07‏/01‏/2010

عودة كاميرون ملبيا ثأره ومؤكدا أعجوبته


في سياق الخيال العلمي، يعود المخضرم جيمس كاميرون في أول عمل بعد «تيتانيك» موجها حلم محاربه زوي سالدانا طوال 166 دقيقة متضمنا عدة عقود من الخيال وأربع سنوات من الواقع.
ساهمت في الإنتاج برامج عديدة حاولت اكتشاف العالم المخفي حيث استندت إلى بعض كتب التاريخ كخبطة موفقة لإنعاش شباك التذاكر، لاسيما ان ميزانية الفيلم فاقت 230 مليون دولار، ذلك لإرضاء طموحات كاميرون ودفعه للعودة لأفلام الأساطير والخيال العلمي والذي أثبت بدوره، أنه قادر على قيادة دفة الإنتاج الكبير.
مجال حركة الحكاية واضح وبسيط، سنكون في سفينة فضائية عام 2154 بصحبة جندي المارينز المشلول جايك (سام ورذينجتن) سينزلق عبر الفضاء اللامع وفي ظروف انعدام الجاذبية على كوكب بعيد ومسكون. ولا بد من تسجيل فضل جيمس كاميرون في ابتكار ودفع هذا الطراز من الأفلام وهو واحد من أهم صناع سينما الخيال العلمي التي تهوى تقديم البطل المنقذ بلا مشاعر عميقة، كون الرحلات غير العادية التي يقوم بها، لا تفسح المجال لمثل هذه التفاصيل الدرامية.
كائنات وعوالم
ويبدو أن المخرج أشرف على تصميم أبطاله من رأسهم حتى أقدامهم، وأراد أن يكونوا كبقية الزوار البشر إلى معسكر باندورا، على أن يشبهوا «المواطنين» هناك، لنمسك بالحبكة الأولى والرئيسية للفيلم الذي يخصص الجزء الأول منه لرحلة جايك ومغامرته مع كائنات كاميرون الزرقاء والمألوفة بعيونها المميلة وآذانها المضطربة كالقطط والأشرطة المقوسة التي تخطط جلدهم الملون كالغسق.
ولجايك أفاتاره الذي يعلق فيه من خلال المحسسات التي تمنحه قدرة على الجري السريع والقفز وتحرير جسده من القيود، رغم أنه يتلقى الأوامر من العقيد ميليس كوارتيش كرمز للقوة العسكرية الأميركية.
التقنيات تشتغل
ويلاحظ أن كاميرون يفضل الصور المتحركة لتأمين أساسيات قصته لغاية إمساكه بالتفاصيل من خلال حوار سطحي لم يتدبره كاتب نثر موهوب، حتى عندما اجتمع جايك مع أنثاه التي تكررت في كل أفلام كاميرون تقريبا.
وهي أفكار المخرج نفسه منذ منتصف التسعينات، غير أن التقنيات وقتها لم تسعفه لتجسيدها، لم يستطع تحويل أفكاره إلى صور كما نجح في «أفاتار»، ولوقت قريب كان يعاني التقنيات الرقمية الجديدة لكي يحصل على أدواته الضرورية.
لا يهمنا إن كان ملك العالم يضع نصب عينيه خلق عالم آخر أو أي فكرة بليدة أخرى، فالذي يحرضنا في «أفاتار» جيمس كاميرون نفسه الذي حرض السينما منذ فترة طويلة لإدخالها في العوالم الغريبة والمشاهد المدهشة والمناظر الفريدة.
ومجددا، كتب كاميرون المخطوطة كاملة لـ«أفاتار» قبل 15 عاما، لكنه آثر الانتظار حتى تتطور تقنيات التأثيرات البصرية لكي تصنع عالمه المتخيل بثقة.
من هذه الزاوية ننظر إلى شريطه الجديد، وعلى هذا المستوى نحصي نقاط انتصاره، لافتين الانتباه إلى أن توظيفه للأبعاد الثلاثية لم يكن لضرورات فنية، بل لتحسين الرؤية، فبدونها سيبقى عمله البصري مغريا.
وماذا يمكن القول عن الأداء لو كانت الصور مولدة من الحاسوب الذي تولى قيادة دورة المخلوقات الغريبة، بتموجها وطيرانها ووخزها وإظهارها كما لو كانت حية برعدها وصراخها ولمعان أسنانها.
وينبغي الاعتراف بأن الشريط توج انتصار التقنية التي تصنع عالم العجائب بنباتاته وحيواناته، بمخلوقاته الوردية وزهوره.
كوكب متكامل
لقد قدمت التقنيات كوكبا متكاملا مجسدة حلم جون سميث في «العالم الجديد» أو الروايات التي بحثت عن «جنة عدن»، لكن أبعاد كاميرون الثلاثية ضربت افتراضات العين وضخمت تجربة ما يمكن أن نطلق عليها: سينما المنظر، وبدلا من أن يسحبك الفيلم بالخدع المألوفة للـ widescreen، فان صورة الـ Imax مليئة بالعمل الكبير لـ D 3، وبذلك تم إغلاق الفضاء.
بمعنى آخر: جلب تقنيو كاميرون الفيلم إليك. ولم يتكىء كاميرون على طرافة الأجسام والصور المتحركة بالأبعاد الثلاثية فحسب، بل أجاد اللعب بالأدوات التكنولوجية، لأنه منتج أفلام قديم ولا يريد من مشاهده رؤية صور رآها من قبل، طموحه أن نضيع في عالمه، وإذا نفقد فيه، فذاك أفضل المراد. هذه جرأة جيمس كاميرون التي أرضت السينما والجمهور على حد سواء، كونه مخترعا منذ تجاربه السينمائية الأولى، ومحبا للحكايات السحرية (الأكبر من الحياة الواقعية)، ومحترفا في إعادتنا إلى العالم المفترض – المفقود – الخيالي، فهو يسلينا مرة، وينورنا مرات وأحيانا يكتسحنا برهبته، وهو بهذا الشريط، أثبت أنه – بعد غياب 12 عاما من هوليوود – عاد إلى الشاشة ملبيا ثأره، مؤكدا اعجوبته.

ليست هناك تعليقات: