في أفلام محسن مخملباف، لكنه كمخرج سرعان ما حقق النجاح التجاري في الولايات المتحدة بشريطه «أطفال السماء» – 1998 الذي يعتبر الفيلم الإيراني الأول الذي يرشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، ويطرح قضية فصل الجنسين أيضا. أعقبه شريطه «لون الجنة» – 2000 الذي ربح تجاريا وأخفق فنيا وكان استعادة ضعيفة لفيلم «الصمت» لمخملباف، مستعيدا بطله الكفيف الذي يصبح عبئا على والده القاسي. وبخلاف أستاذه، يختار ماجدي ميلودراما عالية وحوارات مباشرة تكسب شرائح أوسع من الجمهور. غير أنه أصلح نفسه في فيلمه القادم «باران» – 2002 الذي كان أيضا تقليدا لشريط محسن مخملباف «قندهار»، حول بنت تتخفى بهيئة ولد لتعمل في موقع بناء لمساعدة أهلها اللاجئين الأفغان، لكن المخرج ترك هذه المرة ميوله العاطفية وتقديراته نظرته الواقعية وتمتع بفضاءات كياروستامي الفريدة، مع أخطاء ليست بالقليلة حول الحياة الأفغانية الحقيقية، وميل ماجدي لانتقاد طالبان بالشكل الذي ينتظره المشاهد الغربي.
Profile of Iranian Kurd Director Bahman Ghobadi

بهمن قوبادي
عرف المشاهد الغربي المخرج الإيراني – الكردي بهمن قوبادي في شريط عباس كياروستامي «ستحملنا الريح» – 1999وظهر كأحد المعلمين الحاملين «سبورة» سميرة مخملباف.
لكنه يعتبر مخرج أول فيلم إيراني ناطق بالكردية «زمن الخيول السكرانة» – 2000 موظفا أطفالا غير مدربين في الغالب، ساردا قصة أطفال يمارسون الأعمال الشاقة ليجمعوا المال لمعالجة شقيقهم المعاق.
يتفادى قوبادي العاطفية وسيتأصل أسلوبه هذا في الأفلام اللاحقة التي يكون فيها الأطفال عادة مجاله الدرامي. في عام 2003 قدم شريطا غير عادي «ضائع في العراق» لفرقة موسيقية محلية تتكون من أب وأبنائه يجتازون الريف بحثا عن زوجة الأب السابقة.
وكان هدف قوبادي تحليل آثار حربي الخليج 1991 و 2003 وممارسات النظام العراقي الوحشية في تدمير القرى الكردية، وفي خضم هذه الأحداث سيعثر على مطرب كردي عجوز يقلق بشأن مصير زوجته السابقة وشريكته في الغناء التي تركها لأكثر من عقدين ليحاول الدخول سرا إلى كردستان من أجل العثور عليها.
سنجد المشاحنات الكوميدية التي يتعرض لها من أولاده والظروف غير العادية التي يمرون فيها، وصور الخراب الذي خلفته القنابل الأميركية وأعمال النظام العراقي الانتقامية الدموية، لكنهم يعثرون على لحظات من الجمال تحت المصائب التي شاهدها جمهور مهرجان كان بتأثر.

18‏/06‏/2009

Tetro

Tetro: Official Trailer


في فبراير 2007 أعلن المخرج والمنتج فرانسيز فورد كوبولا أنه سينتج ويخرج فيلم «تيترو». السيناريو كتبه بنفسه كما يفعل غالبا، وحدد بدء التصوير في بوينس آيرس، بحلول مارس 2008 بعد انضمام فنسينت غالو وماريبيل فيردو إلى فريق الممثلين وساهم في إنتاج الفيلم بالإضافة إلى الأرجنتين ثلاث من أعرق الدول في صناعة السينما: الولايات المتحدة وأسبانيا وإيطاليا، بميزانية بسيطة لم تتجاوز 15 مليون دولار.
كوبولا عرف الأرجنتين في فترة ابتعاده عن السينما وأحب الأجواء الثقافية فيها وكان يتردد دائما على المسرحيات الموسيقية التي تعرض في بوينس آيرس والتي ألهمته وساندت أفكار «تيترو» وأمدته بالعناصر الموهوبة جدا المتمرسة في المسرح الأرجنتيني الذين وافقوا على العمل في الفيلم دون معرفتهم بأجورهم. كحال كوبولا الذي صرف حياته وأمواله الخاصة (مبتعدا عن هوليوود) من أجل صناعة أفلامه المستقلة حقا.
PDF

قصة كوبولا
هذه المقدمة وجدنا ضرورتها في تلمس الظروف التي يقدم فيها الناس الفن الحقيقي، ولعلها الصورة التي نفهمها من المحادثة الطويلة بين الأخوين في الشريط اللذين حملا الحزن والإحباط الذي لم يبتعد كثيرا عن موضوعته الرئيسية في ثلاثية «الأب الروحي» التي صنع من روايتها القاسية أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، متناولا مرة أخرى قضايا الحب والولاء والاختيار والقوة والإغراء والخيانة والجراح والدماء.

