‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما روائية - وثائقية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما روائية - وثائقية. إظهار كافة الرسائل

03‏/07‏/2009

مايكل جاكسون في السينما

PDF


عرف العالم مايكل جاكسون كأحد أهم أساطيره الموسيقية، لكن ليس كل العالم مطلعا جيدا على إسهاماته في السينما، لاسيما في مجال الموسيقى التصويرية والمؤثرات الأخرى وكذلك تطويره لما يعرف الآن «الفيديو كليب» أو الموسيقى المصورة بتحقيقه طفرة نوعية فيها أجبرت شركات «متخصصة بالبيض» مثل «أم تي في» لتقديم هذا الفتى المنحدر من أصول أفريقية لأغنية Thriller التي عمل فيها خيرة الفنيين في هوليوود وأنتجت بمبلغ يفوق الكثير من الأفلام الروائية وساهمت في ظهور نموذج جديد للأغنية المصورة سينمائيا. وهكذا، لم يكن ملك البوب غريبا عن عالم السينما، سواء لعبه أدوار البطولة، أو ظهوره الشرفي في بعض الأفلام، ناهيك عن موسيقاه المصورة التي أبهرت المشاهدين في زمانه.

مخرجون كبار
والمثير أن سيناريوهات أغانيه وكذلك إخراجها قام بها كبار المخرجين في العالم مثل مارتن سكورزيسي في أغنية Bad وجون لاندز أخرج Thriller و«هم لا يهتمون بنا» They Don't Care About Us، وديفيد فينتشر لأغنية «من هو؟» ?Who Is It ونحو 20 أغنية مصورة قدمت «مايكلنا المفضل».

The Wiz
فيلم مغامرة موسيقي أخرجه سيدني لوميت عام 1978 وقامت ببطولته ديانا روز كمعلمة للأطفال من أصول أفريقية في حي هارلم المكتظ بهم: مايكل جاكسون ونيبسي روسل ولينا هورني وتيد روس وتيريزا ميريت وريتشارد بريور وستانلي جرين.. وأنتجه روب كوهين.
سيناريو جويل شوماخر عن رواية شعبية لفرانك بوم يحيلنا الى العالم السريالي لذوي الأصول الأفريقية في نيويورك الذين اعتمد عليهم الشريط كليا؛ أولئك الرجال المختلطين مع حاويات القمامة، العمال الذين يقضون يومهم في كسب العيش والأطفال الذين يعرفون الموسيقى أكثر مما تحويه المكتبة العامة للمدينة. اعتمد الشريط على المسرحية الغنائية لبرودواي وأغاني لوثر فاندروز الذي أطلق وقتها مجموعة من موسيقاه الجديدة بالاعتماد على مجموعة songwriting نيكولاس آشفورد وفاليري سيمبسن.
وبالرغم من أن الفيلم فشل تجاريا ونقديا وأشر إلى نهاية نهوض أفلام الأميركيين الأفارقة التي كانت قد نشطت بفضل الحركة الفنية Blaxploitation في مطلع السبعينات، فإنه رشح إلى أربع جوائز للأكاديمية السينمائية كأفضل: اتجاه فني، تصميم وملابس، موسيقى أصلية وأفضل إنتاج.
حبكته بسيطة محورها يدور على المعلمة دوروثي (ديانا روس) التي تعيش مع عمتها (تيريزا ميريت) وعمها هنري (ستانلي غرين) الانطوائي جداً، وبدورها تحاول دوروثي الاستقلال بحياتها.
وفي غضون الاحتفال بعيد الشكر، يحاول كلب دوروثي (توتو) استقبال العيد بطريقته، فينسل من باب المطبخ ليتيه وسط عاصفة ثلجية ويتحتم عليه مواجهة المدينة لأول مرة، ليقابل في الصباح التالي مايكل جاكسون ويتصادقان بمشاركة العديد من سكان الصفيح والمومسات والسحرة والمشردين، ليجنح الشريط نحو المطاردات والمغامرات التي تتخللها الموسيقى والرقص مذكرتنا بأغنية «لا تستطيع الربح» لمايكل جاكسون و«أسفل الطريق» لمايكل ودايان روس التي غنت «البيت» أيضا، وهو فيلم للحنين لا يوجد سبب لدينا الآن لمراجعة عيوبه.

المشي على القمر
قدمه المخرج كولون تشيفرز عام 1988 بعد أربع سنوات من الإعداد بعنوان جانبي «الأسطورة تستمر»، من إنتاج دينيس جونز وجيري كرامير، كتب السيناريو ديفيد نيومان مستندا الى قصة كتبها مايكل جاكسون نفسه وأدار التصوير جون هورا وموسيقى بروس بروتون وشارك مايكل جاكسون كل من: شون لينون وكيلي باركر وبراندون آدامز.
والشريط قريب الى أن يكون السيرة الذاتية لمايكل جاكسون، وهو قطعة موسيقية مليئة بالرقص والأطفال والمؤثرات الجديدة وقتذاك، ويبدو كأن السيناريو اهتم بربط أغاني مايكل جاكسون بعضها مع الآخر وأفلح في تقديم شريط منظم ومحترف وممتع في الوقت نفسه. خلال 93 دقيقة يسترجع الشريط أغاني مايكل المبكرة حينما كان مع مجموعته يقلدون أغاني براندون آدامز والتعليقات التي نالها جاكسون في الصحف الشعبية تصاحبها قطع من الصور المتحركة التي نفذها جيم بلاشفيلد ومحاولات مايكل الصغير في تحوير أغاني البيتلز بأسلوبه الخاص، لاسيما تقليده الإنسان الآلي وحركاته المبتكرة التي عشقها العالم في غضون تصويره الأغنية التي تحمل الاسم ذاته.

رجل في المرآة
سيرة سينمائية أنتجت عن حياة مايكل جاكسون عام 2004، متنقلة في محطات مختلفة من حياته المشحونة بالمال والشهرة والغرابة والفضيحة والنجاح والعزلة والحزن.
مراجعة مؤلمة منذ بداياته الشجاعة مع عائلته البائسة في غاري ومن ثم أنديانا ومجموعة «جاكسون – 5» لغاية نجاح ألبومات الثمانينات حتى الهبوط القياسي لمبيعاته واتهاماته بالسلوك المنحرف مع الأطفال في مدينة الملاهي التي شيدها في Neverland.
بينما التسعينيات تنتهي، يبدأ مايكل بتوضيح سلوكه في المقابلة التي صاحبها برنامج وثائقي ( الأولى مع أوبرا وينفري 1993 والثانية الأبرز في نهاية التسعينات مع مقدم لا أتذكره) يتحدث فيها الموسيقي المشهور جدا تحت ضوء خافت معترفا بحبه للعلاقات مع الأطفال ويعتبرها مجرد علاقات إنسانية دافعها العطف والحب، تلك الاعترافات التي قادته في النهاية ليوضع تحت الحراسة المشددة وتجذب الكثيرين لإلقاء التهم عليه من كل صوب.
نعتقد أن دقائق الفيلم الـ 86 كانت معصورة بلا موسيقى، بحيث لا تمنح المجال لا العطف على ملك البوب ولا الغضب عليه، كما أن الشريط قفز على مراحل كثيرة من حياة مايكل لا تعفي أي مرآة لتجاهلها. والفيلم أنتج في وقت غير مناسب، حيث كان العالم يتابع أخبار محاكمة جاكسون والظروف المتعبة التي كانت تحيط به، ناهيك عن التقديرات التافهة التي تم تكديسها ضد ماضي الطفل السابع لعائلة جاكسون ومشاجراته مع أبيه القاسي والتقييم السطحي لثقافة البوب والتركيز على سلوك جاكسون الشاذ لمشاركته السرير مع الأطفال وكأنه يحاول رمي هذه القنبلة التي لم تعد كذلك بعد محاكمة الموسيقي العلنية.
سيتم تفادي شهادات راعيته الروحية الصديقة والممثلة إليزابيث تايلور ودس ممثلة مغمورة للعب دور جانيت جاكسون كما الحال بالنسبة لكريستا راي وليسا ماري بريلسي كزوجة محبطة لا تملك أي حيلة تجاه زوجها الغريب.
ومن الواضح أن قصة مايكل جاكسون لم تكتبها وتخرجها السينما بعد، ولعل الفترة اللاحقة مهيأة لحدث فني من هذا النوع، ولكي يظهر فيلم سينمائي عن ملك البوب، عليه البداية مع ذلك الطفل الذي اجتاز الطريق وحيدا ووضع مسافة ما بين المبدع الكبير وفضائحه ولا ينبغي أن يتحول الفن إلى سوط يجلد من شيده.
لقد كان شريط «رجل في المرآة» رخيصا ولم يتحمل ثقل الملك ومنخفضا حتى في المعايير الفنية واعتماده على شرائط الفيديو لم يكن موفقا بالمرة، ناهيك عن توقيت عرضه الخبيث.

ألم يكن هذا الرجل مفيدا؟!
ملك الموسيقى الشعبية بلا منازع، أثر على كل الأجيال التي ظهرت بعده (لا يقارعه غير الفيس بريسلي والبيتلز) واستطاع إدخال التصوير السينمائي بقوة في أغانيه وحشد فيها سيناريوهات مثيرة وساعد على انتعاش الفيديو وأدخل تقنيات للرقص معقدة جدا كالإنسان الآلي والمشي على القمر والتحكم الرهيب بجسمه أثناء الميلان بزاوية 45 درجة إلى الأمام وأسلوبه الصوتي المتميز الذي غيـّر الهيب هوب والبوب المعاصر عبر أجيال غير محددة.
ومايكل جاكسون تهوى الصحافة نشر أنباء «شذوذه»، ولسبب ما تتحاشى ذكر تبرعه بمئات الملايين من ثروته لبناء مؤسسات نافعة. فقد كان يدعم 39 جمعية خيرية ورعى ماليا مركز بروتمان الطبي في مدينة كولفير في كاليفورنيا و«صندوق الزنوج» الذي كان يضخ فيه سنويا نسبة محددة من إيراداته، ودعاه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان والسيدة نانسي ريغان في مايو 1984 ليسلموه درع الإنجازات الخيرية باسم الأمة الأميركية وكان يتبرع بعد كل جولة خارجية بمليوني دولار للفقراء بغض النظر عن لونهم وجنسهم، كذلك تبرع بكل إيرادات فيلم «رجل في المرآة» إلى الفقراء.
وهذا الرجل كتب بالمشاركة مع ليونيل ريتشي كلمات وموسيقى أغنيته الشهيرة «نحن العالم» التي حولت أنظار المجتمع الدولي لمساعدة الفقراء في أفريقيا وخصص 20 مليون دولار من مبيعاته لمكافحة المجاعة. وبعد تحطيمه الرقم القياسي في أحد الجولات التي ربح فيها 125 مليون دولار منح أغلبها إلى المستشفيات وملاجئ الأيتام والمنظمات الخيرية المختلفة.
وأسس مايكل مؤسسة «المشفى العالمي» عام 1992 التي كانت ترسل ملايين الدولارات كل عام إلى أطفال الدول التي تهددها الحروب والأمراض. كما تبرع بحقوق إذاعة أغانيه عبر «أتش بي أو» التي اعتبرت صفقة قياسية حينها، لمراكز بحوث الأيدز، وفعل الشيء نفسه بعوائد حضوره تنصيب الرؤساء جورج بوش وبيل كلينتون.
نال 13 جائزة غرامي ( بما فيها أفضل ألبوم للأطفال وجائزة خاصة سميت باسمه «الأسطورة الحية» في الدورة 35 في لوس أنجلوس ) وباع 750 مليون تسجيلا متنوعا مع 133 حفلا موسيقيا ضخما حول العالم وسجل الرقم القياسي في عدد الجمهور الذي يحضر حفلا موسيقيا حينما استمع إليه 4.4 ملايين شخص بشكل مباشر.

19‏/12‏/2008

.w


افتتح مهرجان دبي الدولي في دورته الخامسة بفيلم W، المنتج بميزانية قليلة لم تتعد الخمس والعشرين مليون دولار تجرأ فيها أوليفر ستون للمرة الثالثة في تقديم سيرة حياة الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش بعد أن قدم البراءة الأميركية في «جي أف كي» - 1991 و فساد السلطة في «نيكسون» - 1995 بشكل معقول. وبدا الأمر وكأن هذا المخرج الذي يمتلك موهبة خاصة، يميل إلى التخصص بالرؤساء الأميركان ولاسيما المثيرين للجدل. وكما أن جورج بوش لم يكن شخصا عاديا وفي سيرته الكثير مما يقال على الشاشة وعلى الورق، فإن ستون غير عادي أيضا باهتماماته سواء الفنية منها أو السياسية. لا نعتقد أن أهداف ستون «الباطنية» تخصنا كثيرا في غضون معالجتنا الشريط من وجهة نظر النقد السينمائي المجرد، كما نجد من الضروري - ومن وجهة نظر النقد الفني فحسب ــ الإشارة إلى إصرار ستون وفريق المنتجين لعرض الفيلم لأول مرة في الولايات المتحدة في 16 أكتوبر 2008. ويمكن تصور حالة الاستعجال التي تملكت فريق الفيلم، لو علمنا أن الكاميرات سجلت اللقطات الأولى في مايو والشريط عرض على الجمهور العام في أكتوبر تفصله أيام عن انتخابات نوفمبر. لأوليفر ستون طاقة كافية لصناعة الأفلام واختار ممثلين معروفين في الأداء المحترف يتقدمهم جوش برولين الذي حمل شخصية جورج بوش الابن، ولكن فترة أقل من خمسة أشهر كتنفيذ لفيلم بهذا الحجم، قد تكون قياسية وخاصة في الجوانب الفنية والتكنيكية. كما أن تقديم الفيلم في صالات العرض في وقت تتدنى فيه شعبية الرئيس الأميركي المغادر وظيفته عن قريب، لم تكن عادلة نسبيا، مادام الشريط أباح لنفسه الهجاء مرة والتقليدية في السرد مرة أخرى، فيما حرص على تقديم أحداث يعرفها الصحافيون المبتدئون. وبذلك افتقد منذ دقائقه الأولى لحس السينما المغرمة بالتشويق والإثارة حتى في تعاملها مع أكثر القضايا جدية ومع أنه يعتبر الفيلم الأول الذي يعرض سيرة رئيس أميركي وهو في السلطة، إلا أن التعامل معه لم يكن رحيما ولا مجاملا، فيما ابتلى مدير الفيلم بكثير من الرجال والنساء المحيطين بالرئيس بوش منذ فتوته، وكان عليه في غضون 130 دقيقة أن يغمر كلا منهم بوافر من موضوعيته.


قفزات صحافية
وإذا كان السيناريو اعتمد كليا على تقارير كتبها مئات الصحافيين على حد قول أوليفر ستون في أكثر من مقابلة، فإن الشريط نفسه اعتمد فنيا على قفزات الريبورتاج الصحافي، أكثر منه على السرد الروائي. وثمة أحداث تلهت فيها الصحافة الأميركية لفترة من الزمن وتركتها بعد أن أصابت القراء بالملل، كالمشاحنات المستمرة بين بوش الأب والابن ومعاناة الوالد من ولده الذي لا ينفع لشيء سوى معاقرة الخمر والتسكع في الحانات والأبرشية الغريبة التي انضم إليها، مهددا سمعة آل بوش، بل ومقوّضها، في وقت يقدم فيه الشريط بوش الأب (جيمس كرومويل) كأرستقراطي متزن يملك الحكمة والعمق والهدوء والبصيرة يواجه ابنا منفلتا بالعبارة: «هل تعتقد بأنك كندي؟» لغاية وصول النقاش الليلي بينهما مرة أن يحاول الابن الاعتداء على والده بالضرب لولا تدخل اللحظة الأخيرة من الأم باربرة بوش ( إلين برستون).
الأحداث تهرول
لم ينجح الشريط في إنجاز التاريخ النفسي للأحداث ولم يمهل السيناريو فرصة الدخول في أعماق الشخصيات وكانت الأحداث تهرول مع الزمن لكثرتها وتشابكها وأعطى التدفق السريع لها الانطباع وكأن أحدا لم يكتبها، وهذه مشكلة عامة لأي فيلم نصفه روائي والنصف الآخر وثائقي وعلى المشاهد متابعة الشخصية الرئيسية من دون منحه فرصة لالتقاط الأنفاس: التسكع في الحانات، النشاط في الأبرشية، العلاقة العاطفية الأولى، العراك المستمر والليلي مع الأبوين اللذين لا ينامان أبدا، العمل في حقول النفط، الدخول في كلية الأعمال في هارفرد، الترشح إلى الكونغرس، بدء العلاقة العاطفية مع لورا (اليزابيث بانكس) السيدة المهذبة والمثقفة والتي تعيش مع الكتب أكثر مما ترى الناس والتي أدركت نواقص الرجل الذي تودد لها منذ اللقاء الأول، فقررت دعمه والسير معه حتى النهاية.



Oliver Stone On "W"

حذف المراحل
ولكن أحدا من المشاهدين لم يستوعب المبرر الذي جعل بوش الشاب يستبدل وعلى نحو مفاجئ القنينة بالمسيح بعد بلوغه الأربعين، هذا الشاب الذي لم تستوعب أمه باربرة الخبر الذي جاءها من زوجها، لتهتف بشكل هستيري: «حاكم تكساس؟! أنت بالتأكيد تنكت». لقد حذف الشريط بالكامل كل المرحلة ما بين بوش السكير والمنفلت وبوش حاكم الولاية والمسيحي التقي، لم نشاهد حملات انتخابية ولا تحالفات سياسية ولا إعداد شخصية للمرشح ولا أي سمات تقنعنا في تبدل الشخصية من شاب يسكن في الحانات لرجل يحكم ولاية النفط. إننا أمام تهور وثائقي صريح لا يملك حسن النية ولا مهارة وربما انحرافا في الحكم على إنسان تفاداه كتاب سيرته وأجلسوه مباشرة من أقبية الحانات إلى كرسي الحاكم بطريقة بدت كأنها كاريكاتيرية. فماذا عن صبره الكبير في هارفرد ومعاناته في ترك الإدمان وصعوبة القرار التي اتخذه في التحول من شخصية إلى أخرى وماذا عن دور لورا في هذا التغيير الساحر في شخصيته، بما لا يقبل الشك، كان لهذه المرأة دورا فريدا في تكوين الشخصية الجديدة لبوش الذي ظهر مجروحا بالرفض وتفضيل والديه أخاه الأصغر جيب عليه في المقارنات اليومية لكونه فعل كل شيء لتلطيخ تراث العائلة.

الشريط اعتمد على قفزات الريبورتاج الصحافي أكثر منه على السرد الروائي

رئيس بلا مقدمات
إن السينما الجادة تحسب كل ميليمتر في أشرطتها، إلا أن سحب الممثلين ومعهم المشاهدين بهذه السرعة، تخرجهم عن التاريخ وقواعده وما كانت الشاعرية سترهق الفيلم لو وضعت بطريقة ما وربما كانت استمالت مع التاريخ المرتب بمهل وأعطت الشريط وزنه الحقيقي. لقد وصل بوش إلى البيت الأبيض من خلال الشريط بحس إيحائه الخاص الذي مهده بالقول إن الله دعاه ليكون رئيسا في وقت كانت أكبر أحلامه أن يكون لاعبا للبيسبول، عدا مشهد قصير لعبه شخص مركب نظراته مخيفة (ستايس كيش) الذي كان يوعظ بوش وساعده في استقامته الدينية وبعدها مباشرة هبط عليه الإيحاء الرباني المذكور.
الفريق الشهير
ولدينا سؤال غريب: هل كان فعلا الرئيس جورج دبليو بوش لا يكلم نائبه ديك تشيني (ريتشارد دروفوس) إلا عندما يتناول طعامه؟! وهل كان رئيس الولايات المتحدة بشعا بالفعل حينما يتناول طعامه بحيث ينظف يديه في طبقه الذي يأكل فيه، ولا يغسلهما حتى بعد تبوله ! هل كان بوش يتعامل مع فريقه بطريقة فتيان الحانات وخاصة مع تشيني (واضح احتقار ستون لهذا الشخص وإبرازه كشخصية استحواذية وتآمرية وماكرة) وكولن باول (جيفري رايت) ودونالد رامسفيلد (سكوت جلين) حتى والجميع يناقش قضية خطيرة كالتعامل مع القاعدة والمعتقلين واستراتيجية الخروج من العراق؟ لا نعرف بالتحديد مغزى اللعبة التي مارسها ستون في تصوير الجلسات الخاصة في مناقشة ومتابعة عملية احتلال العراق من قبل بوش وفريقه وإن كان قصد المخرج هجوهم أو أن المشاهد كانت ناتجا عرضيا للقطات لم تنظم جيدا. الملاحظة الفطنة من ستون أنه لم يظهر بوش كدمية لفريقه ولاسيما تشيني حيث قال له مرة بشكل سلس: «يدفعك غرورك أحيانا إلى أن تنسى بأنني الرئيس».من جانب آخر، ألم يكن واضحا امتزاج الفن التلفزيوني بالسينمائي الذي أصابه الضرر، فأغلب مشاهد المكتب البيضاوي واجتماع مجلس الوزراء كانت تؤدى حسب قواعد التصوير التلفزيوني وليس السينمائي.

