25‏/03‏/2009

The Reader

الموت خجلا
رواية الكاتب الألماني بيرنهارد شيلينغ راجت على نطاق عالمي واسع منذ إصدارها عام 1995 وهي تدخل فيما يمكن أن نطلق عليه «أدب المحرقة». ورغم أن الرواية أرادت الاختلاف عن سلسلة روايات المحرقة، فإنها تأسست على القواعد ذاتها، وخالفتها في أن الضحايا صاروا سجانين. بمعنى، إبراز الجلاد كضحية، بالتقاط حارسة سابقة في قوات «أس أس» النازية الخاصة ((1944) ليبدأ رصدها زمنيا منذ 1958 في علاقة استثنائية مع مراهق يحمل نصف عمرها، انحصرت علاقته فيه بالجنس والقراءة.
فيلم ستيفن دالدري يشد الأحاسيس بطريقة مثيرة، بتقديمه رزمة فاخرة من النصوص الشعرية لهوميروس وقصة «السيدة ذات الكلب الصغير» لأنتون تشيخوف كانا كنصوص خلفية لرواية تاريخ الخزي والحيرة للمرأة الوحيدة التي بدأت تدخل العالم من الحرف الذي كانت تجهله، لغاية النهاية التي ستصعد فيها على تل الأحرف معلنة انتهاء الخجل من الماضي.

هانا شميدت (كيت وينسلت) الباردة والحادة والمرتبكة والمتعثرة والحازمة تجبي التذاكر في الترام ومايكل بيرغ بعمر 15 سنة (الممثل الألماني الشاب ديفيد كروس) ينتمي الى عائلة متوسطة صارمة التربية يهرول بعد المدرسة ليكمل تعليمه الغرامي على يد المرأة الوحيدة وينسلت التي لم يكن معها المخرج دالدري متعقلا فنيا بإكثاره مشاهد العري غير الداعمة للسياق، والتي أجبرت الفائزة بأوسكار أفضل ممثلة 2009 لإشهار قرارها بعدم التعري ثانية في أفلامها القادمة، ولعلها رأت بأم عينيها، أنها لم تعد تلك الفتاة التي بدأت ترقّيها في السينما عبر المشاهد الساخنة.


سيستغرقان بقراءة هوميروس مرورا بتشيخوف وبرواية د. هـ لورنس «عشيق الليدي تشاترلي» لغاية خروج هانا الغامض من شقتها حاملة حقائبها دون توديع مايكل، ثم يقفز مدير الفيلم 8 سنوات إلى 1966 حيث مايكل طالب قانون تحت إشراف الأستاذ رول ( غانز برونو) ليشكل منه وأربعة زملاء آخرين لم نسمعهم يتنفسون، عدا واحدا، مجموعة سيمنار لحضور صنف من المحاكمات التي أصبحت نادرة منتصف الستينات لنساء متوسطات العمر كنّ يعملن حارسات في قوات «أس أس» التي اشرفت ونفذت حملة مطاردة وتعذيب وإبادة اليهود في أوروبا وألمانيا، وبالطبع لابد أن يصيب مايكل الرعب وهو ينظر إلى الأرض عندما سمع باسم هانا شميدت تتحدث، بذات الصوت الذي نقله إلى شقتها الرثة في طريق المدرسة القديمة. سيكبر مايكل ليأخذ دوره (رالف فاينيس) كمحام متمرس بالقضايا الكبرى لديه ابنة تحمل اسم هانا أيضا ويعترف لها «لم أكن منفتحا معك، لست منفتحا مع أي أحد» منهيا غموضه بإزاحة الأزهار عن شاهدة قبر هانا، ملهمته في القراءة والحياة والحب.

عربة اسمها الزمن
يبدأ الشريط لمايكل الذي يشاهد نفسه في عربة الزمن عبر نافذة، سيرجع إلى نوستد ألمانيا الغربية 1958 - 1995 وهو الزمن الذي حدده الإنتاج. ستأخذ العائلة الحيز الأول لمن يحيط بمايكل، شقيقته ايميلي التي تنصحها أمها بالابتعاد عنه لأن الحمى القلاعية التي أصابته معدية، في الوقت نفسه سيقول لها: «ساعدتني امرأة.. هي التي جلبتني الى البيت»، لم تساله أمه كيف ولماذا، بل سألته: هل تعرف عنوانها؟ بمعنى اذهب لها واشكرها حاملا الورد. المرأة هي محصلة تذاكر في باص عمومي (هانا) التي فوجئ بشقتها المتواضعة وتعاملها الجاف وأول مرة تنظر في وجهه حينما قال لها: لا شيء أفعله، لا أستطيع حتى أن أكون مهتما بالقراءة. نظرتها إليه عندما لم يمنع نفسه من التلصص عليها وهي تغير ملابسها كانت الالتقاء الأول، والثاني عندما ردت صاع التلصص بصاعين، حينما أعدت له الحمام وشجعته على التعري: «هل أنت متعود الاستحمام ببنطالك؟». لا يعرف عنها أي شيء ( تذكير بـ«التانغو الأخير في باريس»)، بعد ثلاثة لقاءات حميمة سألها عن اسمها، استغربت هذا السؤال، هانا - الاسم الذي يبدو مريبا جدا ومايكل، الاقتراب وئيدا لمعرفة بعضهم الاخر.. يدرس اللاتينية، حتما سيقرأ له مقطع من هوراس، هكذا البداية اذن.. الجنس تقدم على الثرثرة في اللغة اللاتينية.

الرحلة الطويلة
كيف تعرفين أنه رائع، مادمت لا تعرفين اللغة؟ ابتهجت بفخر عندما علمت أنه يدرس المسرح، كان يخرج من حقيبته الكتاب تلو الآخر، ها هو يكتب المسرح بالفعل، يحدثها عن مسرحية غوتهلد إيفرايم ليزيج «اميليا غالوتي»أنت جيد في القراءة.. لم أعلم بأني كنت جيدا في أي شيء لكنها المطلع: «الرحلة الطويلة» لهوميروس.
لم تخف أبدا تسلط الراشدين، وبدوره تماشى مع خنوع التلاميذ، في البداية كان الجنس ثم القراءة، بعد 4 اسابيع سينعكس هذا الجدول، الأشعار الكلاسيكية ستنهال عليها، المسرح الخالد والحوارات الفخمة، تبكي، تضحك، تتجهم، تقرف... كما الحياة.. الحياة.. معاناة أكثر..أحبها أكثر،،
الخطر سيزيد من حبي فقط..
ستترك الحياة مهما كان جميلا الدخول إليها
ستاخذك السماء،
تنظر إليها وتقول
أمر واحد يمكن أن يجعل الروح كاملة
ذلك الشيء هو الحب.
The Reader cover


كتب قصيدة عنها، ليست جاهزة، وعدها أنه سيتلوها لها يوما، كانت تتودد زميلة له في المدرسة، صوفيا، لكنها جاءت متأخرة بعض الشيء، فقد كان واقعا في الحب. حتى في عيد ميلاده حينما دعوه وفي مقدمتهم زميلته صوفيا للاحتفال، لم يكن أمامه سوى القول : آسف أنا واعدت شخصا آخر، هذا الاعتذار كان كافيا لأن تطرق الفتاة التي في عمره، رأسها إلى الأرض. خسرت اليوم. كانت تبكي، تتألم، لم تكن ممارسة الحب إلا نوعا من الوداع: الآن يمكنك أن تذهب إلى أصدقائك. تنظف كل شيء، تحمل حقائبها وتذهب، صوته الداخلي يدفعه الى ترك الشاطئ، لكنه وصل متأخرا، سينام على سرير الغرام الأملس من أي شيء كسطح صخور جرداء، متلمسا ضوءها. سيخاطبه الأب: اعتقد كلنا اعتقدنا أنك ستعود في النهاية، سيجد أول نهر، ليستغرق فيه عاريا، بحثا عن آثامه، لا غاسلا إياها. لقد كان عناقه مع النهر وتركيز الشمس على جسده لحظة التوق إلى البراءة، واحدة من أجمل لوحات الشريط، كما لقاءاته مع ابنته جوليا ( يا للمصادفة.. اسمها الحقيقي هانا هيرزبرينغ) بنظراتها الطيبة والمتسامحة والتي تعيش في باريس، أرادت الهرب من برلين فحسب، يخاطبها مايك المحامي والأب: كم أنت مخطئة.

