16‏/10‏/2009

El baile de la Victoria


قضى المخرج الاسباني فرناندو تروبا وقتا طويلا ليكيّف رواية الكاتب الشيلي أنطونيو سكارميتا «الراقصة واللص» أو «رقصة النصر» إلى الشاشة (المؤلف ساعده كثيرا في تحرير المخطوطة السينمائية كذلك ابنه جوناس تروبا والرواية فائزة بعدة جوائز)، حيث مضت سبع سنوات منذ فيلمه الروائي الطويل «نوبة شنغهاي» وفيلمه الوثائقي «معجزة القنديل» – 2004 وفيلميه الرائعين «فتاة أحلامك» و«بالكثير اثنين»، ليختار في النهاية الأسلوب الأكثر قبولا لدى المدرسة الاسبانية وهو الغنائية الرومانسية لعرض دراما مكتملة روائيا لسجينين أطلق سراحهما بعد سقوط الدكتاتورية في شيلي، مزيلا من الرواية تفاصيل النثر الفلسفي ومزيحا الاتصالات بالطب النفسي وغرابة الأطوار لدى الرجلين، ليقوي معنوياتهما الخامدة في السجن بلقاء فيكتوريا التي ستورطهما بالميل نحو القانون واستبدال تجاسر السرقة بالمنح. رقص تحت العاصفة
وبالرغم من أن اختيار ( نيكولا فيرغارا غراي ) ريكاردو دارين ناجح لاتينيا، لكونه نجما في القارة ( الممثل الرئيسي في الفيلم الأرجنتيني «سر عينيك» الذي رشح للأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي)، فإن مهمات تروبا التي حملها له، كانت كافية لأن يرقص هو الآخر تحت العاصفة، على عكس آبيل (وربما هابيل) آيالا الاسباني الشاب الذي قدمته السينما الاسبانية في عمر 14 سنة، فقد صبّ الشريط بطاقة وديناميكية، افتقرت إليها سينما أميركا اللاتينية التي كانت مجهدة دائما بالبحث عن الإرضاء في تعاملها مع «الواقعية السحرية».
وسط الاحتفالات بالعفو سيستقلان سيارة أجرة في محاولة من دارين لإيجاد زوجته تيريزا (أريادنا غيل) وابنه وإعادة ترتيب عائلته بعد السجن، سيلاحظ السائق أنهما يجوبان شوارع سانتياغو المرحة بالديموقراطية الحديثة، كمفلسين، صامتين وحائرين وبمعنى أدق، ان زبائنه يسيران بلا هدى وبدون عنوان.


النهوض عشقا.. السقوط انتقاما
لكن فيكتوريا (الممثلة الاسبانية ميراندا بودينهوفر) التي تعيش مع امرأة عجوز، ستظهر لهما ويكتشفان أن أبويها اعتقلا أمامها في الطفولة وقتلا أثناء القمع الدكتاتوري للجنرال بينوشيه، وبتطور سلس ستنتهي إلى رقصة في المنتزه، كافية لأن يسقط الشاب الاسباني فورا عاشقا لبراءتها.
غير أن هذا العشق لم يسعفه، للتجنب من الثأر – بطريقة بدت غريبة – من الدكتاتورية واغتصابه المستمر من قبل حراس السجن، بانتزاع ما اعتبره «حقه» بالسرقة وإعادة تلك الملايين التي سرقها بينوشيه، من المجرمين الحقيقيين الذين حصرهم برجال الأمن لكي يعطي سلطة أخلاقية مريحة للسرقة.
فكرة بسيطة للانتقام ومتوقعة ومعالجتها محدودة جدا والضرب على وترها لا يؤدي سوى إلى نتيجة معروفة أيضا، من جانب آخر، ستطرح أفكار مثيرة، حتى في غضون الغزل، أو الجولة على الحصان في شوارع المدينة، كما لو كان الحصان يحمل هذا الحب وسط المدينة الشاحبة، وآيالا بدوره، يغسل نفسه عاطفيا.
ان مشاهد فيكتوريا في مدرسة الباليه وعلى المسرح، لها سحرها القديم على مشاهدي السينما الاسبانية، والرقص عادة في الفن اللاتيني أقدم من صناعة الأفلام.

ترتيب السيناريو
لكن ما الذي دفع فيرغارا إلى مراقبة زوجته (صارت سابقة بعد انتقالها للعيش مع خليل جديد وغني) ويُجازى بموازاة رغبته في الحياة، إلى فقدان كرامته ويعامل كلص بنوك محترف يريد الاختفاء من ماض مرتبك بأمنيات المستقبل المستقيم!
ربما تكمن مشكلة الشريط في ترتيب السيناريو، فالفواصل جاءت غريبة في حوار نيكولا وزوجته، وتلك الأصوات الداخلية بينهما التي استعملت كثيرا في السينما وتحتاج خاصة في المواضيع المظلمة أن تستخدم بشكل نافع ولا يحبذ أن تلصق كفوبيا تشوه الصورة بالكامل.
غير أن عمل مدير التصوير جوليان ليزما كالنغمة الدافئة جاعلا كل شيء في سانتياغو جذابا، الجبال المغطاة بالثلوج والنجوم قرب المدينة قدمها بشكل جميل كخراب سانتياغو وفنادقها الرخيصة والبيوت المتهالكة وطوال 126 دقيقة صمم لقطاته بفاعلية، كصعود آيالا وفيكتوريا بالحصان نحو القمة كإشارة لبحثهما عن الحرية، الفخمة والمنظورة.

الرقص كانتصار
ان الرقص في المأساة بحد ذاته انتصار، غير أن مهمة تروبا تنحصر في رواية حكاية الحب والصداقة والانتقام عبر الرقص، وهي خطة معقدة فنيا، لاسيما أنه تدار من أشخاص مدمرين ذاتيا.
انه فيلم عن الحب بين المهمشين وميلودراما جريئة بوثبات محزنة وطيبة وممتعة تفتقر الى الترقب ومتوقعة، يعود فيه فرناندو تروبا إلى سباق جوائز الأوسكار (فاز فيلمه «بيل» بالأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي عام 1994) بعد أن رشحته الأكاديمية الاسبانية للسينما لتمثيلها مع شريطي «البدين» لدانيال سانشيس اريفالو و«خريطة أصوات طوكيو» للمخرجة ايزابيل كويكسيت لدخول مسابقة أفضل فيلم أجنبي في الدورة القادمة.

Les femmes de l'ombre

نعود الى مايو 1944 وبطلاتنا غير العاديات هنّ: لويز - صوفي مارسو وجين - جولي ديبارديه و سوزي - ماري غيليان وغالي - ديبورا فرانسوا وماريا - ماري سانسا، خمس مجندات فرنسيات يحركهن المخرج جين بول سالوم بين صفوف المقاومة الفرنسية ومجموعة المغاوير البريطانية، مقربهم نحو «النصر الوشيك»، ما بين الانقاذ والانتقام، العاطفة والوحشية بقصة ملهمة ومزينة بما تحتاجه السينما تقدم لنا «أحداث حقيقية» عن حياة المقاوم الفرنسي ليس فيلمر لمدة 120 دقيقة.

خمس نساء
وهكذا لدينا قناصة محترفة ومومس سابقة مجبرة على الانضمام الى المقاومة وصانعة متفجرات وفتاة استعراض ويهودية ايطالية يعملن جميعا في المقاومة الفرنسية ويجتمعن لإنقاذ جيولوجي بريطاني أسره النازيين.
وبإيجاز، لم نلمس بطولة استثنائية كما يشير عنوان الشريط، ولكنه في الوقت نفسه، أعمق من مئات أفلام الحروب التي تمجد جيوش ودول بعينها وتحاول بعثرة التاريخ على هواها.