The First 3 Minutes

عرض للمرة الأولى في افتتاح الدورة 62 لمهرجان كان، ولأن أسلوب كوبولا يختلف جدا هذه المرة، بإدخالنا بسرعة في الحكاية التي صورها بالأسود والأبيض باحتفاظه مع بعض البقع الملونة والظلال الرمادية، تلك البقع التي كان يريد لها أن تلوّن الماضي (من الصعب التكهن بمقاصده في تلوين الاسترجاعات، ربما كان يريد أن يقول لنا ان ماضيه كان مبهجا وملونا وحاضره أسود). وبالرغم من تصميمه الشريط بالكامل على أساس ألعاب المسرح التجريبي، فإنه تعمد صعوبة غير ضرورية في طرحه للأسئلة وليله الصامت الطويل وحزم الملابس التي كانت كتقويم يؤشر للزمن الفائت، كالمشهد الذي فاوضت فيه صديقة تيترو، ميراندا (ماريبيل فيردو) بعبارات مؤلمة وأداء من الصعب مشاهدة مثيل له، من أجل عودة الأخوة إلى بعض وتعرفهم على الشخص الذي يحملونه حتى يبدأوا مجددا.
Alden Ehrenreich
الإنارة الجريئة
وما رأيناه كانت إنارة مسرح وليس سينما، ستسلط الإضاءة العلوية على تيترو بالتدريج، تزحف نحوه بسرعة كلماته: يتباطأ الحوار، تخف الأنوار... وهكذا، كان الضوء على جسده أو وجهه يتناسب مع ما يقول، مع الأحداث السيئة التي يرويها، مع كومة الفضلات التي وجد نفسه فيها، مع مصير كل شخص حمله وسيكونه يوما ما. وكأن الأسرار العائلية مخبأة في صندوق للطماطم كلما مر عليها الزمن تفسد أكثر، وإن كنا وفقنا، فيمكننا القول إن هذا سرّ الفيلم – المسرحية: عمل غير منتهٍ كالذكريات.
كان الجميع محتجزا في مرآته، وهذه الصعوبة غير الضرورية التي أشرنا إليها، فقد كتب كوبولا الرائع هذه القصة قبل ثلاثة عقود (تحديدا بدأ بها عام 1974) وحطمها كثيرا بقلمه الرصاص وطوال هذه السنوات خرجت الحكاية ممزقة جدا من الصعوبة، فكم كان شيخ السينما يسمو فنيا طوال هذه السنين؟ كم من الأفكار الجديدة تطورت لديه؟ وإذا أصاب أبطال فيلمه «القيامة الآن» بكل الأمراض النفسية والرعب والإحباط والقهر خلال التصوير وبعده، فما الذي سيفعله في حكايته الخاصة؟
لقد مال إلى الألفة المضجرة، للتنكر خلف الإنارة حاجبا كل شيء باللونين الأسود والأبيض، استفزازي كما هو دائما، ومع ذلك، كنا نتمنى أن نرى الأكثر منه، على الأقل الهروب من تراثه الكبير.
و«تيترو» هو أفضل من شريطه الذاتي جدا «شاب بدون شاب» - 2007، ملازم لفوضاه وخيبة آماله، رافض بشدة، بالتأكيد كان كوبولا يريد من «تيترو» أن يعيده إلى بلاده، ماضيه، الماضي الذي يكون عادة جميلا. ولكوبولا تاريخ في تصوير التضاد العاطفي الحاد بين الأخوة، كما في الجزأين الأولين في «الأب الروحي» وشريطه الذاتي «همهمة السمكة» - 1982 (لا ندري إن كانت ترجمتنا موفقة للعنوان) الذي خصصه لسيرة شقيقه الأكبر وذكرياته معه حينما كان عمره 17 عاما. ومن يستطيع إغفال ظلال تروفو وحتى فيلليني على أعماله؟
Vincent Gallo
بعد رفع الستارة
أنجيلو الذي اعتاد بمناداته «تيترو» كاسم مختصر لتيتروسيني الذي اختاره بعد اختفائه من عائلته (فنسينت غالو) أحد بوهيميي بوينس آيرس، شاعر وكاتب مسرحي، يتمتع بالإحباط أكثر من السعي وموافق على مصيره والهارب من قسوة الأب العبقري الذي يقود فرقة موسيقية مهارته تسيل دموع من يسمعه، بينما أخوه الأصغر «بني» (ألدن إيرنيرش) ممثل واعد جدا، سيحبه عشاق ليوناردو دي كابريو لأنه يبدو كما لو كان شقيقه الأصغر وابتسامته ونظرته التي تحمل الاستدعاء فيها الكثير من جاك نيكلسون والشكل العام يشبه مات دامون، لذلك كان حضوره على الشاشة مثبتا كليا وتنتظره أدوار مثيرة، مهمته في الفيلم تعقُّب أخيه «تيترو» حيث كان رضيعا حينما غادر العائلة.
و«بني» هو أيضا هارب، ولكن من الخدمة العسكرية بعد أن زوّر عمره وحصل على عمل كنادل في سفينة، وعندما ترسو في بوينس آيرس لتصليح محركاتها، يفلت منها بهدف البحث عن أخيه لغاية عثوره عليه في الشقة التي يتقاسمها مع صديقته ميراندا لا بوسا.
ونظن أن فنسينت غالو كان اختيارا مثيرا لأن يحمل عنوان الفيلم، فهو ممثل قوي الإرادة يميل إلى الاحتراق من أجل إيصال أحاسيسه.
Francis Ford Coppola introduces "Tetro"

صراع العباقرة
وتيترو متذمر بطريقة تثير الاستياء، تحاول القصة إلقاء اللوم في غضبه المزمن على معاملة الأب كارلو (كارلوس ماريا براندوير) وتمنحه بعض الهدنة في تدخلات ميراندا التي تحاول أن تقلل من المفاجآت التي تحملها عملية استرجاع الأسرار العائلية مع شقيقه والمركزة على الأب كارلو كنموذج للأناني المطلق الذي يستطيع بكل هدوء أن يخاطب ابنه: «هناك غرفة واحدة لعبقري واحد في هذه العائلة».
وإذا كان والده قد شيد نفسه بقيادته فرقة موسيقية مشهورة عالميا، فان تيترو كان عبقريا بلا إنجازات. أما ميراندا، فإنها ستساعد أخاه «بني» سرا من أجل أن ينهي تيترو مسرحيته وإرسالها إلى ناقد مشهور (كارمن مورا).
Maribel Verdú - Acting from Within

الأبعاد المتعددة
هنا ستشحن الحكاية بالفرويدية مشكلة المنطقة الفاصلة لتوضيح أسباب وشروط تيترو للهروب من العائلة، في وقت لا وجود لخلفية تدعم هذه الرغبة في الهرب رغم أنها استمرت لسنوات طويلة.
لا تبرير لحالة عدم الاستقرار لحياة تيترو السابقة واللاحقة، وسيكون على كوبلا في غضون 127 دقيقة اماطة اللثام وإزاحة الغطاء المثير والمأخوذ من المآسي الشكسبيرية وبدرجة محسوسة: هاملت والملك لير وعمل فرانز كافكا المذهل «رسالة إلى الأب» وأعمال بيرانديللو وتينيسي وليامز ويوجين أونيل والمآسي اليونانية الكلاسيكية.
شخصيا، أحب هذه المواد الثقيلة ذات الأبعاد المتعددة لكن بشرط أن ترنّ بالمعاني، لأن بواسطتها ترتفع وتمنح المشاهد الكبيرة حتى لو كانت غير مرضية.
Osvaldo Golijov - Music Born from the Film