الضحايا المتأخرون
سمع في واحدة من التطبيقات كمحام: هانا شميت في المحكمة ورأسه على الأرض.. نحن الان في عام 1966.. هانا ولادة 1922 وبعمر 43 الآن تحاكم انضمت إلى «أس أس» 1943 : حينما كانت تعمل في مصنع سيمينز وعرض عليها الترقية لماذا رفضتها وانضمت الى «أس أس»، سمعت بوجود وظائف هناك كحارس، الاتهام كان هو المساهمة في نقل سجينات يهوديات في شتاء 1944 فيما يسمى «مسيرات الموت»، ستبدأ رحلته نحو معرفة العدالة.. مرددا في ذاكرته محاضرة القانون: المجتمعات تعتقد أنها تحت سيطرة المبادئ الأخلاقية لكنها ليست كذلك، لأنها تحت سيطرة القانون. القانون حتى لو كان «ضيقا». سجينات للقراءة كتاب السجينة الهاربة «لانا ماذر» (أليكساندرا ماريا لارا ) تقول: كانت هانا تختار السجينات الشابات ليقرأن لها فحسب.. يقرأن..هي انسانة جدا ورحيمة، اختارت الضعفاء والمرضى لكي تحميهم، وتبعثهم الى الموت.. أي رحمة؟
كلما قلت المسيرة زاد الركض نحو الموت. لأن أحدا ما فكر في كتابة كتاب عن 300 يهودية لقين حتفهن حقا في كنيسة بمعية 6 حارسات، ألمانيا وأوروبا كلها كانت مليئة بمثل هذه الممارسات، هل تتحمل الحارسات ذنب ما حصل في كل أوروبا؟ لماذا رفض الدخول الى الزنزانة، لماذا لم تفتح ابواب الكنيسة، السبب نفسه.. ذهب الى صديقته. هل يمكن أن يحمل الانسان الذنب بسبب الخجل؟
وعندما أرسل لها في السجن تسجيله الصوتي للرحلة الطويلة لهوميروس الأداء الرهيب، فن السينما يرقى بالمشهد؛ إغلاق المسجل بعد سماع صوته:
يغني لي الرجل الإلهام
رجل اللقاءات والأدوار
قاد مرارا وتكرارا خارج المسار
عندما سلبت المرتفعات المقدسة لطروادة.
صوته بكلمات هوميروس كان يشدها إلى الحياة: انني معك، رجل الماضي جاء يقرأ لك متاهات الرحلة الطويلة.


سرّ تشيخوف
يبدأ تشيخوف بـ The الأحرف الثلاثة لتشيخوف لينتهي بـ Dog تركيب الجملة : The Lady with the Little Dodالأولى والأخيرة ستة أحرف، الجملة من ست كلمات والصفحة تتكرر فيها The ست مرات أيضا. ما السرّ في The؟
وحينما تجنح للرومانسية، هل يوجد أفضل من شيللر؟
يأتي تلفون هانا شميت سيطلق سراحها بعد 20 سنة، ليس لديها معارف ولا اصدقاء، سيخاطب الصوت مايكل المحامي الشهير : انك صلتها الوحيدة.. انها ستحتاج الى مكان تعيش فيه، الى العمل، انك لا تتصور كم سيكون العالم الجديد بالنسبة اليها مخيفا. هل تستطيع تحمل مسؤوليتها، لا يوجدا لهانا شميت أي مستقبل. ستواجهه بأول كلمة منذ افتراقهما عام 1958 ولغاية 1980 : لقد كبرت يا صغيري. سيسألها : هل قرأت كثيرا؟ وتجيب : أفضل أن يقرأ لي. بمعنى دعني أعيش معك يا صغيري، سيسألها: هل تقضين وقتا طويلا بالتفكير في الماضي. تجيبه: لا يهم ما أفكر فيه، فالموتى لا يزالون ميتين. بعد هذا الحوار ستصعد على الكتب وتشنق نفسها.

مصالحة الأجيال
لم تحدث المصالحة بين الأجيال، ولم يقف مايكل ليدافع عن هانا في أشد لحظات عوزها لأحد ما في القاعة يقول الحقيقة، في أنها لم تكتب التقرير الذي لفقت فيه زميلاتها تفسيرهن الغريب في تركهن 300 امرأة يهودية يحترقن في كنيسة تلتهمهن النيران دون أن يفتحن الأبواب لهن ليمتن حرقا عدا واحدة ستهرب بطريقة ما، لتنشر الكتاب عن هذه الحادثة في الولايات المتحدة والذي سيثير قضية محاكمتهن. حينما نكرت هانا كتابتها للتقرير المزيف، وضعوا أمامها ورقة وقلما ليقارن المدعي العام خطها مع مخطوطة التقرير الذي بحوزته، لكنها بعد تردد وتمثيل متفوق من وينسلت، قالت لا داعي للاختبار «أنا من كتب التقرير». لم يصرخ مايكل ويحقق المصالحة مع ذاته والأجيال التي حطمتها الحرب والأخرى التي ظهرت بعدها ولم يقل الحقيقة، لم يخبر المحكمة أنها تخجل من أميتها، هذه المرأة تحب القراءة، تهوى أن يقرأ لها أحد ما وستبقى تدافع عن خجلها وإثمها مادام «الموتى ما زالوا موتى» وأنها لا ينبغي أن تسأل عن واجبها وإن كان بالإمكان محاكمتها على تلك المرحلة الوحشية.

أسئلة الفن
لقد كانت شخصية مايكل هي التي تدير الفيلم، وليس هانا، ورغم أن كل الأحداث الرئيسية تخص كيت وينسلت، إلا أنها لم تسيـّرها طوال 123 دقيقة. ماذا لو انتهى الفيلم بمشهد صعود هانا على الكتب وانتحارها، وهل كان ثمة داع للمحاضرة المباشرة بين مايكل وابنة الناجية من المحرقة، أي مشاهد كان يحتاج تذكيره أن «الأمية لم تكن يوما مشكلة يهودية»، لمن كان التحذير المتكرر حول «المحرقة» الذي منح الشريط نهاية أقل ما توصف فيه أنها حمقاء؟ هل كان السيناريو منشغلا بالفعل، لكي يعطينا انطباعا بأن الأمية كانت عذرا للهمجية ولكي يخفي المرء أميته عليه أن يعمل حارسا في القوات النازية الخاصة؟ أليس من الأجدى – فنيا – الانحياز إلى الجمال الشاحب لدى المذنبين والجبناء والسلبيين والضعاف والذين لم يقولوا الحقيقة حينما أزف وقت قولها؟ لم يحدث مثل هذا الأمر. ولم نفاجأ، لأن الفيلم صمم كشريط هوليوودي لحصد الجوائز والمشاهدين الذين يتم إغراءهم بحكاية جذابة ومؤثرة، والأولويات التجارية جعلت الألمان يتحدثون الإنكليزية كما جرت الأعراف. يمكن القول ان القصة لم تكن عن المحرقة، قدر ما مسّت الجيل الذي كبر بعدها (أو في ظلها) والشريط نموذج لسلسلة هوليوود عن المرحلة النازية بكل ما تواجهها من معضلات أخلاقية شائكة.
الناجون في النهاية
ومن الواضح أن الجميع دفعوا الثمن، مايكل حينما وقع في حب الشخص الخطأ وهانا بذنوبها الغامضة كندبة في الوعي الألماني الجماعي والمخرج بخنقه نهاية الشريط من أجل تقديم المواعظ التي تخلى عنها في فيلميه السابقين «بيلي إليوت» و«الساعات» وكأنه تخصص في منح نجماته أوسكار أفضل ممثلة بعد أن نجح مع نيكول كيدمان عندما لعبت الأطوار المعقدة لفرجينيا وولف. لقد نجا «القارئ» بأعجوبة من السقوط الكامل بفضل رواية بيرنهارد شيلينغ، لأنها طرحت أسئلة كبيرة حول الشر والإثم والتوبة والرغبة والحب والماضي المظلم وتجسيد دقيق لجلد الذات وتسديد ثمن الخيار مهما كان بشعا.