إنه مواصلة جيدة لجيل الأربعينيات والخمسينيات وتلك السنوات المريرة التي مرت بها أوروبا ولا تحاول نسيانها، باسترجاع حوار قصصي يضع المشاهد أمام خشبة مسرح مثقف، هذا الأسلوب يشد البعض أكثر من الأحداث التي بلغت الذروة بطريقة محترفة، ولعل أي من عجائز الحرب لو تتاح له مشاهدة الشريط، سيطلع على المبادئ نفسها التي ضحى من أجلها رفاقه.
وبلا شك، فإن الشريط سيكسب الكثير في شباك التذاكر، لكونه لم يغفل الجمهور العادي وقدم له تسلية موفقة.

تقلبات السرد
لنبدأ في لويز التي حملتها جميلة مراهقات السينما في نهاية السبعينات صوفي مارسو التي وجدت نفسها هاربة الى لندن بعد مقتل زوجها، وفجأة نرى أنها معنية بجهاز المخابرات السري هناك وعليها أن تجند، ليس على طريقة سوزي المتعلمة جيدا طرق الابتزاز والخداع والكذب والاغواء وغالي الكيميائية الخبيرة بصناعة المتفجرات.
تقريبا، سنحصل على مجموعة مدربة لتنفيذ العمليات الجسورة ولا نملك إلا متابعة تقلبات السرد الروائي الذي اعتمده سالوم والقتال الخاص الذي اعتمده السيناريو مثل «خط واضح» لأسلوب تسيطر فيه الدراما الرسمية كطابع فريد لهذه المصائر.
البساطة والإثارة
ويمكن اعتبار السيناريو بسيطا لموضوع مثير، فالفن في النهاية لابد أن يؤدي إلى الإقناع، ومع ذلك رغم صعوبات البساطة، نعتقد أنه نجح بتقديم فيلم أنيق، لاسيما أن في هذا الطراز من الأفلام الجادة، لا وجود لضمان في التوازن ما بين الأقدار، لا آمال في أن الجميع سيخرجون سالمين من المآزق والأخطار، كما فعلت هوليوود في سلسلة أفلام المجموعات البطلة (العظماء السبعة والسلسلة التافهة لملائكة تشارلي وغيرها مئات).
وفوق ذلك، نجح سالوم بتنفيذ مغامرة رومانسية، حيوية ومدهشة، كانت تقضم من أحداث الفيلم، ولكن كالماء السائر في الاعتبارات الجرداء – الفكرية مثلا – فيلم لم يضيع وقته ولا وقتنا، فيه فائض من الدقة.

الفوضى الخلاقة
وبالتالي، لا يتردد الفيلم في تقديم العبر ولو بصمت (كنا نود لو يكون الأمر صامتا)، والتمثيل؛ أمين وذكي وجميل وبالنتيجة ممتع.
أما الدروس المستفادة من التاريخ – بالمعنى الدقيق للكلمة – فهي ليست كبيرة وليس لها صدى ولا طموح، وهذا المطلوب بالضبط، كما هو المفيد ألا ننسحب باعتباره رسالة لتمجيد دور المرأة في الحرب، فالفن ليس مهمته تكريس مثل هذه الشعارات، بل أحيانا تهشيمها.
كما يورطنا الشريط بمفاجأة أخرى، أن دعايته تلمح على قتامته، وهذا لم يحصل، فثمة كوميديا متجذرة كالأوقات الطيبة في عمق المحنة، مثل نساء سالوم : يمكنهن ايضا أن يكنّ جميلات وبذيئات، عنيفات وعاطفيات، جاسوسات ومضحيات، وفي نهاية المطاف، هي ذي الفوضى الكبيرة القادمة في الفنون، كالعدو الحميم في الشريط الممثل الألماني موريتس بلايبرتي.

الصفة الكبرى
الشر لم يقدم من أجل الشر، كما الإيثار والحب والانتكاسات والمكائد والسقوط والانعطاف الحاد للخير، وهذه صفة الشريط الكبرى، إن كل شخص ظهر فيه مثير للاهتمام، وإن كان سرده كلاسيكيا، لكنه مبني بشكل صحيح، لذلك لا مشهد عديم الجدوى، لم يترك سالوم شعرة في الحساء يصدع فيها جهده، حتى عندما كتب سيناريو (بمشاركة لوران فاود) بلا ذروة، فهذا يمكن غفرانه لكونه لم ينسف المصداقية وتوزيع نصيب المسؤولية على كل من ظهر في الشريط. ويشجعنا ذلك على مقارنته بالتحفة الفنية لبول فرهون «الكتاب الأسود» الذي كتب السيناريو معه غارسيا فان هوتين عن نساء الظل في هولندا.
إن جان بول سالوم يملك موهبة تشكيل الأفلام الملحمية وأكد في هذا الشريط قدرته على خلق التوتر والإثارة وكذلك المعالجة المظلمة للأحداث المأساوية التي صورت في قلب باريس لدعم صحتها في عرض التاريخ المنسي للمقاومة الفرنسية.

Notorious

عنوانه ذكّرنا بأحد أفلام ألفريد هتشكوك الذي عرض عام 1946، لكن الشريط الذي ظهر في مهرجان برلين لأول مرة هذا العام، اختار عشاق مغني الراب Biggie Smalls المعروف أيضا باسم كريستوفر والاس الذي قتل عام 1997 ولم يكمل 24 سنة.
والأفلام التي تتناول الناس الذين رحلوا قبل أوانهم، لطالما أصابت المشاهدين بالخيبة والحزن، وفي أحيان كثيرة بالإحباط، لتعرفهم على جوانب خاصة لم يألفوها بمن كانوا يحبونهم أو لأن الأفلام لم تصل إلى مستوى تلك الشخصيات الغائبة.
وهذا الخيار الصعب قبله المخرج جورج تيلمان (الابن) وكاتب السيناريو ريجي بوثوود بمساعدة الصحافي تشيو هوداري كوكير، لكي يقدموا سيرة ذاتية يمكن تصديقها عن شخص كانت قصائده المغناة ( مع صديقه شون كومز) مكرسة لتأسيس مدرسة «موسيقى الشارع» بحيويتها الميلودرامية ومعقوليتها وكذلك سوء سمعتها.
وتيلمان عمل مع الأميركيين من أصول أفريقية في «طعام الزنوج»، و«رجال الشرف»، و«لا شيء»، و«كلا» و«صالون التجميل»، ولم يكن منافقا في أيّ منها، ومنحت له الفرصة لأن يمتع جمهوره بسيرة أحد أهم رواد موسيقى الراب ورفاقه الذين كان يطلق عليهم «سيئو السمعة»، باختزال سينمائي واقعي مندمجا مع الفريق الذي لم يبد هشاشة تقنية.
ان أزعج أمر في أفلام السيرة الذاتية تحولها إلى شهادة لمواد خام أو بالعكس حينما تسيطر عليها المبالغة الخيالية، والحالتان يعييان الفن، هذا من جانب، ومن الآخر، ان تصفية الحسابات مع الموتى وكشف خصوصياتهم السيئة منها أو المجيدة، لا تعد ذات قيمة برحيل الشاهد الرئيسي، ناهيك عن اختراع السمو أو الانحدار ودسّ الفضول في الهوية الإنسانية التي هي ملك صاحبها فحسب، بينما كان الأجدر عرض الأجواء التي برز فيها هؤلاء الشبان وحقيقة الشارع الذي أنجب فنهم الذي لسنا بصدد إحصاء عدد المعجبين الهائل الذين التصقوا به.