الإمساك بالسمات
وهذه كانت مهمة والتر مورش، لكونه محرر قصة ومخطوطة كوبولا، فقد كان عليه أن يبحث في التأثير الكامل للقصة وأن يساعد تيترو في الإمساك بسماته البوهيمية الطبيعية ويعزز تجهمه من المجتمع لا أن يكون تجهمه لتزيين الشكل الدرامي للحكاية وإظهاره كمدّع ؛ بكلمة أخرى، أن ينزل في أعماقه ويفكك كتلته الداخلية إيحائيا أولا، وهنا يلعب التمثيل والملامح دورها، وثانيا في هيكله الخارجي وما يتفوه به لسانه، أي الحوار ( جرى بالأسبانية والإنكليزية).
لذلك لم يتم اكتشاف تيترو كصوت الرفض في العائلة، الرفض المدوي تجاه العالم، لأنه لم يكن سوى هارب من وطنه ومنشغل بقصائد المقاهي في ميناء لابوكا، محاطا بالملونين والمتع الجنسية المتاحة ومن ثم الحضور الدافئ لصديقته المقربة ميراندا التي كانت تلعب دور أمه التي ماتت بحادثة.
على عكس ذلك كانت المهمة أسهل مع الأخ المراهق «بني» الذي كان مشعلا للتفاؤل والسعي لرفع الآخر، فيما كانت موسيقى أوسفالدو غوليوف تتسكع في اللحظات غير المرغوبة لفيلم طبيعي (حديثنا يجري عن شريط تجريبي).
لكن هذا لا يعني أبدا أن الموسيقار الأرجنتيني لم يزودنا بالطاقة الحسية الوفيرة المنسجمة للغاية مع وصلات الأغاني الإسبانية – الأرجنتينية الحزينة والسعيدة كتكملة للطاقم الأسود والأبيض الذي اختاره كوبولا بالجمال البصري والأبيض اللامع بانفجارات الألوان التي نجح فيها مدير التصوير ميهاي مالماري معبرة عن التوترات الكئيبة بين الأخوة التي تحيلنا إلى كوابيس «العراب»، وملاحقة الماضي منحت كوبولا فرصة دمج وصلات الأوبرا المفضلة لديه ورقصات آنا ماريا ستيكلمان.
Francis Ford Coppola On Location in La Boca, Argentina


مطاردة الماضي
إن كوبولا كان يطارد ماضيه، كما كان كارلو يطارد أبناءه، كالصوت الذي يمنح الإحساس للمشاهد بأنه يراقب حلم شخص آخر أو كابوسه. بينما كان لتيترو قواعده المزعجة للإجابة عن أسئلة أخيه الأصغر، هو لا يريد الإجابة عن أسئلة «بني» عن الماضي، رغم أن الصغير يحمل العشرات منها، كذلك لا يريد التحدث عن والدهما أو عائلتهم ( لديهم أمهات مختلفات).
هكذا تجري أمور «بني» في الأسبوع الأول له على اليابسة (كرمز للأرضية المشتركة التي يحاول العثور عليها مع أخيه)، ولكي لا يمنح أسرار الصراع، يتفادى كوبولا تقليد شريطه «شاب بدون شاب»، ليركز بدلا من المشاجرات بين الأب والابن والأخوين، على الحافز الذي يدفع الفنان الى فهم حياته الخاصة. وهنا يتطلب منه أن يبطئ ليقشر جلد القصة بواسطة «بني» المغرم بتفاصيل الماضي، بينما تشده أجنحته في طريق المشاعر الصادقة تجاه أخيه الكبير، تلك المشاعر التي جسدت «الواقعية السحرية الأميركية» التي ثبتت العودة المظفرة لكوبولا كأحد رموز السينما المفقودين

10‏/06‏/2009

The Kite Runner


لا يمكن الهروب من الذكريات المخزية، هناك متسع في الحياة لتصحيحها فحسب. هذا ما يريد خالد حسيني قوله في روايته (The Kite Runner) الناجحة توزيعا وانتشارا ومبيعا في الولايات المتحدة وأوربا والتي حولتها إلى السينما مخطوطة سيناريو لديفيد بينيوف وأدار فريق الفيلم وأخرجه مارك فوريستر. يعتبر الندم أحد أقوى المواضيع في الأدب منذ ظهوره في الإنسانية، كل البشر من الممكن أن يقترفوا ما يتوبون عليه بتقدم العمر، لاسيما تلك الأخطاء المريعة والفاصلة التي يحملونها بقية حياتهم لغاية امتلاكهم القدرة على المستوى العقلي والعاطفي لتعويض الذنوب، لا مسحها.


PDF

هذا الفيلم يضعنا في مواجهة الوجه الإنساني للحرب، انه شريط يحاول تسجيل قهر الضحايا الأبرياء انطلاقا من كابول عشية التدخل السوفيتي ولغاية سان فرانسيسكو مطلع القرن الجديد، حاملا مثالب الحرب نفسها وطارحا أزمة الكتاب المغتربين الذين يؤلفون الروايات عن بلدانهم عبر السماع والأنباء ووجهات النظر المسبقة وما تبقى لديهم من إرث خلَّفه لهم الآباء الذين حملوهم أطفالا، كما جرى لخالد حسيني الذي ترك الطب، ليتفرغ للكتابة عن أفغانستان التي غادرها طفلا عام 1978، وهو العام الذي تبدأ فيه أحداث الشريط.



تورط المخرج الناجح
مارك فوريستر غير مبتدئ في إدارة الأفلام الطويلة التي تناقش ما يمكن أن نسميه «الأسئلة الكبرى»، فقد عرف في فيلمه «كرة الوحش» الذي جلب لهالي بيري أوسكار أفضل ممثلة و«حارس الغابة» الذي جلب له مديحا نقديا وإقبالا لافتا على شباك التذاكر.
ولفهم «عداء الطائرات الورقية»، لابد من مشاهدة هذين الفيلمين للتعرف على أسلوب فوريستر في معالجة المشاهد المركبة والمؤلمة عاطفيا وتعامله الصحيح مع الأطفال.
وهو مخرج طموح للغاية في التعامل مع الروايات ومجهز بالأدوات كافة للعودة إلى الماضي والإمساك بمحاور القصة دون الاستعانة بالتقنية والأرشيف والخدع وكان دائما ينال هدفه، غير أنه في هذا الشريط وجد رواية حسيني مرتبة جدا، كما لو كتبها خصيصا للسينما، بميزتها المتحركة وإثارتها النفسية وحتى في ظلامها وتناولها وبدا أن مهمة بينيوف جرت بسلاسة، لكونه لم يجد صعوبة في الانتقال ما بين زمنين: أفغانستان قبل الاجتياح السوفيتي وفي أيامه الأولى، ومن ثم في غضون حكم طالبان، ووضع الجالية الأفغانية في أميركا، وهكذا لا يوجد أكثر من هذا الترتيب للشروع في تصوير فيلم. ولكن هل كان الطريق متاحا أمام هذا المخرج الناجح، دون التورط في طرح قضية كانت أكبر من الكاتب نفسه؟