The Wrestler

فيلم المخرج والمنتج دارن آرنوفسكي يقدم صورة عميقة من داخل شخص على خلاف مع نفسه والحياة، يقودنا في جولة شاعرية ليس بالطبع من وراء حبال حلبات المصارعة، بل لاستعراض آلام المجد حين يتناثر في النسيان، وهذا الواجب الرئيسي الملقى على الممثل (المنسي أيضا بالمناسبة!) ميكي رورك الذي رشح لأوسكار أفضل ممثل، لكن الأكاديمية مالت أكثر إلى ابتسامة شون بين الوردية. لقد كان رورك مدركا للماضي ولذلك قرر المضي في كتابة فصل جديد في حياته بقلب عامر بالاندفاع رغم نوباته، افتتانا بالجروح الكثيرة والكسور وآثار الفوضى الدامية على جسده، لكنه يستطيع أن يسمع صوت الأطباء المحذرين له من المخاطرة بحياته ودفعها نحو الموت أو ترك الحلبة. لكنها السنّ، العدو الكبير للإنسان، لاسيما لدى أولئك المغرمين بالتحدي كالمصارع الذي فات أوانه، المار عبر ستيفاني (ايفان راشيل وود) والوهن أمام «كاسيدي» الاسم المهني، أو «بام» اسمها الحقيقي ماريسا تومي التي رشحت لأوسكار أفضل ممثلة مساندة، لتكون الحلبة بالنسبة إليه رمزا للكفاح الثابت لبناء الجسر بين المصارعة وحياته الخارجية حاملا روح الفيلم كوحش فتحوا له باب القفص بعد طول إذلال.


الذائب في المتخيل
أما الربط بينه وبين تومي، هو أن للاثنين حلبة للتعري، الأول يعتمد في عريه على قوته، بينما الآخر يرميه على قوة الآخرين، أنه الإطار الذي جمعهما في مهنتين متراصتين في «شبق» القوة والجنس، ولعل المصارعين لا يكرهون بعضهما البعض حتى لو تبادلوا الضرب، لكن التعري – هنا أو هناك - الذائب في المتخيل، له انسجام مبطن آخر، حيث إراقة الدماء على الحلبة مزيفة، لكن التعري في العرض الليلي حقيقي. لم نفهم قبل مشاهدتنا الفيلم السبب في أن الدعاية ركزت كثيرا ابتداء من البوستر ومرورا بكل وسائل الترويج للشريط، على الممثل الرئيسي ميكي رورك، إلا أن السبب أصبح واضحا، فهذا فيلمه، وحمله بكل ثقة وهيبة كانت مفقودة في السنوات الماضية في الكثير من أعماله. لقد كان رورك حساسا جدا عند إلقاء كل كلمة ويبدو أنه أنصت كثيرا لآرنوفسكي الذي يهتم في هذا الجانب وكان واضحا في شريطه «النافورة» وكأن مدير العمل أراد تقديم رجل «مستضعف» من الداخل وقوي البنية من الخارج، وكم كان رورك مشرقا في الاستجابة لهذه النغمة السرّية للشريط الذي رتلها في كل حرف كتبه روبرت سيغيل، الذي وضع في حسابه وهو يصيغ السيناريو، ان مشاهدي السينما يعرفون أن مصارعة المحترفين مزيفة، إلا أن غالبيتهم يحترمون حيلها ويتلهفون لمتابعتها حتى لو كانت الدماء متفقا عليها بين المتقاتلين، ولذلك وضع في الاعتبار، أن يسكن في مشاهد السينما نفسها، أن ما يراه يحصل على الحلبة وليس على الشاشة. وكم كانت هذه المهمة التي وضعها لنفسه عسيرة! ثمة عنصر ساحر مضاف في فيلم آرنوفسكي وهو التفاصيل الخفية حول المصارعة وانتقاله من الثلوج الذائبة في نيو جيرسي إلى القاعات الرياضية والجمنازيوم والمراكز الاجتماعية وغرف الملابس حيث يعدّ المقاتلون أعضاء أجسادهم المتضررة، كيف ينزفون بتعمد وحرفية وتدريبهم العالي على تقبل المفاجآت العنيفة والكلام خلال المباراة وبعد ذلك كيف يبدون بعد انتهاء عملهم.
السمة النادرة
لقد قدر اعضاء لجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا 2008 ذلك ومنحوا الشريط الجائزة الكبرى. ولفت الانتباه في مهرجان تورنتو وختم مهرجان نيويورك، بعد لامبالاة عانى منها آرنوفسكي قبل أن يشغل الوسط السينمائي بشريط «النافورة»، ذلك لأن توافق سيغيل وآرنوفسكي كان مميزا في مزج الحقيقي والمتخيل، تلك السمة النادرة التي تميز فن السينما، في أن تجعل الافتراض بين هذين غير واضح إلى أقصى ما تستطيع. أن الآمال المبددة لا يمكن تصويرها بالكاميرا، وكذلك خداع النفس، الاعتناق، التودد، الأماني الضائعة، الريبة والندم، ما هو حقيقي، يسمع ويـُشاهد، ما في داخلنا سيكون واجب التمثيل.
المجد الزائل
ستنتفخ عضلات ميكي رورك بالمنشطات، وسيكون ملائما بما يكفي بشعره الأشقر، لنجوم الثمانينات حيث كان يصارع الضخام الأقوياء في حلبة ماديسون غاردن الأشهر في عالم الملاكمة والمصارعة المحترفة، لكن قسوته وابتسامته الملتوية سيذبلان بعد 20 سنة حينما يجد نفسه في الحلبات الرثة مواجها مشاكل الحياة المادية التي تلقي به للسكن في مقطورة منتزه في شمال نيو جيرسي وجسده الذي يديره قلب يعاني من النوبة وعمر متقدم على العراك مع الشبان الأصحاء لرجل لا يرى قيمة للحياة بدون مصارعة. ستصدح الأغنية مذكرة بأوقات المجد، لا يعرف بالضبط ما هو عليه الآن والزمن يرغمه على المواصلة مناطحا حياة يجافيه فيها حتى أقرب الناس إليه، ومن جلبهم للدنيا يحتقروه (عندما عزم على شراء هدية مفاجئة لستيفاني واختار القميص اللماع للبيسبول، دون أن يعرف أن هذه الهدية سيرفضها شخص جاد)، غير أنه يمضي، حافرا طريقه بأظافره لا بالأوهام. أن «المصارع» خليط بارع للشفقة والفجيعة، للأمل واليأس، للكرم والجحود للبذل والتضحية وللزمن الذي يزعزع الأبطال، لم يحمل روبنسن سوى النواقص الشائعة، متملقا ما تبقى من أنصاره القدامى لا كشخص يشتهي الشفقة، بل كرجل مرفوع الرأس، متكيف مع الصعاب، مؤمن في أشد أوقات إنكساره؛ بالانتصار.

الانبعاث من اللامبالاة

لماذا حصل هذا الفيلم على الكثير من التصفيق؟
ليس من الصعب معرفة سبب الهتافات المشجعة التي تلقاها وفوزه في «فينيسيا» وترشيح الممثلين الرئيسيين فيه للأوسكار (عدم فوزهما عارض جانبي فحسب). ونعتقد أن آرنوفسكي انبعث من اللامبالاة التي كانت تجابه فيها أفلامه السابقة ( «النسبة الثابتة» 1998، « قدّاس لأرواح الموتى» 2000، متعلما الدرس الصعب في الفن وهو أن تكون أولا نصير أفكارك قبل أن تجبر الناس على الاقتناع بها وأن تكون الشاشة (المسرح.. الكتاب.. الخ) هي الفيصل الحاسم والفريد في نهاية المطاف. وبالرغم من الاحتفالية الجماهيرية – النقدية لفيلم «المصارع»، فإننا لا نراه أفضل أفلام آرنوفسكي، لاسيما من وجهة نظر الإحساس التقني وتدخله الواضح والكثير الرقة نحو بطله الرئيسي دون منحه المجال لإبداء خصوصيته لتتفتح فيه الشخصية وتزدهر وحدها، كأنه عمل للبطل الرئيسي «جراحة تقويمية» ليظفر بالأوسكار (كان يستحقها بالطبع حسب رأينا أكثر من الممثل العادي شون بين الذي فاز في السنوات الخمس الأخيرة بجائزتين للأوسكار لتسجل الأكاديمية واحدة جديدة من أطوارها الغريبة). مع ذلك لم يربح ميكي رورك الأوسكار، لكنه أشعر كل من شاهده بالارتياح، أنها روعة الفن. على الأقل لم يشاهد أحد ميكي رورك إلا وامتدحه، لكن القليلين هم الذين يفهمون آرنوفسكي وتأثير جراحته عليه، الأمر الذي أجبره في النهاية على دفع الغرامة.