تغيير العالم
لدينا دبدوب منتفخ يحمل طفلا محبوبا في داخله ونظرة قاتل محترف، عاش بترف وكان يدافع عن حريته ويرفض القيود وتهيأت الفرصة للممثل جمال وولارد ليكون شبيها لمغني الراب كريستوفر والاس، ويفلح في تقديم شخصيته بمساعدة المساندين الأكثر تجربة منه وبشكل خاص أنجيلا باسيت وديريك لوك، كما لعب الممثل الحسن الطالع انتوني فيشر (شاركناه في «معجزة سانت آنا» على هذه الصفحة) ورجل أعمال كانت وظيفته حث ّ المطرب البدين لأن يكون حلمه كبيرا كحجمه، ممتدا نحو النجوم ليباركه الله في «تغيير العالم».
هذه الكلمات نسمعها مرتين في الشريط، ولم يكن استخدامها واضحا كليا في الحالتين، وهذه من صفات الأفلام المستعجلة التي لا تعتني كثيرا بكل حرف يقال وتكوّم كل ما لديها من أفكار سوية. لذلك لم نعلم هدف المجموعة في تغيير العالم، هل كما كانوا يطمحون الى أن يكونوا مشهورين، نقودهم لا تحصى، ملابسهم أجدد، فرصهم الجنسية غير محدودة، أم يحصدون الجائزة الأهم: ترسيخ أسلوبهم الجديد في الهيب هوب لدى الناس؟

ممثلو الشارع
يبدأ الفيلم في بروكلن (نيويورك) مع كريستوفر والاس الشاب حينما يقرر أن يحدث أثره في العالم متحاشيا تعاليم أمه الجامايكية فايليتا (أنجيلا بوسيت) التي لا يوجد لديها غيره في الدنيا بعد أن تركه أبوه زير النساء المحترف، لكنه يصيب أمه رغم حبه لها، بخيبة الأمل حينما يعوض المدرسة بالسجن ومنه سيكتب قصائده الغنائية وما أن يصبح خارجه، سيبدأ مهنته كموسيقار من طراز خاص وأول من سيؤمن بأسلوبه المبتكر صديقه كومز (ديريك لوك) الذي يرعاه بصفته أحد «ممثلي الشارع» الرئيسيين.
ومن ذلك الوقت سيطلق على هذه المجموعة التسمية الشهيرة Biggie Smalls التي ستتعاون مع مغني راب آخر ليل كيم (ناتوري نيغتون) ومغنية مجموعة 3 LW إيفانس (أنتونيكا سميث) التي ستصبح زوجة كيم فيما بعد، وسيعاني الجميع بعد فترة من الانشقاق المؤذي لصديقهم الثائر توبيك شاكور (أنتوني مايكي). لاحقا، ستأتي علاقته مع كيم وزوجته إيفانس معجونة بالغيرة والغضب والأذى مفتتحة تجربته المبكرة في سجن كارولينا ومحددة مساره الإجرامي الرئيسي الذي كان نهايته القتل الغامض في لوس أنجلوس.
ومن عنوانه يمكننا أن نحزر أن Fox Searchlight Pictures حددت أعمار جمهور فيلمها لما فوق السابعة عشرة سنة، ولمن شاهد الـ 100 دقيقة سيتضاءل لديه الأمل في رؤيته على الشاشات المحلية، لكونه «سيئ السمعة» بما يكفي في ممارسات الجنس الكثيرة المصحوبة بالتعامل شبه العادي مع المخدرات.

من أجلهم
بداية، كان حضور جمال وولدراد طبيعيا وضروريا، رغم أن تمثيله يصاب بالتصلب أحيانا، لكنه كحامل شخصية الـ Biggie Smalls يكون أيضا كبير الأهمية، متوازنا مع النجاح السابق للشريط الوحيد الذي أصدره، الشاب الذي يقابل بابتسامة تقريعا قاسيا لفتاة حاول استمالتها: «أنت دهين وفوق ذلك أسود وقبيح جدا»، إلا أنه عميق وموهوب وسينجح في غضون أربع سنوات في أن يكون مشهورا جدا وكذلك ميتا.
ونهاية، يعتبر الشريط قصة قياسية لبروز موسيقى الراب وحكاية طفل رفع نفسه من زوايا الشارع إلى القمة، ونظرة محايدة لثقافة العنف والموهبة التي لم تنقذ صاحبها.
ولعلنا نتجرأ في الحكم على أن الموسيقى التصويرية كانت أقوى عناصر الشريط الذي لا نملك إلا التعاطف معه وتلك الأغاني المبكرة التي ساعدت هؤلاء الشبان على "تغيير العالم" ومن أجلهم لا مجال للحديث عن زلات السينما، وهو ما حاول تيلمان مراعاته في التركيز على هيبة الفنان في بطله، على أصدقائه وجمهوره، على مغازلاته وصبره ودأبه وترقيه ومن ثم نجاحه المبهر.

Final cut


أي نجاح نتحدث عنه لاحقا، سيحسب بلا شك للمخرج الشاب عمر نعيم وداهية التمثيل روبن وليامز، اللذين قدما واحدا من أهم وأروع أفلام الخيال العلمي الممعنة في الإنسانية.
بداية، لا نعلم سبب تأخير عرض الشريط على الشاشات المحلية، لأنه أنتج قبل خمس سنوات، لكن هذا لا يعنينا بأكثر من الإشارة إلى تاريخ تصويره والانتهاء منه، قدر تعلق الأمر بالمسائل الفنية الخاصة بتطور السينما خلال هذه الأعوام.
عموما، يستطيع روبن وليامز اختراق أجيال قادمة في أدائه الذي يجسد فيه الشخصية السرية والمخفية، ويستولي على أي دور يمنح له منذ «الاستحواذ على اليوم» 1986 و «الوكيل السري» 1996و«صورة ساعة واحدة» 2002 و«أرق» 2002، هو وليامز الشاذ الذي اقترب من التجاوز على التمثيل نفسه.
تحرير الذكريات
الحكاية لا تنحصر بالرقائق التي تزرع في الدماغ وتخلد الذكريات، بقدر ما كانت مهمة لوليامز للتحرر من هذه الذكريات، الذنوب والحسنات، الوثبات والاندحارات، للعالم والمتعلم، للجاني والمجني عليه، الزوغان منها، محاكمتها والانتصار عليها، وفي كل الأحوال خضّها لتدوم كما كانت.
يعيش وليامز وحده منفقا جلّ وقته في غرفة مكائنه الجارحة، في حين صديقته (ميرا سورفينو) يمزقها اليأس ما أن تخاطبه: «أنت ساحر.. كاهن .. أو محنط» (الاثنان حصلا على الأوسكار).
وهو محنط حقا في مومياء ذكرياته، محاولا إزالة آثار التعفن منها، نحن لا نعرف كم يتطلب ذلك من أداء فظيع لشخص يتلصص على ذكرياته!وهكذا، فما الغرابة إن بدا حزينا ومرهقا، بل محطما، كالملاك الذي جسده في «أجنحة الرغبة» على المسرح، كيف عليه تخطي الضعف والشر في حياة لا يشعر أنها ملكه، ان وجوده منحصر كونه حامل ذكريات حياة أخرى.
إن أي حبكة تسيّر الفيلم لا تكون مهمة، مقارنة بفكرته الكبرى، فلن يشغلنا الغني المسيء للأطفال والفاسد تشارلز بانيستر الذي خلف وراءه أرملة ثرية (ستيفاني رومانوف) تستأجر ألن هاكمان بأموالها ليعيد لها ذكريات زوجها التي سجلها منذ ولادته على شريحة خاصة، كإشارة لانسحاق البشر في أقصى درجات الاستغلال، وهذه المرة ليس الجسد، بل عبودية الأفكار، فلا يوجد أقسى من أن يشتري أحد ما دماغك.