أفغانستان بعين طفل
كما أنه من أندر الأفلام التي سلطت الضوء على المجتمع الارستقراطي الأفغاني أوقات الملكية، ووضع الروائي اهتمامه بالأطفال أكثر من البالغين (لكونه البطل الحقيقي ورأى أفغانستان بعين طفل)، وهو أمير (زكريا إبراهيم) الذي أدى دوره بشكل استثنائي وصديقه حسن (أحمد خان) الذي كان يعمل خادما مع والده عند قصر والد أمير (هامايون إرشادي) الذي فقد زوجته في ولادة أمير الذي أصبح منطويا ، تلبى رغباته بدون ضغوط، لا يقوى على الدفاع عن نفسه بمواجهة أطفال المدينة الشرسين والعدوانيين، وكانت مهمة حمايته موكلة لحسن الذي حمل صفات الرجولة عوضا عنه، رغم أنه كان أصغر منه سنا وأضعف بنية. ولم يكن رجلا فحسب، بل أفضل من يقود الطائرات الورقية في كابول واستطاع في مشهد سينمائي، أن يسقط كل الطائرات الورقية المتنافسة، في اللعبة الشعبية المعروفة في العاصمة الأفغانية، حينما يبدأ المتنافسون بإدارة طائراتهم وإسقاط طائرات المنافسين بربط أجنحة زجاجية تتكفل في قطع الخيوط.


الثبات والتخاذل
إن حسن، كان رمزا للروح الأفغانية، بثباتها وقوتها ومهارتها، المدافع عن صديقه الارستقراطي الذي تخاذل عن مساعدته حينما حوصر من مجموعة مراهقين في شارع ضيق واغتصبوه، وتوارى كأنه لم ير هذا الاعتداء، ليحمل جبنه معه في المنفى.
وولع حسن بالطائرات، عشقه للحرية والاندفاع والطيران وبأس المحارب، وهي الصفات التي أراد أمير تعويضها في الدراسة، وحينما رفع أبوه النخب في حانة أميركية تحية للدكتور أمير الذي حصل اليوم على الشهادة الجامعية ( أدى دور أمير البالغ خالد عبدالله)، تضايق من هذا اللقب العلمي ليجد نفسه بائعا في «بازار» شعبي ترتاده الجالية الأفغانية.
هو مصير خالد حسيني نفسه الذي ترك الطب وأحنى جبهته للموضوع الأفغاني ليعالجه في روايات كانت هذه الأولى التي أصدرها. وهي أزمة الهوية التي أراد إثباتها وطمس عاره في السكوت والخنوع حينما تم اغتصاب صديقه أمام مرآه وتخاذل في عمل شيء، بل افتعل حادثة سرقة ساعته متهما حسن بذلك، ليغادر الخادمان قصر والده حاملين ذنوب أمير التي تحتاج إلى قدرة هائلة لكي تغتفر.
لذلك حينما تزوج أمير من ابنة صاحبة البازار اللطيفة التي تحمل كل سمات الفتاة الشرقية المحافظة حتى في جمالها، لم يكن لديه خيار في إنجاب الأطفال، لا يريد أن يقدم جبانا جديدا إلى العالم، لم يكن أمامه سوى حسن لكي يعيده إلى ترابه، منبعه، قوته، شجاعته المفقودة، ورجولته.


انهيار الجميع
إن خروج حسن بهذه الطريقة المهينة من حياة أمير، كان فاتحة لانهيار البلاد باختلاط مفرقعات الحفلة الارستقراطية لعيد ميلاد أمير مع الاجتياح السوفيتي، في الوقت نفسه، سيحمل والد أمير الحقائب نفسها لخادمه الذي غادر القصر ظلما، ويتوجه إلى بيشاور الباكستانية هربا من النظام الجديد الذي يخطط السوفيت في إقامته، وقبل أن يحشر مع أمير في خزان للوقود لكي يعبرا الحدود يأخذ بأصابعه حفنة من التراب الأفغاني ويضعها في حافظة ساعته، ليشمها قبل لفظ أنفاسه الأخيرة في سان فرانسيسكو بعد عقدين.
في الطريق إلى باكستان، ستوقفهم نقطة تفتيش للجيش الغازي، ويبدأ الاستجواب، ولا نعرف هل من الواقعي أن يقف إرشادي ليبدأ خطبة إرشادية عن الضمير على مسمع الجندي السوفيتي الذي يجيبه ماصا لفافة السجائر: «إنها الحرب ، عن أي ضمير تحدثني أيها العم».
صورة أفغانية خاصة للمتلقي الغربي وفقا للمراسم الدعائية التي اعتادها

خصيصا للمتلقي الغربي
لقد كانت للسذاجة السياسية لخالد حسيني وآرائه المكتوبة للمتلقي الغربي أثرها على سيناريو بينيوف الذي لم يخرج عن المراسم الدعائية للرواية، وكأن الحفاظ على الأصالة الأفغانية للجالية في أميركا لا تتم إلا بزيارة سوق الدجاج والبحث عن الذبح الحلال والرقص الشعبي عند توزيع الحلويات الوطنية. وحينما عاد أمير إلى كابول عبر بيشاور، شدد حسيني والسيناريو والمخرج على إظهار طالبان كوحوش، ولكي يفزعوا المشاهد الغربي لابد لأمير أن يكون في ملعب لكرة القدم حيث يُرجم الزناة في المشهد الذي كررته القنوات الإخبارية مئات المرات.
وهذا الأميركي الأفغاني لابد وأن يكون المنقذ، سيجتاز بلحية مستعارة الحدود وسيخترق ضيعة قائد ميداني طالباني كان قد أضاف إلى غلمانه أبن حسن – سهراب ( علي دينيش) ، كتكرار لمأساة والده الذي قتل في الحرب دون التوقف بمزيد من التفاصيل واكتفى من في الفيلم برسالة كان حسن قد أودعها عند العم رحيم خان (شاون توب) الذي كان يهتم بالصبيين، وفي اللحظة التي كان ينهال فيها قائد طالبان على أمير بالضرب، سينقذه سهراب كما فعلها والده حسن في الطفولة بالمصيادة ، وسيهربان من بين كل القوات الموجودة بلمح البصر.



بطولة وهمية
وبطبيعة الحال، كان مشهدا هوليوديا رخيصا بامتياز ولا يصلح لهذا النوع من الأفلام، فكيف يمكن لأمير الضعيف الهرب بالصبي سهراب من كابول حتى قندهار ومن ثم يعبر الحدود إلى بيشاور بهذه البساطة ، هذا في حالة إذا تغافلنا البطولات الوهمية التي حدثت في مقر قائد طالبان.
والذي يعرف الوضع في أفغانستان أوقات حكم طالبان، يدرك قوتهم التنظيمية في مجال الأمن، بحيث لا يمكن لعجلة جيب اختراق ثلاثة أرباع البلاد، بعد اعتداء أفرادها على قائد لهم، بهذه البساطة، لذلك حصلنا على أحداث ملفقة إلى حد بعيد، كافية لأن تسقط الفيلم برمته.