12‏/03‏/2009

Coraline .. اختراع العالم الفطن الأذكى من الحقيقي

يستند فيلم الرسوم والدمى المتحركة كورالين الى رواية نيل غايمان التي تحمل الاسم نفسه والصادرة عام 2003، من إنتاج كلير جينينغز وإخراج هنري سيليك، وبعد الليلة التي افتتح فيها مهرجان بوتلند السينمائي الدولي، جمع في داخل الولايات المتحدة وخارجها في غضون اسبوعين 120 مليون دولار مغطيا ميزانيته البالغة 70 مليون دولار التي أنفقت على 101 دقيقة من الصور المخيفة بفضل بصريات تفوقت إلى الحد الذي كانت فيه الأجساد كأنها ترمى نحو الجمهور وبمرح إيحائي وعميق بتقنيات خدمت ملامسة العالم الآخر كما في الحكاية الساحرة «أليس في بلاد العجائب» وذلك الإغراء في التحدي غير الملزم.
كورالين جونز (داكوتا فانينغ) تصرف انتباه أبويها في الأسبوع الأول من انتقالها بين حجرات القصر الوردي قبل تعرفها على الولد الغريب الذي يتنقل هو الآخر بين الأسماء ليستقر على «لوفات» كتقليد أخذه عن جدته التي كانت تملك القصر. بينما تستكشف بيئتها المحيطة الجديدة، كورالين ستفتح بابا صغيرا كان جزءا من حائط غامض، في ذلك الليل الذي كان فيه فأر صغير يمر من طريق الممر المظلم الذي سيقودها إلى حدائق البيت. ستصادف هناك الكائنات الذين سيكونون «آباءها الآخرين» (تيري هاتشير وجون هودغمان) واللذان يشبهان والديها الحقيقيين باستثناء امتلاكهما أزرارا سوداء تتحكم بالعالم الآخر الخيالي، العالم الأكثر فطنة من عالمها الخاص، لاسيما أمها التي تعمل ما في وسعها لإبقاء كورالين في مستوى السعادة، ولكي لا ينتابها هاجس الجدة التي تعتقد أن ثمة من سرق منها شبابها.
كل ليلة تجد كورالين نفسها تتبع خطى الفأر عبر الباب الصغير لتلج عالمها «الفطن» الآخر مع آبائها الآخرين وستخبرها أمها الأخرى إن كان بإمكانها البقاء في هذا العالم إلى الأبد لو كانت راغبة في تخييط الأزرار حتى على عيونها. سترفض هذا الشرط، غير أنها تستيقظ في اليوم التالي متحمسة لكي تكوّن بيتا ملتصقا بـ«العالم الآخر».
ستدرك الأم الحقيقية أن صغيرتها تقضي أغلب أوقاتها مع «آبائها الآخرين» وتجد نفسها أمام ساحرة صغيرة وشريرة خاصة بعد أن تعرفها بثلاثة اشباح لأطفال أغواهم الموت مبكرا ليوضحون للأم أن كورالين ما هي إلا دمية تتجسس لمصلحة الأم الأخرى التي تقلد عوالم ضحاياها.
سينتهي الأمر بهروب كورالين من عالمها «الفطن» الآخر إلى الحقيقي في صراع معقد تستخدم فيه الأم الحقيقية والولد الغريب أسلوب الضحايا نفسه، لكن لا أحد في النهاية سيتيقن إن كانت كورالين الحقيقية التي اختارت أن تكون في العالم الآخر إلى الأبد، هي التي عادت إلى القصر الوردي، أم دميتها، ويفسر المشهد الختامي حيث تجتمع كل الأطراف في حديقة القصر الذي ظهرت فيه زهور جديدة، الجميع يتطلع في الجميع، من منهما الحقيقي وأيهما الآخر.

تأثير الأزمة المالية على صناعة السينما


اعتاد المتحدثون عن صناعة السينما النظر إلى هوليوود مباشرة في مقارناتهم وتحليلاتهم، لكن الآثار المترتبة على الأزمة المالية الحالية ستؤثر على كل الاستديوهات في العالم وستشملها آثار الركود الاقتصادي، وسيتم تغيير استديوهات واتحاد أخرى واعادة توزيع تلك التي ستعاني من مشاكل التمويل المعتاد من شركات المرئيات والصوتيات التي خذلتها الأزمة بما يكفي. إعادة ترتيب صناعة السينما، ستبنى على أساس معرفة الإجابة عن السؤال الحتمي التالي: ما الذي يريد «المستهلك» مشاهدته خلال الأوقات الاقتصادية الصعبة؟
عنصر الجمهور
بداية ستختفي نهائيا من الجمهور ظاهرة شراء التذاكر لقضاء الوقت الزائد في صالة السينما على أساس التجربة بدون معرفة الفيلم والوثوق بفريقه والاعتماد على الحظ، وسيكون من الصعب إنفاق 15 – 25 دولارا إلا بعد اتخاذ قرار مشاهدة الفيلم المعين بلا ترك الأمور للصدف ومن ثم ترك القاعة في منتصف العرض.فالجمهور مستعد للانفاق عند شباك التذاكر، ولكن للأفلام التي تدفعه للذهاب إلى السينما، وهذا الذي يجيب عن السؤال أعلاه الذي تفكر فيه الاستديوهات وشركات الإنتاج والتوزيع وهو: أي نوعية من الأفلام ستسود خلال الأزمة المالية وبعدها، وكيف ستؤثر خطط تقليص التكاليف وخفضها على إنتاج نوعية الأفلام. تخفيض التكاليف سيشمل كل شيء في صناعة السينما، الإنتاج بكل فروعه المتشابكة، السفر، الأجور، التقنيات، المؤثرات، اختيار الأماكن والرحلات التي يمكن تعويضها في الاستديو. وكلما سيتعمق الركود سيتجه العامة إلى مشاهدة الأفلام عبر المواقع المزوّرة التي تسرقها وتبثها أو الى أسواق الأقراص غير المرخصة والرخيصة للغاية بالقياس الى ثمن التذكرة.
أضرار المهرجانات
كما أن الأزمة المالية ستلحق الضرر بتلك الأفلام التي تصنّع وعيون منتجيها على المهرجانات السينمائية، لأن المهرجانات نفسها ستقلص رعايتها لأسابيع الفيلم التي لا ينقطع نشاطها طوال العام وفي المدن الرئيسية في العالم. بدأنا نسمع الآن عن تخفيض الشركات الممولة لمهرجان روما وفينيسيا بمقدار %70 أي ما يعادل 16 مليون دولار ومهرجان لندن 8 ملايين دولار وتتناقل الأنباء انسحاب الكثير من الممولين لمهرجان وارسو وبعض المهرجانات في الشرق الأوسط. وهناك الهند التي تعد واحدة من دول العالم ذات الإنتاج الغزير، يدرس صناع السينما فيها إقامة مشاريع مشتركة مع استديوهات هوليوود لتعويض تباطؤ المبيعات في شباك التذاكر وتوزيع الفيلم، يساعدهم في ذلك النجاح المثير لـ «المليونير المتشرد».
استثمار المولات
ولانتشار مجمعات التسوق عبر العالم واحتوائها على دور متعددة للعرض في المحافظة على توازن لأن تكون السينما واحدة من مراحل الزيارة، ثمة الكثيرون يتركون أطفالهم في السينما ليفتشوا عن العطور أو الملابس أو أدوات الماكياج وغيرها من أمور لا يطيقها الأطفال. وهناك نسبة كبيرة من المشاهدين يعتبرون صالات السينما المحطة الأخيرة أو الوسطى بين موعدين أو فترة الاسترخاء بعد العشاء. هذه العوامل يدرسها بجد صناع السينما ليختاروا نوعية الأفلام التي تناسب الملايين من هواة التسوق لا السينما، لذلك عليهم تشذيب أفلامهم من الجنس والاقتراب للمضامين العائلية التي تشجع الآباء على ارتياد السينما مع أطفالهم أو بدونهم. كما أن وسائل الاتصال الحديثة دهست بعنف سينما الجنس التي أصبحت متوافرة عبر وسائل كثيرة غير مسارح العرض.
السينما الرسمية
وستتعرض صناعة السينما لنكبة حقيقية في البلدان التي تدخل ضمن موازنة الدول التي تشرف عليها الحكومات، لأنها ستعتمد على إرادة هذه الحكومات وظروفها المالية في مساعدة قطاع السينما.هناك من يقول، ان الأزمة المالية ستنظف السينما من الإسفاف والابتذال وسينتج ما يصلح للمشاهدة فحسب، بمعنى الأقل سيكون أفضل وهنا واضحة المبالغة في التفاؤل، لأن السينما التجارية لطالما فسحت المجال لإطلاق الكثير من المواهب والأعمال الكبيرة.