تذكر لي
يلعب جون فليتشر (جيم كافزيل) دور زعيم مجموعة تعارض الـ Rememories أو أولئك الذين يستأجرون أحدا ما «ليتذكر لهم»، مستندين على التعاليم الكاثوليكية في أن الله هو الذي يراقبنا دائما وليست الملفات الرقمية.
والشريط الذي استقبل في خانة «الخيال العلمي»، هو مأساة معالجة بطريقة حسنة للغاية ودراما مرضية، بفضل وليامز الذي حقق نجاحا استثنائيا في تقديم شخصيتين في لحظة واحدة، والتحول من واحدة إلى أخرى بطريقة لا تصدق في تلك الاختلاجات التي يحدثها داخل فمه وخارجه، واهتزازات ذقنه، وقدح عينيه. وقد أشعرنا أن حتى شعره يمثل. فيما تمكن عمر نعيم من إعادة الدراما الحيوية والكوميديا الحزينة إلى السينما الأميركية التي تميزت بالجفاف وشغفها بالإثارة، فلا وجود لبهرجة. وتاريخ نعيم السابق في إنتاج الأفلام الوثائقية جعله يعتمد على تقنيات بسيطة تكفي لتصوير مسرحية. وخلافا لأفلام الخيال العلمي، ليس هناك روبوتات ولا مركبات فضائية ولا طائرات، ففي الشريط رمزية عالية وأفكار ثقيلة.
حوافز درامية
استرجاع صحيح لألن الطفل المتورط في موت عرضي لولد آخر، ما يتسبب في ملاحقته طوال السنوات الأربعين اللاحقة من حياته مطاردا بذنبه القديم وحاملا الذنوب الكبيرة لميت جديد.
إنه لأمر ممتع، أن نجد سينما باطنية يقدمها روبن وليامز بثبات كمعلم للفن الشاق، عائم في كآبته السعيدة ما بين المحيطين، أولئك المنكمشون السابقون، القتلة، المجانين، المجرمون الكتومون، حملة الأحلام التي لن تجيء أبدا والأسرار القذرة والذنوب التي لا تغتفر. هو المهووس الدائم للسينما المعاصرة بشخصيته الحقيقية اللطيفة، الغريبة، الأشد غرابة حتى من العبقري أنطوني هوبكنز.
لقد وجد وليامز أجواءه المثالية في قصة مثيرة نفسيا وسوداوية وفيها قليل من الرنين، مقنعة ومتفوقة الشعور بالأسى والأوهام، عديمة الرحمة.

المخرج عمر نعيم
إنه الفيلم الروائي الطويل الأول لعمر نعيم، وكل من شاهده لابد أن يحمل الشوق نفسه لمعرفة ماذا سيكون العمل التالي لهذا المنتج والمخرج الموهوب الذي فاجأ الجمهور بفكرته المثيرة. ولد في لبنان عام 1977 وهو ابن المبدعة الكبيرة نضال الأشقر رئيسة ومؤسسة «مسرح المدينة». قدم الكثير من الأفلام الوثائقية الطموحة وأنتج أغلبها، وعمل مع كبار السينمائيين في العالم مثل مارتن سكورزيسي وودي آلن وأوليفر ستون وغيرهم.
درس السينما في كلية ايمرسون في بوسطن وأخرج فيلمه القصير الأول «حكاية بيروت» عام 1999 كاطروحة تخرج. وفي غضون 28 دقيقة سلط الضوء فيها على مسرح بيروت الذي هشمته الحرب الأهلية، ونال عدة جوائز.

Miracle at St. Anna

يهدينا الشريط بعض المشاهد المتألقة، والكثير منها يحتاج إلى التحرير المتماسك لكاتب مخطوطة السيناريو الأميركي من أصول أفريقية جيمس مك برايد، مستندا الى الرواية نفسها التي كتبها ولاقت رواجا بعد نشرها عام 2002، وبالمناسبة، فانه كان أحد الجنود الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية. حكايته تتضمن أربعة جنود مشاة أميركيين من أصول أفريقية، مهمتهم العمل خلف خطوط العدو خلال الحرب العالمية الثانية، ولكي يدعم مك برايد قصته جيدا، استعان بما تيسر لديه من خبرة وأرشيف واحدة من مجازر المحنة الكونية، ودارت حول «معجزة» إنقاذ طفل إيطالي في غضون مجزرة سانت آنا التي ارتكبتها القوات الخاصة النازية «أس أس» وراح ضحيتها 560 مدنيا بينهم 106 أطفال والباقي أغلبهم نساء. وأطرها من خلال عجوز من أصول أفريقية يشاهد فيلما لجون وين يعرضه التلفزيون، ولكي يضعنا في قلب الموضوع يزج تمتمة على لسانه: «قاتلنا في تلك الحرب أيضا». وسنأتي لتفسير هذه الجملة التي ينحصر فيها هدف الفيلم.
المشاهد الغريبة
متألقة سنتعرف عليه جيدا بعد أن نراه في اليوم التالي من شتاء 1983 متوجها إلى مكتب البريد في نيويورك حيث يعمل، ولكن المباغتة الحقيقية، أن الشريط سيخبرنا في النهاية فحسب، من هو، ولماذا يعمل هناك. وفي الحقيقة لا نعلم حقا إن كنا بحاجة إلى مشهد الافتتاح هذا.وكم كان الأمر يبدو أكثر عمقا لو اكتفينا بمشهد الإغلاق: أترك الرجل يسير ببطء، أو أدعه يتسلق إلى الأعلى، ليتسنى لي فتح النهاية على أفقها، وسيكون ذلك أعمق من جرجرته للركون إلى الشاطئ، وهذا ما كنا نقصده في الفارق بين «المشاهد المتالقة» وتلك التي تعاني من نقائص. لا اختلاف إن كانت «المشاهد غريبة»، لأن الفن يتعطش للغرائب دائما، ولكن هل من الضروري جدا جلوس الجنود الأربعة في مطعم محلي، بينما يرتاح أربعة أسرى ألمان في كشك قريب؟

العنصرية المزدوجة
مثل هذه المعالجات وزج قضية عنصرية البيض في منتصف القرن الفائت لا ينبغي أن تضيف الكراهية إلى النازيين الذين لم يخفوا عنصريتهم، ولم يتركوا سوأة إلا وعملوها، وكذلك لا نعتقد أن ثمة مشاهد يتحسر عليها لو حذفت، كتلك المجادلة واهانات الضباط البيض لمن يقاتل - وكما تذكر المخطوطة بطريقة مباشرة وخطابية لا تجارى : للذي يقاتل من أجل أطفاله وأحفاده وبسبب ايمانه بمستقبله وولائه لرفاقه في السلاح! ما هذا؟ هل نحن نتابع خطابا حماسيا دسّ فجأة أو انزلق سهوا في الشريط؟ وللآن لم نسجل أي اعتراض على جوهر سينما الحرب الأميركية في أن جنودهم لابد وأن ينقذوا أطفال الآخرين أو نساءهم ، مخاطرين بحياتهم بالطبع. وكم يكون الأمر رائعا لو كان الجنود من أصول أفريقية وبورتريكي لكي تعد طبخة مناهضة العنصرية جاهزة.