تلقى الفيلم هزيمة فنية بسبب رزم آلام الآخرين للعن الخصوم ببهرجة السينما التجارية

السقوط في الفخ
في الروايات قد تأتي حوارات ومواقف خرقاء، لكن لماذا حافظ عليها سيناريو بينيوف وفوق ذلك سار فوريستر على نهج المخطوطة، فالعداء للشيوعيين وطالبان لا يكون بهذه الصورة، فماذا يعني أن يعالج والد أمير في الولايات المتحدة على يد طبيب وخلال عملية الفحص، يعرف أنه من أصول روسية فيدفعه ويذهب إلى طبيب أفغاني يستكمل عنده العلاج، أو وصفه للملالي على أنه قرود في لحظة شفطه للكحول. ما المغزى في هذه اللقطات التافهة؟ وإذا كان فوريستر راغبا في تفادي السياسة، فلماذا يسقط في فخ أكثر خطورة: السطحية التي هي ألد أعداء الفن. إن بطل رواية إيان ميكويان «تكفير» طفل أيضا، وحمل ذنوبه وكوابيس الحرب في بلاده إلى المنفى، لكن التطهير الذي حصل عليه، بعد معاناة ومشقة جاءت منطقية وواقعية، وكذلك شريط «طعم الكرز» لعباس كيروستامي الذي لا تجد فيه أي ادعاء، وعبقرية ترجمة الإيقاعات الطبيعية للحياة وللمؤدين غير المهنيين على الشاشة وقابليته على تعبئة المشاهد بالمشاكل الحقيقية، خلافا لنص حسيني، التي باقتباسها «رامبويات» هوليوود، جعلتنا نشك حتى في رغبته للتوبة.

المؤلف خالد حسيني والمخرج مارك فوريستر

هزيمة الفن
لقد تلقى حسيني وفوريستر في «عداء الطائرات الورقية» هزيمة فنية، لأنهم لم يمتلكوا أدنى حق في رزم آلام الآخرين ليلعنوا خصومهم ببهرجة السينما التجارية. غير أن هزيمة الفيلم لم تكن منكرة، فقد أنقذها كاتب الموسيقى المخضرم ألبيرتو إيغلسيس.وعناصر الإنقاذ الأخرى كانت الأداء المتميز للأطفال والممثل خالد عبدالله الذي نعده مفاجأة حقيقية بتمثيله المحترف ومدير التصوير روبيرتو شيفر الذي أجهد نفسه بالتصوير الجوي لمعارك الطائرات الورقية، وتلفيق أغلب المشاهد، كما لو صورت في كابول فعلا، فالذي يعرف العاصمة الأفغانية سرعان ما يفاجأ بفداحة أخطاء المخرج وفريقه الذين كانوا جاهلين تماما حتى في فارق الأزياء ما بين البشتون الذين هم أغلبية سكان كابول والأوزبيك والطاجيك الذين يسكنون في جلال اباد ومزار شريف على التوالي. وفي كل الأحوال ان المشاهد السريعة بينت أن الفيلم تم تصويره في بيشاور وبعض القرى الباكستانية ذات الغالبية الأفغانية، ودخلت كاميرا منفردة إلى أفغانستان لتصور بعض المناطق التي لم يظهر فيها ممثل واحد بحوار.

27‏/05‏/2009

UN PROPHETE - A PROPHET

حصل على ثاني أكبر جائزة في مهرجان كان السينمائي في دورته الـ 62 وهي الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، في وقت كانت فيه كل الترشيحات مصوبة لاقتناصه السعفة الذهبية ، فقد حصل على تأييد النقاد الفرنسيين الثقيلي الوزن وكذلك غرّد في مدحه النقاد الإنكليز والناطقون بالإسبانية طوال الأسبوع الأول من المهرجان ولغاية اللحظات الأخيرة لنطق الحكم.
ساعتان ونصف أثبت فيها أوديار أنه حقق ضربته القوية ليس في محيط المهرجان فحسب، بل في المجال السينمائي العالمي، لاسيما وأنه يتميز بالصوم كثيرا قبل كل فيلم ( عرف في "اقرأ شفاهي" – ربح ثلاث جوائز سيزار - و " الضربة التي طفرت بقلبي".
كما أن الصدمة التي أحدثها الشريط منذ عرضه الأول (2008) بقدرة الإخراج على مسك أحشاء المشاهد وعدم تركها طوال الـ 150 دقيقة من التوتر وسرعة الإيقاع ، قطع الحناجر، إطلاق النار، المطاردات ، متلمسا قضية حرجة جدا يتحفظ على التلفظ بها الكثيرون وهي الحالة في السجون الفرنسية ووضع الجاليات الملونة فيها وسلطة مافيا الجريمة المنظمة.
Article format - PDF

الأعزل المتوحش
أخرج الشريط الفرنسي جاك أوديار ( ابن السيناريست المخضرم ميتشل أوديار) بالاستناد على نص سيناريو كتبه أيضا بالمشاركة مع توماس بيدغان ونيكولاس بيوفيل عن شاب عربي مالك (ممثل مجهول طاهر رحيم الذي صرخ من السعادة حينما شاهد العرض الأول وتم اختياره للعب هذا الدور بمنافسة 40 شخص) حكم عليه بست سنوات سجن عن جريمة تافهة، يصل إلى السجن وحيدا كليا، فقيرا، لا يقرأ ولا يكتب ، أعزل، هشا وصغيرا أكثر من المحكومين الآخرين، لا يتجاوز عمره 19 سنة، وعليه مواجهة زعيم مافيا السجن الكورسيكية لوسيوني المسيطر على السجن (أداه الممثل الفرنسي الشهير نيلز أريسترو)، أو على الأقل كسب ثقته، في ظرف كان فيه الجميع يقتلون بأمر منه.