04‏/03‏/2009

The Curious Case of Benjamin Button

قطعة سينمائية نادرة وجولة حزينة في أقدارنا


حصل على 13 ترشيحا للأوسكار، إلا أنه نال ثلاث جوائز فحسب، هي أفضل إدارة فنية وتأثيرات بصرية وماكياج. كان الشريط تجسيدا للأسلوب الكلاسيكي الصارم للمعالجات الهوليوودية للروايات الغريبة ذات إطار الخيال العلمي أو الفنتازيا المبنية على الحكايات الملحمية الذي تبذل فيه التقنية بما استجد منها، كل ما وسعها لخدمة السيناريو والمخرج ديفيد فينتشر الذي شكل له نص إيريك وروبن سيوكورد المستند إلى قصة قصيرة لسكوت فيزجيرالد (نشرها عام 1921 في المجموعة الكاملة وحصتها كانت 25 صفحة) تحديا ((تسويقيا)) رهيبا، لكون الشريط باردا عاطفيا لذلك لم يتوقع أن يلاحقه جمهور كبير.

قصة فيزجيرالد حلقت حول الوهم وطبيعة الحب والخسارة والرثاء والقدر والقسوة الباردة التي صاحبت نشاطا استثنائيا لعجوز يقوم بأشياء عظيمة واعيا بالشروط غير المواتية التي تحيطه. وبين قصة خرجت بعد الحرب العالمية الأولى وفيلم ينتج في القرن الواحد والعشرين تصورات لم يبلغها الكاتب وكذلك التحوير الساحر الذي أطلقه السيناريو مادام المنطق لا يعيق الفن: لنجعل بنيامين (براد بت) يولد عجوزا وتمضي حياته إلى الخلف نحو الشباب ثم يتحول إلى طفل ومن ثم الى رضيع ليموت في النهاية. هذا المخلوق المجعد بإفراط تنقذه كويني (تاراجي هينسون) التي تعمل في بيت للتمريض : أنت قبيح كالبريد القديم،، لكنك لا تزال طفل المأساة.. وكان جسم بنيامين يكبر بينما وجهه يصبح اصغر، طفولته غير عادية لكنها سعيدة، فهو يواجه حياته بحب ليخرجها فينتشر إلى المناطق التي يرتاح لها مستخدما كل خدعه لتعريض الجمهور لتجربة صعبة.



حالة غريبة
سيضطر فينتشر إلى صرف 13 دقيقة من مجموع 123 هي دقائق الشريط ليعرفنا على حالة هذا الشخص الفريدة والشاذة وبعدها سيمر الوقت وفق نغمة واحدة وبثبات عناصر القصة التي ركزت على طبيعة الدنيا وفرص الحياة العابرة والبحث عن السعادة الضائعة في أي سنّ ومهما كان المحك العاطفي الذي يواجهه المرء. أن بناء حبكة خيالية أساسها واقعي يسهل الضغوط على السيناريو في مسائل الإقناع لاسيما في فن يعتمد على جماهير متنوعة ومختلفة الثقافة والميول، لذلك ليس من الصعب أن نبدأ في بيت رجل متقاعد أو نشاهد مستشفى حديثة حيث ديزي الباهتة ( كاتي بلانشيت) بتركيبها الصعب وبنتها كارولين ( جوليا أرموند) التي تقرأ لها مفكرة صديقها العزيز الراحل بنيامين الذي سيولد محمولا من المرأة السوداء كويني ( تاراجي هينسون) المالكة الكياسة القديمة للجنوبيات. ولد بنيامين عام 1918 ليقسم الشريط حياته على ثلاث مراحل منذ دخوله في علاقة مع امرأة بريطانية متوسطة العمر ( تيلدا سوينتون أدت دورها المساند بطريقة رائعة) في روسيا ومهما كان موقعها لا تجعلك تبعد النظر عنها. أن معظم مواقف الفيلم الرومانسية والفلسفية ستتوقف على بنيامين وديزي منذ أن شاهدها ترقص الباليه في الكاروسيل (نيويورك) ثم إلى باريس متجاوزا رفض الشابة المتهورة ذات القمة الأنثوية حتى بعد معاناتها لمأساة فظيعة ولكن العمل الدرامي يسير بشكل مرض تماما لكونه منسكبا بصدق ومتراوحا ما بين الكآبة إلى حب الحياة بتعدد مثالبها.


نجاح الفريق
ابن الهدنة سيحمل طعم العالم الخارجي الذي سيبنيه فريق تمثيل متناسق إلى حد بعيد: جيسن فليمونغ، رامباي موهادي والمحنكة تيلدا سوينتون. وسيبدأ بنيامين الإدراك أنه بدأ يصغر بالتدريج وكانت هذه من أهم فواصل الفيلم ومنها ننتقل إلى التفرغ للاستمتاع بالسينما في كل عناصرها جاذبية. وأهم ما في الشريط، أن فينتشر وفريقه نجحوا في رواية قصتهم وتقديمها لكي يشاهد الجمهور حقيقة مدهشة في قطعة سينمائية نادرة، كما كان بنيامين متفاعلا مع عمره، غير مرتبك ويسكنه الدور بلطف وسلاسة حتى في أشد حالات تطورها العاطفي، أما هينسون وسوينتون وهاريس، فلعبوا دور المساندين الذين لوّنوا مجموعة بنيامين الصاخبة ولم يكونوا محشورين في زوايا القصة وفي أماكنها الخلفية. كما كان الدور البالغ الدقة الذي لعبه مصمم الإنتاج دونالد غراهام بورت الذي اعتنى بالانتقال الزمني في البدلات والوجوه والأثاث وكل ما ظهر في مساحة الشريط والإضافات غير المحدودة لفريق الموسيقى بقيادة الكسندر ديسبلات والمشرف على التأثيرات. البصرية والصور المتحركة إيريك باربا بمساعدة استديو هودرلكس ومنسق التأثيرات الخاصة بورت دالتن والدعم المثير الذي تلقاه مدير التصوير من شركة الكاميرات ((تكنيوكولر)) بألوانها الفاخرة ليخرج لقطات ذات جودة عالية كالهبوط على البيانو كإسقاط لذاكرته الباهتة وحياته الغريبة غير المحتملة. أما الألغاز الفلسفية التي تدعو إلى التأمل والتناقضات العاطفية المثيرة للاهتمام، فيدين الشريط إلى جهود جورج لويس بورغيس أكثر من فيزجيرالد الذي راهن على المراوغة لعرض تجربة الالتصاق ما بين الطبيعة والحب، ونعتقد أن الكاتب الأشهر سيكون راضيا لو تسنى له مشاهدة الفيلم.

تعاسة إضافية
ديزي راقصة روحها شاملة وبوهيمية وتشيخ بطريقة رشيقة أمام أعيننا، فيما يولد بنيامين عجوزا من عائلة نيو أورلينز في نهاية الحرب العالمية الأولى مع بصمات أبيه المنكوب (جيسن فليمونغ) ليبدو مهتما أكثر بالفروق الدقيقة لديناميكا التعبير عن شخصية تنسحب إلى الخلف وهو انفصال مؤكد يندرج ضمن البراءة التي طبعت تركيب شخصيته. غير أننا لم نفهم ما الذي أقحم إعصار كاترينا 2005 في الأحداث وكأن الشريط كان بحاجة إلى تعاسة إضافية ولم تكفه الجولة الحزينة التي قام بها على أحداث القرن العشرين وإن كان يبدأ في القرن الـ 21 ابتداء من الكساد الأعظم والحرب العالمية الثانية لغاية الحرب الباردة.