تأثير أفلام الحرب
والمخرج سبيك لي لم يفلح في الإفلات من الشريط الأقوى بكثير «إنقاذ الجندي رايان» الذي وقره النقاد والعامة على السواء، وحمل بصمته الخاصة في أفلام الحرب والسينما بشكل عام ، لكونه أحكم صنعته، ولم يعتمد على الاستعراض الضخم للمعارك والمساومات العرقية في الحوار وتأثيراته العميقة التي رزق بها من حادث بسيط.
ومن المحتم أن نسأل فيما إذا قدم الشريط شيئا جديدا مقارنة بملاحم الحرب مثل «اليوم الأطول» 1962 و«الأحمر» 1980 وغيرها.

من أجل المذبحة
وكان على سبيك لي أن يحرك جنوده الأربعة في خريف 1944: ديريك لوك ومايكل إيلي وألونسو لاز وبنسن ميللر في قرية كلونورا، ويعبر بهم نهر تسكانيا، متقدمين أو منسحبين، وفي تلك الأثناء لم نكن على دراية بشأن تمثال فلورنسا ومغزى حمله، ولا الدور الحقيقي للطفل أنجيلو (ماتيو سكيبوردي) والظهور السريع لريناتا كامرأة قروية جريئة وجذابة تنتمي إلى مكان يعادي النازيين، لتساعد في اشتراك كل القرويين في المعركة، تعاطف يصل إلى الموت، بلا أي تمهيد، غير استنادها إلى أحداث وقعت فعلا.
تماما، كالرابط المفقود بين أنجيلو والقطار الذي لم يبد واقعيا، على عكس الكاميرا التي كانت تحب أداءه، وكذلك الرقص في الكنيسة المحلية والموسيقى الصادحة والتطورات الرومانسية التي جعلتنا نتابع مشاهد من مسرحية موسيقية وليست عملية خلف خطوط مكان يغص بالنازيين.
من المحتمل أن ما أوردناه لم يكن مشكلة السيناريو ولا الإخراج، فالكثير من المنتجين يتمسكون بمفاهيمهم الخاصة التي يرون أنها تصب لمصلحة الفيلم لكي يجعلوه أقصر وأسرع وأكثر إثارة وتنوعا وخيالا وعنفا، لكن هذه العناصر كلما زادت أو أقحمت تجعله ضئيلا فنيا، ولعل مسعى المنتجين خاب حينما سجل نسبة حضور متدنية في افتتاحه، ولم يتجاوز ايراده 3 ملايين دولار في غضون عرضه في الأسبوع الأول.

أول بطولة
وبالمناسبة، هذا الشريط، من القلائل جدا من الأفلام التي سلطت إنارتها على الجنود من أصول أفريقية الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، فأغلب سينما الحرب الأميركية كانت تظهرهم في حروب أخرى في مقدمتها فيتنام، ولكن ذاكرتنا لا تقودنا إلى فيلم أميركي عن الحرب العالمية بطلها من ذوي الأصول الأفريقية، فكل الأميركيين الشجعان الذين ضحوا بحياتهم من أجل حرية أوروبا كانوا بيضا، بداية من جون وين وباقي نجوم هوليوود. لذلك جاءت عبارة المفتتح التي ذكرناها في المقدمة.
وهو أكبر تناقض عاشته سينما الحرب الأميركية حيث كانت في أفضل الأحوال تظهر الجنود من أصول أفريقية يطبخون، ينظفون، يقودون الشاحنات، لكنها لم تفسح لهم المجال لكي يحاربوا في أفلامها.
غير أن شريطنا المختار أراد القول إن الرجال الأميركيين الأفريقيين حاربوا الفاشية باسم الديموقراطية وهم ما زالوا مواطنين من الدرجة الثانية.

إعادة تفسير التاريخ
وهي إشكالية ومسؤولية كبرى، كما يقال «إعادة كتابة التاريخ» عبر الفن، لاسيما أن ضحايا سانت آنا - دي ستازيما لا يزال البعض منهم أحياء، لذلك لا ينبغي أن تكون إعادة البناء خاطئة، وهذا ما حصل فعلا عندما استفز عرضه في إيطاليا جيوفاني كيبللوني الذي عاصر تلك الأحداث ويحترف السياسة حاليا، والذي لم يتردد بوصف الشريط بأنه «تحريف للتاريخ»، وأيده في ذلك عمدة القرية المنكوبة.
من جانب آخر، يملك مك برايد الحق في تفسير التاريخ، حتى لو لم يكن تاريخه، فإذا كنت لم تعالج تاريخك بعد، دعني أعمل قصة عنه (هذا ما دعا إليه بالفعل المخرج سبيك لي)، وأخلاقيا، لا يحق لأحد الاعتراض على نظرة الروائي، أيا كانت مقاصده، فإن كان يحرّف التاريخ، فالتاريخ سيحرّفه أيضا.

08‏/07‏/2009

Coco Chanel & Igor Stravinsky

PDF

من فضائل السينما، أنها تعيدنا،متى اكتملت عناصرها، إلى أي زمن، كما ظفرنا باسترجاع فاخر لعشرينات فرنسا، وصورة مقربة لعلاقة ربطت اثنين من أهم ايقونات القرن العشرين، كتقاطع ثرّ بين الثقافة والفن، لحملة أسلوب عبقري كل في مجاله: كوكو شانيل وإيغور سترافينسكي اللذان سطرا فصلا عاطفيا دخل في أساطير الحب للمجتمع الغربي قبل الحرب العالمية الثانية، التحام عابر لثنائي أحدث كل منهما ثورته مغيرين النمط السائد في زمانهما بالتداخل الذي فرض أسلوبهما على المجتمع طوال عقود.
Coco Chanel parle de la mode

شانيل العصامية
السينما الفرنسية تدخل بقوتها لتصوير ثالث فيلم عن «غابريال» (ستكون فيما بعد كوكو شانيل) التي فقدت أمها في الثانية عشرة من عمرها، وتركها والدها مخلفا في عهدتها خمسة أشقاء في دار للأيتام، لتضطر إلى العمل بالأجر اليومي لدى خياطة محلية لتتحول إلى أشهر مصممة أزياء وعطور وإكسسوارات في القرن العشرين ولغاية اليوم، حيث مضى على وفاتها 40 عاما.
Coco Chanel and Igor Stravinsky