Jacques Audiard


وظائف جانبية
ما الرسالة التي كان يريد جاك أوديار إيصالها؟ ولمن؟
أن أي مجرم بسيط، قد يتحول إلى كبير لو دخل السجن. انتهى النداء والرسالة وصلت. ربما يقول البعض لو كانت هذه رسالة الفيلم، فهو بلا رسالة في حقيقة الأمر. لكن في الفن، المبدعون أحرار في تناولهم المبادئ الأخلاقية وفي السخرية، ففرانسيز كوبلا قدم آل باتشينو وغدا حقيقيا في "العراب" ، إلا أنه كسب بفضل الفن تعاطف كل من رأه.
أضف إلى ذلك، أن أي فيلم لا يفترض أن يتبنى اعتقادات ما سائدة في المجتمع، فليس وظيفته الوعظ وتمييز الأبيض عن الأسود، وتحديد الطيبين والأشرار، وفي حالتنا أراد أوديار عرض إلهامه الخاص عن السجناء في فرنسا.
لقد حقق المخرج واحدة من أهم مهامه في توظيف طاقة الفريق وإطلاق النبض الحي لكل منهم، بداية من الكاميرا التي انشغلت كثيرا في تصوير فيلم ناجح وتوجيه الممثلين ودفعهم لمراقبة بعضهم الآخر والتدريب على منح الشحنات ما بين رحيم المبتدئ في التمثيل وأريسترو الذي قضى عمره في هذه الصنعة وكأنه منح الممثل الشاب 40 سنة من التجربة بالنيابة.
ان سينما السجون قديمة جدا، ولعل كلاسيكية الموضوع كانت أهم التحديات التي واجهت أوديار، وكان عليه الاعتناء بإدارة المجموعات وعدم التعامل مع السجن كبناء وأبواب فولاذية وحماقات شاذة ، بل كحالة عزل وكائنات محصورة في حيز ضيق، وكان له ما أراد، لولا انجذابه لمشاهد العنف التقليدية التي تظهر في أفلام المعارك ( رغم إدارتها بشكل بارع)، مقتطعة من الشريط نصف ساعة كان حذفها مفيدا لأن يخبرنا عن أهدافه.


اللعب على العنوان
ولطالما فكرنا في عنوان الفيلم حتى قبل مشاهدته، وبعد ذلك تملكنا يقين في أنه لا يعني شيئ وليس له علاقة بموضوعة الشريط، عدا احتمال واحد، أن الكاتب يريد أن يجبرنا على التصديق في أن بطله يمكنه معرفة المستقبل، وهنا سندخل في تشويش الترجمة ما بين "النبي" وهو عنوان الفيلم الذي يكسب مباشرة طابعا روحيا وعقائديا و "المتنبئ" الواثق من تنجيمه. وهي سمة مقرفة في حقيقة الأمر، أن تتعمد الخلط واللعب في اللغة وأنت تقدم عملا فنيا، فالعنوان في الفرنسية قد لا يعني ترجمته إلى الإنكليزية (قد يظنه البعض الشبح) وكذا الحال عند نقله إلى العربية (النبي)، ناهيك عن التفخيم غير الواجب في العنوان أساسا لكونه لا يزيد أو ينقص من أهمية الشريط.

عبقري الاجرام
العربي الشمال أفريقي مالك الذي دخل السجن أميـّا ، سيجد نفسه منفذا لأول اختبار إجباري من "قيصر السجن" لوسيوني بقطع حنجرة عربي منافس كان قد نصحه باستبدال المخدرات بالجنس (ريب ياسوبي) ومدركا إلى أي جهة ينبغي الانحياز عندما تكون مستلبا في السجون، ومن الذي يديرها في الواقع وكان الثمن حمايته، قبل فرضه الإعجاب ليتولى مهام أكبر في الخارج. يبدأ بالتسلق التدريجي في المهمات ، وبثبات يبرهن فيها على قابلية للتعلم السريع من معلمه المجرم المحترف. ويتم تصوير حالة النمو الإجرامي بطريقة موفقة جدا تحيلنا إلى شريط فرانك لوكاس "الشقي الأميركي" كمقارنة ضرورية لتتبع حياة العصابات التي تنشأ في السجون وينطلق نشاطها خارج أسواره.

قدما نحو الجديد
أن أهم شيء في الفيلم، أن كل مشهد جديد، يعطي شيء جديد، وواضح منذ الدقائق الأولى أن المشاهد سيستمتع بعمل مخرج مدهش يدرك كيفية التحكم بالقصة حسب مرور الوقت. فمثلا، ليس من السهل تنمية مواهب ممثل شاب، ليستطيع التفريق البالغ الدقة في الأداء حينما كان نكرة، حتى يكسب الاحترام في منظومة السجن. التطور في الأداء جاء تدريجيا وحسب الوقت الموضوعي والمخطط له بشكل متقن ويعود الفضل الأساسي هنا لطاهر رحيم الذي استحق الإشادة على الأقل ونيلز أريسترو الفاتن التمثيل.
لم يخض السيناريو في أسباب وجود مالك في السجن، ما كان يشغله، أن رجلا خاليا من التاريخ الإجرامي الجدي دخل الحياة الجديدة. في الوقت نفسه، لم يتكلف الفيلم في مراجعة سيرة حياة لوسيوني ولا تلك الألغاز التي تحيط عرشه ، للمشاهد الفرص الكافية لأن يعرف روابطه خارج السجن وعلاقاته مع مافيا المخدرات وما بعدها.
وهكذا، فأن أكثر ما انشغل فيه أوديار هو الكشف العميق لمجتمعات السجون (كمؤسسة اجتماعية) لعكسها في صورة أوسع: الصراع بين الأعراق، مقدما تصميما رائعا لحالة فرنسا المتعددة الأثنيات ، بشكل لم يتعد على أي منها ولم يتطاول بإسفاف اعتادت عليه شرائط هوليود الرخيصة، كما لم يستفز أحد بأفكار دينية تمس العقائد المتنوعة.

Tahar l'étudiant extrait
خلطة غريبة
النزيل الآخر رياض (عادل بن شريف) يصبح صديق مالك ويعلمه القراءة والكتابة وحليفه في خارج السجن لاحقا عندما يرتب له لوسيوني المهمات الإجرامية المختلفة التي تجعل حياته أخطر مما كانت عليه، وجوردي الغجري الذي يشكل مع رياض مشروع عائلة لمالك ، لتظهر على نحو مفاجئ موهبة التنبؤ بعد حادثة غريبة لتحطم سيارة أنذرت في نمو سلسلة خيالاته المبهمة. لا نفهم السبب الذي جعل السيناريو يستعين بالغيبيات في قصة واقعية، لعلها ميول أوديار النفسية التي يكحل بها أفلامه سائرا وفق أسلوب ستيفاني فونتاني ولغته السينمائية التي يتعمد تفكيكها.