عناصر الفوز
لا أحد يشك في موهبة براد بيت المدهشة، لكن يبدو كأن ((بنيامين)) ليس فيلمه، على عكس كاتي بلانشيت التي بدت كأن الدور طرّز لها. وفينتشر اعتمد على رواد التقنية في هوليوود مثل ستيفن سبيلبرغ وبيتر جاكسن وروبرت زيمسكس وعلى أعماله السابقة التي يلوذ فيها من النهايات التقليدية للسينما متسلقا على كتف الاختراقات كما لمسناها في ((تقرير أقلية)) و((حلقات اللورد)) و((فوريست غمب)). أما الإدارة الفنية للإنتاج، فقد فازت بجائزة الأوسكار لأن الكسندر ديسبلات أعطى الشعور للمشاهد أنه يعيش حكاية كلاسيكية أو أغنية أطفال والجهود التي بذلها كلوديو ميراندا في تصميم الإنتاج منح سمات تمتدح البعض الآخر، وملائمة جدا للتسلسل الزمني للقصة، وخاصة عندما عمل غوتا في الماكياج ليقدم براد بيت كبير السن ووينمون أصغر في كل سنة مثل كاتي بلانشيت التي تكبر ثم تكبر وهذه الرهبة كانت السبب في الحصول على أوسكار الماكياج، أما التأثيرات البصرية فقد كانت رائعة وخدمت القصة الإنسانية جدا.
وحيدا في الطريق
هكذا سارت الأقدار منذ أن بدأ بنيامين كأنه في سن والد ديزي، لكن ستصبح راقصة ناجحة في نيويورك لتعيش حياتها بمرح أكثر من اللازم، لكن حادثة تنهي مهنتها لترجع إلى البيت في نيو أورليانز، وهنا يتزامن عمرها مع بنيامين ليتمتعا بوقت سعيد، في عصر الستينات المنفجر بالبيتلز، لغاية عثورها على زوج آخر بسبب الحالة المعروفة لبنيامين حتى تتسلم نداء من المستشفى لكي تقضي أيامها وهي عجوز ترعاه حتى نهاية أيامه في خاتمة مخيفة كما توقعها بنيامين: "سأخرج من هذا العالم في الطريق نفسه الذي جئت منه.. وحدي".

28‏/02‏/2009

La Teta Asustada


بجهد فردي من المخرجة كلوديا يوسا، تقدم فيلم «حليب الأسى» على سواه من أفلام كان لها نصيب التنافس، إعلاميا وداخل أروقة مهرجان برلين السينمائي في دورته 59 المختتمة السبت الماضي. ولعل الفوز بجائزة «الدب الذهبي» لمخرجة تجاوزت قبل سنتين الثلاثين، سيعزز من سمعتها، كما سيساعد في تتبع أحوال السينما في البيرو (إنتاج مشترك بين البيرو وأسبانيا) التي سحبت منها خادمة تعمل في العاصمة ليما لتحيك حولها بطريقة اللاشعور قصة اعتمدت على الفوضى السياسية في الثمانينات التي اجتاحت البلاد، وهو أسلوب الصدمة في الفن الذي يتخذ من حدث مؤثر موضوعة تدور حولها التفاصيل الإنسانية التي تهم السيناريو. و«حليب الأسى» هو الذي كانت النساء البيروفيات ينقلنه بالرضاعة إلى بناتهن. وبداية تعد هذه مادة روائية جزيلة الحزن، قد نعثر فيها بسهولة على بطل يظفر بالدب أو السعفة أو حتى الحصان الذهبي. ومثل هذه الموضوعات التي تبدأ بـ«مأساة» (الاغتصاب نموذجنا الراهن) تحتاج إلى دعم عاطفي في أي إطار فني توضع فيه، وإذا تمكن مدير العمل تأطيرها اثنوغرافيا بشكل جيد باستثمار كبرى مدن البيرو، يصبح واضحا ما الذي تمهد إليه كلوديا يوسا: الجرائم التي ارتكبت ضد النساء المحليات طوال الثمانينات السوداء لغاية تغيير النظام الديكتاتوري عام 1990
الصدر الخائف
أي حليب يخرج من الصدر إن كان ممتلئا غمـّا وحزنا والأهم هلعا؟ هذا العنوان الرئيسي لموضوعة الفيلم الذي تقدمت فيه بنت جميلة في المقياس المحلي هي فاوستا (ماغالي سولير) التي تجد نفسها على فراش موت أمها (بربارة لازون) لتعاني من فوبيا «الصدر الخائف» La Teta Asustada (عنوان الفيلم حرفيا عن الأسبانية)، لتورث فاوستا الرعب من أمها وتحمله لتصبح مشلولة بالخوف وتقوم بجملة من «الترتيبات البيروفية» لتحمي نفسها وأغلبها منصهر مع الواقعية السحرية التي تميز بها الفن الروائي والسينمائي لأميركا اللاتينية، لكن يوسا (المخرجة كي نميزها عن الكاتب البيروفي الأشهر ماريو باراغاس يوسا) وضعتها مخففة لكي يتحملها جمهور السينما المختلف عن قارئ الرواية.

واقعية لا بد منها
وبدون الواقعية السحرية لا تكتمل الصورة الكاملة للمجتمع اللاتيني، تلك التفاصيل التي تبدو غريبة لأي مشاهد يتصور أن الأمور تجري بشكل طبيعي.هذا الأسلوب اللاتيني علينا تقبله لأنه خلاب ولا ينبغي الانشغال في مدى واقعيته، لأنه ملمس السياق وليس بالضرورة متناسقا معه أو منسجما مع تصوراتنا.
التنوع الخلاب
وأهم ما في الشريط، تنوعه وقابلية المفاجأة فيه وثمة عنصر بارع آخر هو التلميح. فمثلا لم تأخذنا كلوديا يوسا إلى ماضي أم فاوستا لكي نرى كل ما حصل لها، بل كان التلميح الوحيد غير مرئي، والأدهى أنه مسموع من خلال أغنية مرعبة أطلقت قبل موتها. الموسيقى هنا، زودت فاوستا وسيلة الهروب والمصالحة، كما وجدت وظيفة وصيفة لعازفة بيانو وملحنة عصبية جدا عايدة (سوزي سانشيز) التي تميل إلى ارتجال الأغاني كمحاولة لتطهير مخاوفها. عايدة لم تحقق أي تقدم في تلحينها سوناتتها الأخيرة فيما تنفر من صداقة البستاني نو (إيفراين سوليس).مع ذلك تعود فاوستا إلى قريتها لغرض جمع المال لتعيد رفات أمها وتدفنها في مسقط رأسها، فيبرز خالها الرحيم (مارينو بالون) كخلفية مباشرة لبيرو الفقيرة، هذا اللائذ بكل القسوة التي يمكن أن يحملها بشر، يجد السيناريو ما يكفي ليزوده بالجمال والمرح، مصرا على الحب كاستكمال دورة الحياة، دون أن نستطيع تجنب مقارنته مع الفوضى التي تحيطه.
مفاتيح الفيلم
أن أداء ماغالي سولير السلبي بشكل كبير مفهوم لمن يتعمق في السياق، مع أنها تمضي في فيلم جميل تقنيا. فالشريط ممتع بتشكيل مديرة التصوير ناتاشا بارير و سيناريو فرانك غوتيريس واللمسات الدقيقة واللطيفة على الغيتار والأغاني المنفردة التي أداها بروتاغاس ولحنتها سلمى موتال كانت المفتاح الحقيقي للفيلم الذي انتهى عند الدقيقة 97.
جرأة السيناريو
ويبدو أن الأموال الأسبانية لم تكن وحدها التي شاركت في الإنتاج، بل إرث السينما الأسبانية، فمثل هذا النوع من السيناريوهات لا يطيقه المشاهد الأميركي ولا يصل إلى الأوسكار، وقد ينظرون إلى السيناريو في مركز صناعة السينما في العالم على أنه هراء، فماذا يعني متابعة فتاة منكوبة بالخوف تخلط الاعتقادات الشعبية البيروفية بحكاية القدّ الفرويدية وأولئك الذين يهوون سينما «أكشن» تتحرك فيه الصورة كل ثانية، كيف سيتحملون مشاهد طويلة لا رنين فيها غير الظلام بين جدران أربعة! من جهتنا نعتبر العكس، فالمشاهد الطويلة في السكون والظلام، تمسك انتباهنا على نحو أكثر ونعدها «ثقة بصرية». وقد ينفر أغلب الموزعين من هذا الطراز من الأفلام التي تمتلئ فيها الدموع بشكل مستمر كما كان يحصل لفاوستا طوال الشريط بعد وفاة أمها المسنة، لكنها تستقر في الذاكرة أعمق وأبهى.
في مطبخ برلين
إن التعامل مع العنف في الفن، يحتاج إلى محتوى مثالي، مع الارتكاز على الواقعي والإبقاء عليه طوال تسلسل الشريط، وهذا المقبول في هذا النوع من الأفلام، ولاسيما في مهرجان برلين الذي طوال تاريخه، كان يهتم بالسينما القادمة من تلك البلدان التي يسمونها «نامية»، كما ساعد الشريط - المسيّس بما يكفي - لجنة التحكيم التي ترأستها الممثلة تيلدا سوينتن وعضوية فاعلة لكرستوف شيلنغنسيف وغيرهما الذين لم يخفوا «نواياهم السياسية» في المراحل المبكرة من المهرجان، ناهيك عن التوجه «التاريخي» لمهرجان برلين الذي لم ينتصر فيه بلد من صناع السينما التقليدية إلا في حالات نادرة. وهذا الجو العام لمهرجان برلين كان قد خلق منذ أيام مؤسسيه الأوائل أمثال كوس ليك الذي اشرف على تنظيم المهرجان وكان هدفه الرئيسي دعم السينما في البلدان الفقيرة. وربما اتكأ شريط كلوديا يوسا على هذه «النوايا»، ولأن كل من تابع المهرجان كان يظن أن عملها خارج حسابات الفوز ولم يتجرأ أحد ويعلن توقعه بفوزها، لكن النتيجة جاءت لتفاجئ حتى كلوديا يوسا نفسها. هذا مهرجان برلين السينمائي على الدوام: حريص على خلق «فائزيه» الخاصين.