لا يزال أسلوبها المبتكر في الأناقة الذي حررت فيه الملابس من الزخرفات الزائدة وتشذيبها التايور التويد والاحذية ذات اللونين والقبعات والحقيبة المبطنة ذات السلسلة الذهبية وغيرها من بصمات التغيير الذي أحدثته في عالم الجمال ابتداء من أول دار للأزياء افتتحتها عام 1919 – باريس وأول عطر «شانيل – 5»، محدثة كل عام صدمة جديدة في الموضة جعلت الأمراء والدوقات ورؤساء الحكومات يتمنون لقاءها، لغاية وفاتها في منفاها الاختياري بعمر 87 عاما في ريتز - لوزان ودفنت في سويسرا، تاركة ملايين لا تحصى من «مجانين شانيل».
سيدات العصر
تعمدت بعد مشاهدتي «كوكو شانيل وإيغور سترافينسكي»، مشاهدة فيلمين كلاسيكيين عن ماري أنطوانيت وإديث بياف، محاولا البحث في العناصر المأساوية التي تربط النساء الثلاث، الحظ، العمل الشاق، اليتم، البحث عن الحب، الأجواء الارستقراطية في ذلك الوقت، استقلالية المرأة الفرنسية واستماتتها من أجل تحقيقها، مراقبة الملابس والتصاميم والتركيز على اللونين الأسود والأبيض، وكذلك إدهاش الفن الأصيل.
فماذا يعني أن ترتدي كوكو شانيل البنطلون، بينما الناس من حولها كانوا في الملابس الإدواردية!
الإثارة لا تنحصر في جرأة شانيل التي امتلكتها عام 1919، بل لأنها كانت حالمة، ولو ننظر قرنا للوراء، سنجد كم كانت هذه المرأة مدهشة. فمن كان يفكر في عام 1913 تقديم الملابس الرياضية للنساء في محلها الجديد في Deauville؟

CHANEL

إن شانيل بهذه الخطوة الجبارة شكلت «جيلا جديدا» من النساء الواثقات بأنفسهن وأخرجتهن من ارتداء ملابس القطيع وكما قالت مرة: «أعطيت النساء إحساس الحرية، أنا أعدتهن إلى أجسادهن، الأجساد التي نقـّعت بالعرق، بسبب البطانات والكورسيهات والملابس الداخلية الخشنة». وهي لم تفكر أو تعمل لخدمة نساء المجتمع الراقي، كما هو شائع عنها، بل كان جمهور أزيائها متنوعا ومتاحا للجميع تقريبا، بعد تقديمها تصميم السترة مع الجينز الذي افتتحته الرائعة كاترين دينوف. ناقلو الأجواء المهيبة
Fashions Of The 1920's

وبكامل الهيبة سنستمع في الشريط إلى موسيقى سترافينسكي الخالدة والمحرضة بغزارة نتيجة العمل الجاد للموسيقى التصويرية لغابرييل يارد (الفائز بأوسكار أفضل موسيقى تصويرية عن فيلم «المريض الإنكليزي») والمجموعة الرائعة التي قدمتها مصممة الأزياء ماري هيلين سولموني التي أرجعت كل من شاهد الفيلم لأجواء العشرينات لغاية الأربعينات وإشراف فاب شاتوني على كل الملحقات الخاصة بالإكسسوارات، تاركين الفن يتحدث عن نفسه، وإن وجد نفسه في الأماكن الضيقة.
CHANEL: Défilé de la collection 1959

زمان الترف والجمال
ستدخل كاميرات مدير التصوير ديفيد إينغارو الفيللا الأنيقة لكوكو شانيل التي لا تجد صعوبة لرؤية باليه في مسرح دي شانزليزيه لموسيقار روسي شاب متمرد على القديم ومتعصب للتجريب. وكما في رواية كرس غرينهالغ الذي يعتني بعلم النفس والفن في أعماله مشتركا بكتابة السيناريو سوية مع كارلو دي بوينتيني، فإن المخرج الهولندي يان كونين عبر العتبات نفسها لزمن الترف، مفتتحا شريطه بباليه سترافينسكي 1913 Sacre du printemps «طقوس الربيع» بدفع من سيرجي دياغيلف لمنظم حفلات الباليه الذي سينضم بعد سبع سنوات لمجموعة أصدقاء شانيل مثل بيكاسو وليفار وسلفادور دالي وبول موران وكوكتو وشابلن وحتى تشرشل، بالإضافة إلى سترافينسكي الذي كان يتعرض حينها لانتقادات الجمهور البورجوازي الغاضب على ألحانه الساخنة وطريقته التجريبية في مزج الرقص بالموسيقى، وذلك النشاط الملتهب على المسرح الذي لم يتعوده مشاهد الباليه الكلاسيكي وقتذاك.
Coco Avant Chanel - L'amore prima del mito

يعرف تاريخ الموسيقى جيدا الصدمة الكبيرة التي أحدثها عرض «طقوس الربيع» في باريس – 1913 حين حرر سترافينسكي الباليه من قيود المدرسة الفرنسية، وذلك الـ scandales الفني العظيم الذي اعتبر الأهم في القرن العشرين، ناقلا ملكية الباليه من باريس إلى موسكو ليومنا هذا والذي قوبل حينها بقطع الإنارة عن الجمهور الصاخب والحزين للانتهاك الذي تعرض له الباليه على يد الشاب الروسي الذي تعرض لعملية طرد كنفاية ضارة.

قدما نحو الحب
ايغور سترافينسكي (الممثل الدانمركي مادس ميكلسن) كان رجلا نقيا تملؤه كرامة «عزيز قوم» وجد نفسه هاربا من حكم الرعاع في روسيا، وهذا أثر في مزاجه الفني الذي أصبح كئيبا حتى عندما يعزف على البيانو ويكتب ألحانه على الورقة بخشونة، بينما كوكو شانيل (النجمة الفرنسية الصاعدة آنا موغلاليس)، وإن كانت يتيمة ومعوزة، لكنها امتلكت الوجه والرقبة الطويلة للارستقراطيين وتتميز بهدوء طباعهم، وعيناها السوداوان تناسقتا مع شعرها، وفي الوقت الذي كانت فيه تبحث عن عطرها، كان إيغور يفتش عن موسيقاه. وبعد رفضه لمالها، ستدعو شانيل، إيغور وزوجته كاترين (إلينا موروزوفا) بعد أن اضطر للهرب من روسيا، يستقر بعدها أطفالهما الأربعة اللطيفون في فيللا مستأجرة في بيل ريسبيرو، حيث تقترب مشاعرهما، التي أدركتها الزوجة المريضة كاترين مباشرة، وبالمستطاع تخمين التوتر في هذه الفيللا والذي لم يكن من المتاح احتواؤه إلى الأبد.

ذلك لأن الحب يشكل نفسه دائما، بين شخصين مشحونين جنسيا وذوي إرادة قوية لكي تكون الأنا لديهما في الدرجة نفسها من الحرارة، لا يتطفل عليها الفن ولا عائلة ايغور، ولابد أن نسجل هنا الصعوبة التي واجهها يان كونين من أجل الوصول لعمق إلفة من هذا النوع وتأثيرها على الطرفين في حياتهما المستقبلية.
فليس من السهل على المشاهد المعاصر تقدير حالة سترافينسكي وما تعرض له هذا الشاب المتمرد على الموسيقى والباليه الكلاسيكيين، وماذا يعني أن يجد نفسه بلا مورد في المنفى مع زوجته المريضة وأطفاله الأربعة، حتى ترميه الأقدار في طريق شانيل المرأة المستقلة جدا والمستعدة لأن تكون عشيقة أي شخص، المحصنة ضد آلام الضمير، في أقصى نوباتها تعد علاقتها مع الزوج المحبّ «نزوة مؤقتة» لغاية استدانته الترفيه من قلعتها بما في ذلك دفع ثمن ذلك بممارسة الجنس معها بانتظام.
الحب الإشكالي
أصبح لدينا بعد هذا الربط فضاء كاف لاستكشاف العديد من القضايا، منها طبيعة الاشتباك بين شخصيتين تمتلكان قدرا استثنائيا من الطاقة والموهبة، ليس كتقدير رؤية كونين، بل ما هو أبعد، لأن الكتابة عن الحب وتمثيله وتصويره وإخراجه مسألة غاية في الصعوبة، ولعل هذا الموضوع المرتبط بالحب الإشكالي، هو الأصعب في الفن على الإطلاق.. يمكنك تصوير الجريمة، الرعب، الخيال العلمي، الحرب، الطبيعة، التاريخ، لكن في أفلام الحب، لاسيما الخاصة بالمشاهير، فإن الأمر يحتاج إلى مستوى داخلي مثير يلائم التسجيل الوثائقي، ولكي لا نرى لوحة الإنجازات: موسيقى سترافينسكي من جهة تقابلها ملابس شانيل الداخلية، مثل هذا الفن الملصوق بعضه مع البعض الآخر، لا معنى له، لأنك لا تقدر في النهاية أن تتخلى عن التركيز على السيرة على حساب اللباقة العاطفية، والعكس ضروري جدا أيضا.