في الأخلاقيات
كما تبرز معضلة أخلاقية هامة؛ وهي أن الكفاح الصعب الذي يخوضه المرء من أجل البقاء والاستمرار بالحياة القاسية، هل تستدعي أن يكون مجرما حتى لو سدت أمامه الخيارات؟ هذا في حالة استبعادنا عامل البحث عن الهوية الكثير التداول في الآداب والسينما للمهاجرين في أوربا. أي نموذج سنحظى به وأي نبيّ: يدخل مالك إلى السجن ليس أكثر من رقم، يخرج منه محطما أعدائه الواحد تلو الآخر ، بانيا إمبراطوريته الخاصة كبطل للمافيا العربية في فرنسا!من وجهة النظر هذه، ما الذي يفرق بين حكاية أوديار وفيلم العصابات التافه "أصابع" لجيمس توباك أو المنوعات البوليسية لمارتن سكورزيسي المبكرة و"ستارة الحرية" لجون وين؟ نرى قيمة الفيلم في القدرة على رسم الأشخاص وتقديم الحبكة (التي اتفقنا أنها تقليدية وشاهدنا الكثير منها في السينما) والتمثيل المتفوق والحضور القوي لطاهر رحيم والإجادة البصرية والتأثيرات الصوتية المتقنة والتقنيات الجديدة وعناصر أخرى أشرنا إلى معظمها.

26‏/05‏/2009

The White Ribbon - Das weisse Band

'The White ribbon'
بالأبيض والأسود يحرز «الشريط الأبيض» للنمساوي مايكل هانيكي واحدة من أهم الجوائز في تاريخ السينما وهي السعفة الذهبية لمهرجان «كان» في دورته الـ 62. كما لو كانت القرية البروتستانتية لا تتمتع إلا باللونين الأسود والأبيض فعلا، يعيدنا هانيكي الى عشية الحرب العالمية الأولى وتحديدا بين عامي 1913-1914 مقدما لنا حكاية مجموعة أطفال ومراهقين يديرهم بصيغة الراوي معلم القرية موزعا عليهم الذنوب والمهام: البارون، المضيّف، القسّ، الطبيب، القابلة، الفلاحون والأطفال. ولابد من حوادث غريبة أن تحدث ليتم مواجهتها بأسلوب الرعب المرح الذي اعتاد عليه المخرج في أفلام سابقة، لاسيما في شريطه «ألعاب مضحكة»، غير أن لعبته هذه المرة كانت تحتاج إلى طقوس للعذاب، في حقيقته كان عقابا، على الجميع تقاسمه تدريجيا.


LE RUBAN BLANC
بهذا الفيلم الجديد، يعود مايكل هانيكي (ساعده في إعداد مخطوطة السيناريو جين كلود كارير) إلى مواضيعه الكلاسيكية التي يمسّ فيها الصفات الإنسانية الجوهرية: الشعور بالذنب، نكران الذات، العنف كميزة للسقوط الجماعي وإشارة إلى صعود الفاشية عبر التربية الصارمة لأطفال من أجل تنشئة مبادرة الإجرام فيهم، لافا شريطه الأبيض حول قرية في شمال ألمانيا خلال فترة العزل قبل نشوب الحرب، سائرا بدقائق الفيلم الـ 145 بصرامة وانضباط وشدة الثلج الذي كانت عليه أعصابه في غضون تصويره. هي حكاية أناس معزولين تهزهم أحداث غير قابلة للتوضيح ولا المتعة يرويها معلم القرية العجوز جاكوبي بدءا من الحادث الغامض لسقوط الطبيب المحلي بوك من حصانه وكسر عظم ترقوته، قبل العثور على سلك مثبت بتعمد لإيذائه. وسيعرفنا الرواي بمالك أراضي البلدة البارون الارستقراطي أولريك توكور وزوجته لاريدا والقس البالغ الحزم والثقة بنفسه كلاوسنر وآخرين كمدبرة المنزل وحبيبة الطبيب (لوثار) والبنت التي تغتصب (روكسان دوران) ومضيف عقار البارون (جوزيف بيربشلر) والمزارع المحلي (سامورفسكي) الذي تموت زوجته مباشرة بعد حادثة الطبيب، بينما المعلم العجوز يغري مربية الأطفال 17 سنة (بينيش) بعد عجز الطبيب لكي تكون عروسه.


Michael Haneke

ستتوالى الأحداث الغامضة في القرية: يجدون بشكل مفاجئ ابن البارون مجلودا والحظيرة محروقة، تقتل زوجة مزارع في معمل نشارة وتنهال الأمراض، لا شرطة ولا أحد يمكنه التوصل إلى مصدر هذه الجرائم. إذن، يتحقق مراد السيناريو في عكس الوحشية والظلم المنتشرين في القرية بغض النظر عن النوايا الحسنة لبعض الأطفال والنساء وحتى البارون، لكن من سيضمن لمدير العمل أن ذلك لن يؤدي إلى كراهية المشاهدين بسبب الإذلال الذي يتعرضون إليه والشر السادي في مشاهد جلد الأطفال الذي صوّر واقعيا. استبدال الحرمان بالخوف إن الشريط أو «الوشاح» الأبيض الذي يفرض القسّ على أطفاله ارتداءه، هو عنوان «الإهانة» وكرسالة تذكير لحالتهم الشريرة التي تحتاج إلى النقاوة، الوشاح الأبيض هو رمز العنف والانتقام الذي سيجيء وفرض الالتباس للقهر المكبوت والمدفون في الصدور الى حين أزوف اللحظة المناسبة لإخراجه، كإشارة لمرض مجتمع برمته، مرض مستمر يتناول الفرد تلو الآخر.