19‏/12‏/2008

.w


افتتح مهرجان دبي الدولي في دورته الخامسة بفيلم W، المنتج بميزانية قليلة لم تتعد الخمس والعشرين مليون دولار تجرأ فيها أوليفر ستون للمرة الثالثة في تقديم سيرة حياة الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش بعد أن قدم البراءة الأميركية في «جي أف كي» - 1991 و فساد السلطة في «نيكسون» - 1995 بشكل معقول. وبدا الأمر وكأن هذا المخرج الذي يمتلك موهبة خاصة، يميل إلى التخصص بالرؤساء الأميركان ولاسيما المثيرين للجدل. وكما أن جورج بوش لم يكن شخصا عاديا وفي سيرته الكثير مما يقال على الشاشة وعلى الورق، فإن ستون غير عادي أيضا باهتماماته سواء الفنية منها أو السياسية. لا نعتقد أن أهداف ستون «الباطنية» تخصنا كثيرا في غضون معالجتنا الشريط من وجهة نظر النقد السينمائي المجرد، كما نجد من الضروري - ومن وجهة نظر النقد الفني فحسب ــ الإشارة إلى إصرار ستون وفريق المنتجين لعرض الفيلم لأول مرة في الولايات المتحدة في 16 أكتوبر 2008. ويمكن تصور حالة الاستعجال التي تملكت فريق الفيلم، لو علمنا أن الكاميرات سجلت اللقطات الأولى في مايو والشريط عرض على الجمهور العام في أكتوبر تفصله أيام عن انتخابات نوفمبر. لأوليفر ستون طاقة كافية لصناعة الأفلام واختار ممثلين معروفين في الأداء المحترف يتقدمهم جوش برولين الذي حمل شخصية جورج بوش الابن، ولكن فترة أقل من خمسة أشهر كتنفيذ لفيلم بهذا الحجم، قد تكون قياسية وخاصة في الجوانب الفنية والتكنيكية. كما أن تقديم الفيلم في صالات العرض في وقت تتدنى فيه شعبية الرئيس الأميركي المغادر وظيفته عن قريب، لم تكن عادلة نسبيا، مادام الشريط أباح لنفسه الهجاء مرة والتقليدية في السرد مرة أخرى، فيما حرص على تقديم أحداث يعرفها الصحافيون المبتدئون. وبذلك افتقد منذ دقائقه الأولى لحس السينما المغرمة بالتشويق والإثارة حتى في تعاملها مع أكثر القضايا جدية ومع أنه يعتبر الفيلم الأول الذي يعرض سيرة رئيس أميركي وهو في السلطة، إلا أن التعامل معه لم يكن رحيما ولا مجاملا، فيما ابتلى مدير الفيلم بكثير من الرجال والنساء المحيطين بالرئيس بوش منذ فتوته، وكان عليه في غضون 130 دقيقة أن يغمر كلا منهم بوافر من موضوعيته.


قفزات صحافية
وإذا كان السيناريو اعتمد كليا على تقارير كتبها مئات الصحافيين على حد قول أوليفر ستون في أكثر من مقابلة، فإن الشريط نفسه اعتمد فنيا على قفزات الريبورتاج الصحافي، أكثر منه على السرد الروائي. وثمة أحداث تلهت فيها الصحافة الأميركية لفترة من الزمن وتركتها بعد أن أصابت القراء بالملل، كالمشاحنات المستمرة بين بوش الأب والابن ومعاناة الوالد من ولده الذي لا ينفع لشيء سوى معاقرة الخمر والتسكع في الحانات والأبرشية الغريبة التي انضم إليها، مهددا سمعة آل بوش، بل ومقوّضها، في وقت يقدم فيه الشريط بوش الأب (جيمس كرومويل) كأرستقراطي متزن يملك الحكمة والعمق والهدوء والبصيرة يواجه ابنا منفلتا بالعبارة: «هل تعتقد بأنك كندي؟» لغاية وصول النقاش الليلي بينهما مرة أن يحاول الابن الاعتداء على والده بالضرب لولا تدخل اللحظة الأخيرة من الأم باربرة بوش ( إلين برستون).
الأحداث تهرول
لم ينجح الشريط في إنجاز التاريخ النفسي للأحداث ولم يمهل السيناريو فرصة الدخول في أعماق الشخصيات وكانت الأحداث تهرول مع الزمن لكثرتها وتشابكها وأعطى التدفق السريع لها الانطباع وكأن أحدا لم يكتبها، وهذه مشكلة عامة لأي فيلم نصفه روائي والنصف الآخر وثائقي وعلى المشاهد متابعة الشخصية الرئيسية من دون منحه فرصة لالتقاط الأنفاس: التسكع في الحانات، النشاط في الأبرشية، العلاقة العاطفية الأولى، العراك المستمر والليلي مع الأبوين اللذين لا ينامان أبدا، العمل في حقول النفط، الدخول في كلية الأعمال في هارفرد، الترشح إلى الكونغرس، بدء العلاقة العاطفية مع لورا (اليزابيث بانكس) السيدة المهذبة والمثقفة والتي تعيش مع الكتب أكثر مما ترى الناس والتي أدركت نواقص الرجل الذي تودد لها منذ اللقاء الأول، فقررت دعمه والسير معه حتى النهاية.



Oliver Stone On "W"

حذف المراحل
ولكن أحدا من المشاهدين لم يستوعب المبرر الذي جعل بوش الشاب يستبدل وعلى نحو مفاجئ القنينة بالمسيح بعد بلوغه الأربعين، هذا الشاب الذي لم تستوعب أمه باربرة الخبر الذي جاءها من زوجها، لتهتف بشكل هستيري: «حاكم تكساس؟! أنت بالتأكيد تنكت». لقد حذف الشريط بالكامل كل المرحلة ما بين بوش السكير والمنفلت وبوش حاكم الولاية والمسيحي التقي، لم نشاهد حملات انتخابية ولا تحالفات سياسية ولا إعداد شخصية للمرشح ولا أي سمات تقنعنا في تبدل الشخصية من شاب يسكن في الحانات لرجل يحكم ولاية النفط. إننا أمام تهور وثائقي صريح لا يملك حسن النية ولا مهارة وربما انحرافا في الحكم على إنسان تفاداه كتاب سيرته وأجلسوه مباشرة من أقبية الحانات إلى كرسي الحاكم بطريقة بدت كأنها كاريكاتيرية. فماذا عن صبره الكبير في هارفرد ومعاناته في ترك الإدمان وصعوبة القرار التي اتخذه في التحول من شخصية إلى أخرى وماذا عن دور لورا في هذا التغيير الساحر في شخصيته، بما لا يقبل الشك، كان لهذه المرأة دورا فريدا في تكوين الشخصية الجديدة لبوش الذي ظهر مجروحا بالرفض وتفضيل والديه أخاه الأصغر جيب عليه في المقارنات اليومية لكونه فعل كل شيء لتلطيخ تراث العائلة.