وهم السينما
وهذا دور المخطوطة التي شارك في كتابتها الروائي والمخرج لأنها قاعدة الفيلم، لكن الأحداث ظهرت بلا خلفية والحوار بلا مغزى، ولا مجال لإقناعنا بأن الرواح والمجيء لكوكو العارية في غرفة النوم سيجعلنا نهتم بالمشهد السهل والمكرر والتقليدي كما هي حال مشاهد الزوجة كاترين الغيورة بعد كل لوحة جنسية.
إن اللحظات التي خدمت الشريط، تلك التي ألهم بها سترافينسكي العالم بسيمفونياته التي استخدم فيها الآلات الهوائية والقطع الخمس وتطوير شانيل لعطرها المعروف، وسنبقي الحكم مفتوحا على أداء مادس ميكلسن وحضوره محل عبقري الموسيقى وقدرة آنا موغلاليس للتوسط بيننا وملكة الأزياء وكآبتها المفتوحة على كل احتمالات الحب المتذبذب، لعلهما يجذبان الجمهور.
ونرى أن أهم إنجاز لكونين قدرته على إيهام السينما، وعرض مخلوقين عبقريين يلتئمان لكي يتحطما معا تكريما لوفاء سترافينسكي لزوجته، فيما تموت شانيل ضعيفة ووحيدة إلا من الطقس الربيعي الذي يجعلها ترى نفسها شابة وحية ترقص في باليه إيغور الوحشي.

دونت سيرة حياة كوكو شانيل المصممة الوحيدة التي اختيرت من بين أهم 100 شخصية أثرت في القرن العشرين، عشرة كتب، والعديد من المسرحيات وثلاثة أفلام، كان آخرها الشريط الذي استمتعنا بعرضه على هذه الصفحة واختتم مهرجان كان في دورته الأخيرة.
وقبله قامت المخرجة آنا فونتيني باقتباس حياتها في شريط تلفزيوني عن كتاب لأدموند شارل رو «ليريغوليير» وقامت بدورها فيه الممثلة أودري توتو وعرض في باريس أبريل الماضي.
أما النجمة شيرلي ماكلاين، فقدمت شانيل في الفيلم الذي حمل عنوان المصممة باشارة جانبية «سيدة الأسلوب».
وفي عام 1969 وأثناء حياتها مثلت حياتها الأسطورة الأخرى أودري هيبورن على مسرح برودواي.

03‏/07‏/2009

مايكل جاكسون في السينما

PDF


عرف العالم مايكل جاكسون كأحد أهم أساطيره الموسيقية، لكن ليس كل العالم مطلعا جيدا على إسهاماته في السينما، لاسيما في مجال الموسيقى التصويرية والمؤثرات الأخرى وكذلك تطويره لما يعرف الآن «الفيديو كليب» أو الموسيقى المصورة بتحقيقه طفرة نوعية فيها أجبرت شركات «متخصصة بالبيض» مثل «أم تي في» لتقديم هذا الفتى المنحدر من أصول أفريقية لأغنية Thriller التي عمل فيها خيرة الفنيين في هوليوود وأنتجت بمبلغ يفوق الكثير من الأفلام الروائية وساهمت في ظهور نموذج جديد للأغنية المصورة سينمائيا. وهكذا، لم يكن ملك البوب غريبا عن عالم السينما، سواء لعبه أدوار البطولة، أو ظهوره الشرفي في بعض الأفلام، ناهيك عن موسيقاه المصورة التي أبهرت المشاهدين في زمانه.

مخرجون كبار
والمثير أن سيناريوهات أغانيه وكذلك إخراجها قام بها كبار المخرجين في العالم مثل مارتن سكورزيسي في أغنية Bad وجون لاندز أخرج Thriller و«هم لا يهتمون بنا» They Don't Care About Us، وديفيد فينتشر لأغنية «من هو؟» ?Who Is It ونحو 20 أغنية مصورة قدمت «مايكلنا المفضل».

The Wiz
فيلم مغامرة موسيقي أخرجه سيدني لوميت عام 1978 وقامت ببطولته ديانا روز كمعلمة للأطفال من أصول أفريقية في حي هارلم المكتظ بهم: مايكل جاكسون ونيبسي روسل ولينا هورني وتيد روس وتيريزا ميريت وريتشارد بريور وستانلي جرين.. وأنتجه روب كوهين.
سيناريو جويل شوماخر عن رواية شعبية لفرانك بوم يحيلنا الى العالم السريالي لذوي الأصول الأفريقية في نيويورك الذين اعتمد عليهم الشريط كليا؛ أولئك الرجال المختلطين مع حاويات القمامة، العمال الذين يقضون يومهم في كسب العيش والأطفال الذين يعرفون الموسيقى أكثر مما تحويه المكتبة العامة للمدينة. اعتمد الشريط على المسرحية الغنائية لبرودواي وأغاني لوثر فاندروز الذي أطلق وقتها مجموعة من موسيقاه الجديدة بالاعتماد على مجموعة songwriting نيكولاس آشفورد وفاليري سيمبسن.
وبالرغم من أن الفيلم فشل تجاريا ونقديا وأشر إلى نهاية نهوض أفلام الأميركيين الأفارقة التي كانت قد نشطت بفضل الحركة الفنية Blaxploitation في مطلع السبعينات، فإنه رشح إلى أربع جوائز للأكاديمية السينمائية كأفضل: اتجاه فني، تصميم وملابس، موسيقى أصلية وأفضل إنتاج.
حبكته بسيطة محورها يدور على المعلمة دوروثي (ديانا روس) التي تعيش مع عمتها (تيريزا ميريت) وعمها هنري (ستانلي غرين) الانطوائي جداً، وبدورها تحاول دوروثي الاستقلال بحياتها.
وفي غضون الاحتفال بعيد الشكر، يحاول كلب دوروثي (توتو) استقبال العيد بطريقته، فينسل من باب المطبخ ليتيه وسط عاصفة ثلجية ويتحتم عليه مواجهة المدينة لأول مرة، ليقابل في الصباح التالي مايكل جاكسون ويتصادقان بمشاركة العديد من سكان الصفيح والمومسات والسحرة والمشردين، ليجنح الشريط نحو المطاردات والمغامرات التي تتخللها الموسيقى والرقص مذكرتنا بأغنية «لا تستطيع الربح» لمايكل جاكسون و«أسفل الطريق» لمايكل ودايان روس التي غنت «البيت» أيضا، وهو فيلم للحنين لا يوجد سبب لدينا الآن لمراجعة عيوبه.