PALME D'OR : LE RUBAN BLANC DE MICHAEL HANEKE

الأطفال المحرومون من أي حق، في حالة تمرد عقيم ضد السلطة الأبوية والدينية، ينفسون عن حقدهم لها بأفعال هي من السوء، بحيث تسبب تشنج الحياة في القرية، كما لو كانوا يعوضون عن حرمانهم بزرع الخوف في الجميع وأهلهم على السواء، وأحزن ما في الأمر، أن كل هذه السيئات تستمر لغاية اندلاع الحرب: العنف الأكبر.لكن ما يشغل هانيكي، ليس الرعب الذي يصدره واعتاد عليه في أشرطته، بل ما يريد قوله: ان كل شيء يحدث (ممهدا للحرب) لا يهتم أو يبالي أحد في كشفه. كأنه يريد القول انه في الحروب لا يوجد مذنبون ولا جناة ، هذه الثقة المطلقة التي يملكها «الشريط الأبيض» هي إجادته، بل صناعته لغته السينمائية الخاصة ، أما هانيكي، فبدا كأنه انتزع من فريق ممثليه - خصوصا الأطفال- كل ما يملكونه من طاقة في الأداء، لقد حقق مهمته بشكل مثالي.
LE RUBAN BLANC (DAS WEISSE BAND) - Soundtrack
إرث بيرغمان
ومن غير الممكن تفادي التأثير البالغ النضج لبيرغمان على هانيكي (حتى في نشر الضوء على لونيه الأسود والأبيض وتلك التناغمات التي لا تستعاد بسهولة) وجمع شتات كوادره بما في ذلك الزوايا لتصوير الوجوه لكي تخدم ألغازه وكيفية تناوله النزاعات البروتستانتية التي ظهرت مطلع القرن العشرين وكيف تجول في التعبيرية المتشائمة. لا نعلم في أي وقت رأينا آخر مرة، التزاوج الهادئ ما بين البصري (الخارجي) والوعي (الداخلي) في فيلم، غير أن «الشريط الأبيض» يكشفه بصبر مخيف، حتى عندما يصور فناء البلدة كصورة للخواء الذي تبقى لسكانها. هذا التحدي المريع للكاميرا لم يتقنه غير بيرغمان ، وحينما حاول هانيكي ذلك في «ألعاب مضحكة» لأول مرة كان الجمهور الراشد يشك في فهم ما يرى، لكن هذه المرة، لا مناص أمام المشاهد غير التركيز ومحاولة الإجابة: ما الشيء الذي تريد قوله هذه الكاميرا؟ إن القرية كيس كبير ممتلئ بالمخلوقات والتجارب، الأصدقاء والأعداء، المحبوبين والمكروهين، الأتقياء والأشرار، الأزهار وأشواكها، النزاعات العائلية والدينية، المهارة الفنية العالية الدقة الوحيدة التي تستطيع تنظيم محتويات هذا الكيس، بالسيطرة الإيجابية والصائبة على المادة والتفريق بين العاطفي والثقافي في تنسيقها لكي يقدم هذا العالم المغموم كفن مقبول في الحياة الحديثة.


لماذا الأسود؟
اللون الأسود، ما هو إلا اليأس الذي كان يطارد هانيكي نفسه الذي افترض أن شرائطه السقيمة تستطيع انتزاع السعفة الذهبية في كان 2005 أو في مهرجان سيزار 2006، وجائزة لجنة التحكيم عن فيلمه «معلم البيانو» 2001، لكنها صعبة المنال لأذواق العامة. من هنا كان اعتماده في «الشريط الأبيض» على رواية المثقف الذي يسقط من حصانه ( كإشارة الى سقوط الانتلجنسيا) بعد أن وضع أحد ما سلكا في طريقه وعن أطفال يتسلون في قتل الحيوانات ورجل مستاء جنسيا يفرّغ أمراضه النفسية بانتهاك ابنته المراهقة، وبالطبع لا بد من وجود قسّ في هذه القرية يقبض على الأمور بيد من حديد. إن الحركة المملة الواضحة في الفيلم هي أيضا تعمد لهانيكي لعكس حالة اليأس عند شخوصه، والسريعة الى حد التوتر أحيانا أخرى تعبيرا عن قلقهم، وعندما يتركنا للسكون في بعض فترات الشريط، فهو أسلوب تاركوفسكي والمدرسة الإيطالية للتعرض للمشاهد واستفزازه لكي ينضم إلى اللعبة الغامضة والمستترة أسفل السطح العائم للشاشة، لغاية ظهور الوشاح الأبيض الإلزامي الذي كانت مهمته تذكير الشبان ببراءتهم.

Das weisse Band
تضاريس الحزن
أفضل ما فعله كاتب السيناريو والمخرج مايكل هانيكي هو هروبه من الأحداث الواقعية للحرب التي من الممكن أن تحول شريطه إلى مسلسل تاريخي وقابليته على إيجاد «ذاكرة وسيطة» تصفي من خلالها الأعمال العنيفة المتراكمة التي حدثت في القرية أو المناطق المحيطة بها. فالسيناريو يعمل على عدة مستويات: البالغين المنافقين وأطفالهم غير المتوازنين، وهي صورة ألمانيا التي مهدت لظهور النازية. وبالطبع لا يكلف هانيكي نفسه مهمة الكشف عن المذنبين ، لأنهم مكشوفون طوال طريق القمع الهائل الذي يأخذنا إليه كحال سخرية القدر التي تمنحنا المعادلة: هؤلاء الأولاد البسيطون.. كم هم وحوش رهيبة!

Trailer Haneke
السؤال الألماني
لا يخفى هنا الاتهام المباشر للروح البروتستانتية الألمانية في وقت كانت فيه أوروبا برمتها تندفع نحو الحرب ، ولعل الألمان سيسألون الكاتب والمخرج بعد انتهائهم مشاهدة الفيلم: لماذا كان عليك تصوير هؤلاء الناس كمذنبين في سلسلة من الجرائم اجتاحت أوروبا لقرون؟ نقول ذلك ليس كملاحظة لطلاء الشريط بمزاج التاريخ السياسي، لكن الألمان على الأرجح، سيكونون أكثر المشاهدين الذين ستوخزهم بألم دبابيس هانيكي وفوق ذلك يعاونه فرنسيون وإيطاليون وأميركيون في الإنتاج! مركزا على الجيل الذي اعتنق الاشتراكية القومية، كتمهيد سياسي - اجتماعي لمؤسسة ألمانيا النازية في روحها وأناسها ، تاركنا كباقي أفلامه، أمام أسئلة أكثر من أجوبتها. ربما لسان حال هانيكي يقول، أنه عرض أجواء مثالية لنمو الأفكار الفاسدة والمجرمة، وهي ليست مشكلة ألمانية، بل تعني كل شخص.


السؤال المركزي
القس الذي يجبر اثنان من أولاده لارتداء الشريط الأبيض بعد أن وصلوا إلى البيت متأخرين ويعاقب أحدهم بسبب الاستمناء بربط أيديه في السرير طوال الليل، ولكنه سيجد ابن الطبيب مع أخته المراهقة في الليل. وهذا القس الذي يوزع الشرائط البيضاء يشتكي للطبيب لعلاج رائحة الفم الكريهة للقابلة، البنت الصغيرة ستدفع المقص إلى جسده، عنف محلي لطيف نتاج تربية قسرية وعتبة مساعدة للتغيير الكبير في ألمانيا الذي جاء دون لوم من أحد، مثل هؤلاء الناس لابد أن يدعموا شخصا مثل هتلر. وهكذا فإن مناخ القمع اليومي والقسوة الأبوية ستمر من جيل إلى آخر.هو ذا السؤال المركزي في هذا الفيلم المهم الذي يحتاج إلى المزيد من الجوائز لكي يهرع إليه الكثير من المشاهدين، هو «الشريط الأبيض» الذي ارتكب كل الوحشية وشيـّد نفسه بثقة في خانة السينما الجدلية .. المحترمة.