الشريط اعتمد على قفزات الريبورتاج الصحافي أكثر منه على السرد الروائي

رئيس بلا مقدمات
إن السينما الجادة تحسب كل ميليمتر في أشرطتها، إلا أن سحب الممثلين ومعهم المشاهدين بهذه السرعة، تخرجهم عن التاريخ وقواعده وما كانت الشاعرية سترهق الفيلم لو وضعت بطريقة ما وربما كانت استمالت مع التاريخ المرتب بمهل وأعطت الشريط وزنه الحقيقي. لقد وصل بوش إلى البيت الأبيض من خلال الشريط بحس إيحائه الخاص الذي مهده بالقول إن الله دعاه ليكون رئيسا في وقت كانت أكبر أحلامه أن يكون لاعبا للبيسبول، عدا مشهد قصير لعبه شخص مركب نظراته مخيفة (ستايس كيش) الذي كان يوعظ بوش وساعده في استقامته الدينية وبعدها مباشرة هبط عليه الإيحاء الرباني المذكور.
الفريق الشهير
ولدينا سؤال غريب: هل كان فعلا الرئيس جورج دبليو بوش لا يكلم نائبه ديك تشيني (ريتشارد دروفوس) إلا عندما يتناول طعامه؟! وهل كان رئيس الولايات المتحدة بشعا بالفعل حينما يتناول طعامه بحيث ينظف يديه في طبقه الذي يأكل فيه، ولا يغسلهما حتى بعد تبوله ! هل كان بوش يتعامل مع فريقه بطريقة فتيان الحانات وخاصة مع تشيني (واضح احتقار ستون لهذا الشخص وإبرازه كشخصية استحواذية وتآمرية وماكرة) وكولن باول (جيفري رايت) ودونالد رامسفيلد (سكوت جلين) حتى والجميع يناقش قضية خطيرة كالتعامل مع القاعدة والمعتقلين واستراتيجية الخروج من العراق؟ لا نعرف بالتحديد مغزى اللعبة التي مارسها ستون في تصوير الجلسات الخاصة في مناقشة ومتابعة عملية احتلال العراق من قبل بوش وفريقه وإن كان قصد المخرج هجوهم أو أن المشاهد كانت ناتجا عرضيا للقطات لم تنظم جيدا. الملاحظة الفطنة من ستون أنه لم يظهر بوش كدمية لفريقه ولاسيما تشيني حيث قال له مرة بشكل سلس: «يدفعك غرورك أحيانا إلى أن تنسى بأنني الرئيس».من جانب آخر، ألم يكن واضحا امتزاج الفن التلفزيوني بالسينمائي الذي أصابه الضرر، فأغلب مشاهد المكتب البيضاوي واجتماع مجلس الوزراء كانت تؤدى حسب قواعد التصوير التلفزيوني وليس السينمائي.

تهور وثائقي صريح لا يملك حسن النية ولا مهارة وربما انحراف في الحكم على إنسان تفاداه كتاب سيرته

الانتصارات والكوارث
تم تحميل الشريط أيديولوجيا، وهو رأي المخرج أوليفر ستون بجورج بوش الذي قاله صراحة في كلمته في افتتاح مهرجان دبي السينمائي ولم يفاجئ أحدا من الجمهور. لكن الذي يكتب التاريخ يعرض انتصاراته وكوارثه بإنصاف ومطلوب الرمزية أحيانا لدعم العمل الفني، فالكتابة الصحافية شيء والسينما فن آخر مختلف تماما. ولا يوجد من المشاهدين من يجد متعة في النط ّ من تكساس إلى بغداد ويتابع البيت الأبيض كأنه في سفرة سياحية. ولعل ستون ذهب إلى المناطق السهلة في بوش ليقدمها على الشاشة بواقعية متلفزة ولباقة من يملك فريق تمثيل قوي وقلص المسافة الجمالية، بل قطعها أكثر من مرة. ويتكئ الفيلم أكثر على الكوميديا من المأساة حتى وهو يعرض صور الجرحى والقتلى العراقيين بطريقة الحشو، وهي كوميديا الأخطاء التي أدخلت على الشريط بقصد ويحق لنا أن نسأل السيد ستون إن كان يملك الحق في حشر الموتى واستغلالهم في فيلم تجاري، ومن الواضح أن المخرج لا يستطيع بلوغ غاياته من دونهم.
الحقائق والفن
ويبدو أن مدير الفيلم مسرور بـ «الحقائق الواقعية» نظرا إلى إصراره على البقاء فيها لمساحة عريضة في الشريط وهو لا يجد نفسه بحاجة إلى التنقيب في أعماق «الحقائق»، بل فضل إبقاءها وإبقاءنا معها معلقين. وهو راغب في عرض كونداليزا رايس (تاندي نيوتن) تحافظ على ابتسامتها في وقت كان بوش يملأ المكان بالضجيج ورامسفيلد متكبرا ومحتقرا سلطة الرئيس بتهذيب وكولن باول كيـّسا ومقتصدا الكلمات وباربرة بوش تهوى عض أصابعها في وقت تحتاج فيه إلى استخدام دماغها وكأن المخرج وبطله خرجا من مرحلة ضبط النفس حينما تصل القرارات إلى إغراق العالم: سواء في الفيلم الواضح أو الواقع المروع.

ستون ذهب إلى المناطق السهلة في بوش ليقدمها على الشاشة بواقعية متلفزة ولباقة من يملك فريق تمثيل قوي

أسوأ الرؤساء
إجمالا؛ يظهر ستون رئيس الولايات المتحدة الثالث والأربعون كشخص خامل وفقير المعلومات وسطحي وضحل وغبي ولا يحترم أبويه وطريقة كلامه تقترب من التهريج أكثر من الحديث وغير قابل على التطور وكما يظهر السيناريو تحريضيا بطريقة غير عادلة - حتى فنيا - وهو استنتاج سياسي في محاكمة بوش سينمائيا لدعم الفكرة القائلة إنه أسوأ الرؤساء الأميركان على الإطلاق وهو أسهل المخارج في تبني هذه الشخصية. ألا يدفع الفيلم المواطن الأميركي إلى التساؤل عن سبب إنتاجه عشية الانتخابات، وكيف استطاع العيش ثماني سنوات برئاسة هذا الرجل الأخرق؟ والذي شاهد فيلم «نيكسون» سيشعر أن ستون افتقد تلك المغامرة ورفعة التصوير والنسيج الموثق تاريخيا بشكل جيد المنسجم مع مخيلة موفقة. ففي الشريط الراهن هناك لخبطة وتشوش وغياب التوثيق بالقضايا التي جرت خلف الكواليس والأحداث ينبغي أن تقع في سياقها التاريخي وتقديمها بهذا الشكل سيكرسها لدى الكثير من المشاهدين كحقيقة واقعة. أما الكلمات المهمة التي كان يقولها بوش، فدعاها ستون تطرح عرضا كالتهام الرئيس السندويتشات في نقطة ما أثناء الحديث، ناهيك عن إساءة استخدام الألفاظ.
العناصر الفنية
لم يهتم ستون بالبصريات أبدا وسيطرت عليه الصورة المقربة المشوهة والهامشية مع الإضاءة الغامضة والتكلف في الصوت واختيار الموسيقى (وضعها بول كانتيلون) وكأنها للسخرية لا لتثبيت الموقف الدرامي. وعلى الرغم من الأداء الرائع لجوش برولين، فإنه لم يتفاد التشنج اللاإرادي لمحاكاة جورج بوش وهو لم يساعد جيمس كرومويل الذي لم يكن مقنعا بدور بوش الأب.

حذف الشريط بالكامل كل المرحلة ما بين بوش السكير والمنفلت وبوش حاكم الولاية والمسيحي التقي

عناصر السقوط
ما الذي حصلنا عليه من هذا الفيلم: إن بوش سيئ وتشيني مراوغ وباول جيد والرجل غير المناسب في المكان الخاطئ وأن الولايات المتحدة قدر لها أن يحكمها رجل أكبر أحلامه كانت أن يضمه فريق للبيسبول يركض فيه بالمجان.إن كارثة الفيلم سببها تأثره بالحساسية الغريبة لأوليفر ستون من جورج بوش علاوة على السرعة في الإنتاج وهذان العنصران قد يقودان إلى توضيح بنائه المبعثر الذي تخبط على أرض غريبة في الفن يسمونها: منتصف الطريق. وتبقى مشكلة فيلم W الرئيسية أنه حسب المثل الروسي: «لا سمك ولا لحم»؛ فهو ليس هجاء ولا عملا وثائقيا ولا روائيا ولا سياسيا ولا إيديولوجيا ولا إعلان سياسيا لتشويه السمعة ولا كوميديا ولا يحمل مفاجآت ولا يحمل صبغة خيالية؛ هو لا نار ولا ثلج ولعله في النتيجة بلا طعم ولا رائحة.