المشي على القمر
قدمه المخرج كولون تشيفرز عام 1988 بعد أربع سنوات من الإعداد بعنوان جانبي «الأسطورة تستمر»، من إنتاج دينيس جونز وجيري كرامير، كتب السيناريو ديفيد نيومان مستندا الى قصة كتبها مايكل جاكسون نفسه وأدار التصوير جون هورا وموسيقى بروس بروتون وشارك مايكل جاكسون كل من: شون لينون وكيلي باركر وبراندون آدامز.
والشريط قريب الى أن يكون السيرة الذاتية لمايكل جاكسون، وهو قطعة موسيقية مليئة بالرقص والأطفال والمؤثرات الجديدة وقتذاك، ويبدو كأن السيناريو اهتم بربط أغاني مايكل جاكسون بعضها مع الآخر وأفلح في تقديم شريط منظم ومحترف وممتع في الوقت نفسه. خلال 93 دقيقة يسترجع الشريط أغاني مايكل المبكرة حينما كان مع مجموعته يقلدون أغاني براندون آدامز والتعليقات التي نالها جاكسون في الصحف الشعبية تصاحبها قطع من الصور المتحركة التي نفذها جيم بلاشفيلد ومحاولات مايكل الصغير في تحوير أغاني البيتلز بأسلوبه الخاص، لاسيما تقليده الإنسان الآلي وحركاته المبتكرة التي عشقها العالم في غضون تصويره الأغنية التي تحمل الاسم ذاته.

رجل في المرآة
سيرة سينمائية أنتجت عن حياة مايكل جاكسون عام 2004، متنقلة في محطات مختلفة من حياته المشحونة بالمال والشهرة والغرابة والفضيحة والنجاح والعزلة والحزن.
مراجعة مؤلمة منذ بداياته الشجاعة مع عائلته البائسة في غاري ومن ثم أنديانا ومجموعة «جاكسون – 5» لغاية نجاح ألبومات الثمانينات حتى الهبوط القياسي لمبيعاته واتهاماته بالسلوك المنحرف مع الأطفال في مدينة الملاهي التي شيدها في Neverland.
بينما التسعينيات تنتهي، يبدأ مايكل بتوضيح سلوكه في المقابلة التي صاحبها برنامج وثائقي ( الأولى مع أوبرا وينفري 1993 والثانية الأبرز في نهاية التسعينات مع مقدم لا أتذكره) يتحدث فيها الموسيقي المشهور جدا تحت ضوء خافت معترفا بحبه للعلاقات مع الأطفال ويعتبرها مجرد علاقات إنسانية دافعها العطف والحب، تلك الاعترافات التي قادته في النهاية ليوضع تحت الحراسة المشددة وتجذب الكثيرين لإلقاء التهم عليه من كل صوب.
نعتقد أن دقائق الفيلم الـ 86 كانت معصورة بلا موسيقى، بحيث لا تمنح المجال لا العطف على ملك البوب ولا الغضب عليه، كما أن الشريط قفز على مراحل كثيرة من حياة مايكل لا تعفي أي مرآة لتجاهلها. والفيلم أنتج في وقت غير مناسب، حيث كان العالم يتابع أخبار محاكمة جاكسون والظروف المتعبة التي كانت تحيط به، ناهيك عن التقديرات التافهة التي تم تكديسها ضد ماضي الطفل السابع لعائلة جاكسون ومشاجراته مع أبيه القاسي والتقييم السطحي لثقافة البوب والتركيز على سلوك جاكسون الشاذ لمشاركته السرير مع الأطفال وكأنه يحاول رمي هذه القنبلة التي لم تعد كذلك بعد محاكمة الموسيقي العلنية.
سيتم تفادي شهادات راعيته الروحية الصديقة والممثلة إليزابيث تايلور ودس ممثلة مغمورة للعب دور جانيت جاكسون كما الحال بالنسبة لكريستا راي وليسا ماري بريلسي كزوجة محبطة لا تملك أي حيلة تجاه زوجها الغريب.
ومن الواضح أن قصة مايكل جاكسون لم تكتبها وتخرجها السينما بعد، ولعل الفترة اللاحقة مهيأة لحدث فني من هذا النوع، ولكي يظهر فيلم سينمائي عن ملك البوب، عليه البداية مع ذلك الطفل الذي اجتاز الطريق وحيدا ووضع مسافة ما بين المبدع الكبير وفضائحه ولا ينبغي أن يتحول الفن إلى سوط يجلد من شيده.
لقد كان شريط «رجل في المرآة» رخيصا ولم يتحمل ثقل الملك ومنخفضا حتى في المعايير الفنية واعتماده على شرائط الفيديو لم يكن موفقا بالمرة، ناهيك عن توقيت عرضه الخبيث.

ألم يكن هذا الرجل مفيدا؟!
ملك الموسيقى الشعبية بلا منازع، أثر على كل الأجيال التي ظهرت بعده (لا يقارعه غير الفيس بريسلي والبيتلز) واستطاع إدخال التصوير السينمائي بقوة في أغانيه وحشد فيها سيناريوهات مثيرة وساعد على انتعاش الفيديو وأدخل تقنيات للرقص معقدة جدا كالإنسان الآلي والمشي على القمر والتحكم الرهيب بجسمه أثناء الميلان بزاوية 45 درجة إلى الأمام وأسلوبه الصوتي المتميز الذي غيـّر الهيب هوب والبوب المعاصر عبر أجيال غير محددة.
ومايكل جاكسون تهوى الصحافة نشر أنباء «شذوذه»، ولسبب ما تتحاشى ذكر تبرعه بمئات الملايين من ثروته لبناء مؤسسات نافعة. فقد كان يدعم 39 جمعية خيرية ورعى ماليا مركز بروتمان الطبي في مدينة كولفير في كاليفورنيا و«صندوق الزنوج» الذي كان يضخ فيه سنويا نسبة محددة من إيراداته، ودعاه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان والسيدة نانسي ريغان في مايو 1984 ليسلموه درع الإنجازات الخيرية باسم الأمة الأميركية وكان يتبرع بعد كل جولة خارجية بمليوني دولار للفقراء بغض النظر عن لونهم وجنسهم، كذلك تبرع بكل إيرادات فيلم «رجل في المرآة» إلى الفقراء.
وهذا الرجل كتب بالمشاركة مع ليونيل ريتشي كلمات وموسيقى أغنيته الشهيرة «نحن العالم» التي حولت أنظار المجتمع الدولي لمساعدة الفقراء في أفريقيا وخصص 20 مليون دولار من مبيعاته لمكافحة المجاعة. وبعد تحطيمه الرقم القياسي في أحد الجولات التي ربح فيها 125 مليون دولار منح أغلبها إلى المستشفيات وملاجئ الأيتام والمنظمات الخيرية المختلفة.
وأسس مايكل مؤسسة «المشفى العالمي» عام 1992 التي كانت ترسل ملايين الدولارات كل عام إلى أطفال الدول التي تهددها الحروب والأمراض. كما تبرع بحقوق إذاعة أغانيه عبر «أتش بي أو» التي اعتبرت صفقة قياسية حينها، لمراكز بحوث الأيدز، وفعل الشيء نفسه بعوائد حضوره تنصيب الرؤساء جورج بوش وبيل كلينتون.
نال 13 جائزة غرامي ( بما فيها أفضل ألبوم للأطفال وجائزة خاصة سميت باسمه «الأسطورة الحية» في الدورة 35 في لوس أنجلوس ) وباع 750 مليون تسجيلا متنوعا مع 133 حفلا موسيقيا ضخما حول العالم وسجل الرقم القياسي في عدد الجمهور الذي يحضر حفلا موسيقيا حينما استمع إليه 4.4 ملايين شخص بشكل مباشر.