تهور وثائقي صريح لا يملك حسن النية ولا مهارة وربما انحراف في الحكم على إنسان تفاداه كتاب سيرته

الانتصارات والكوارث
تم تحميل الشريط أيديولوجيا، وهو رأي المخرج أوليفر ستون بجورج بوش الذي قاله صراحة في كلمته في افتتاح مهرجان دبي السينمائي ولم يفاجئ أحدا من الجمهور. لكن الذي يكتب التاريخ يعرض انتصاراته وكوارثه بإنصاف ومطلوب الرمزية أحيانا لدعم العمل الفني، فالكتابة الصحافية شيء والسينما فن آخر مختلف تماما. ولا يوجد من المشاهدين من يجد متعة في النط ّ من تكساس إلى بغداد ويتابع البيت الأبيض كأنه في سفرة سياحية. ولعل ستون ذهب إلى المناطق السهلة في بوش ليقدمها على الشاشة بواقعية متلفزة ولباقة من يملك فريق تمثيل قوي وقلص المسافة الجمالية، بل قطعها أكثر من مرة. ويتكئ الفيلم أكثر على الكوميديا من المأساة حتى وهو يعرض صور الجرحى والقتلى العراقيين بطريقة الحشو، وهي كوميديا الأخطاء التي أدخلت على الشريط بقصد ويحق لنا أن نسأل السيد ستون إن كان يملك الحق في حشر الموتى واستغلالهم في فيلم تجاري، ومن الواضح أن المخرج لا يستطيع بلوغ غاياته من دونهم.
الحقائق والفن
ويبدو أن مدير الفيلم مسرور بـ «الحقائق الواقعية» نظرا إلى إصراره على البقاء فيها لمساحة عريضة في الشريط وهو لا يجد نفسه بحاجة إلى التنقيب في أعماق «الحقائق»، بل فضل إبقاءها وإبقاءنا معها معلقين. وهو راغب في عرض كونداليزا رايس (تاندي نيوتن) تحافظ على ابتسامتها في وقت كان بوش يملأ المكان بالضجيج ورامسفيلد متكبرا ومحتقرا سلطة الرئيس بتهذيب وكولن باول كيـّسا ومقتصدا الكلمات وباربرة بوش تهوى عض أصابعها في وقت تحتاج فيه إلى استخدام دماغها وكأن المخرج وبطله خرجا من مرحلة ضبط النفس حينما تصل القرارات إلى إغراق العالم: سواء في الفيلم الواضح أو الواقع المروع.

ستون ذهب إلى المناطق السهلة في بوش ليقدمها على الشاشة بواقعية متلفزة ولباقة من يملك فريق تمثيل قوي

أسوأ الرؤساء
إجمالا؛ يظهر ستون رئيس الولايات المتحدة الثالث والأربعون كشخص خامل وفقير المعلومات وسطحي وضحل وغبي ولا يحترم أبويه وطريقة كلامه تقترب من التهريج أكثر من الحديث وغير قابل على التطور وكما يظهر السيناريو تحريضيا بطريقة غير عادلة - حتى فنيا - وهو استنتاج سياسي في محاكمة بوش سينمائيا لدعم الفكرة القائلة إنه أسوأ الرؤساء الأميركان على الإطلاق وهو أسهل المخارج في تبني هذه الشخصية. ألا يدفع الفيلم المواطن الأميركي إلى التساؤل عن سبب إنتاجه عشية الانتخابات، وكيف استطاع العيش ثماني سنوات برئاسة هذا الرجل الأخرق؟ والذي شاهد فيلم «نيكسون» سيشعر أن ستون افتقد تلك المغامرة ورفعة التصوير والنسيج الموثق تاريخيا بشكل جيد المنسجم مع مخيلة موفقة. ففي الشريط الراهن هناك لخبطة وتشوش وغياب التوثيق بالقضايا التي جرت خلف الكواليس والأحداث ينبغي أن تقع في سياقها التاريخي وتقديمها بهذا الشكل سيكرسها لدى الكثير من المشاهدين كحقيقة واقعة. أما الكلمات المهمة التي كان يقولها بوش، فدعاها ستون تطرح عرضا كالتهام الرئيس السندويتشات في نقطة ما أثناء الحديث، ناهيك عن إساءة استخدام الألفاظ.
العناصر الفنية
لم يهتم ستون بالبصريات أبدا وسيطرت عليه الصورة المقربة المشوهة والهامشية مع الإضاءة الغامضة والتكلف في الصوت واختيار الموسيقى (وضعها بول كانتيلون) وكأنها للسخرية لا لتثبيت الموقف الدرامي. وعلى الرغم من الأداء الرائع لجوش برولين، فإنه لم يتفاد التشنج اللاإرادي لمحاكاة جورج بوش وهو لم يساعد جيمس كرومويل الذي لم يكن مقنعا بدور بوش الأب.

حذف الشريط بالكامل كل المرحلة ما بين بوش السكير والمنفلت وبوش حاكم الولاية والمسيحي التقي

عناصر السقوط
ما الذي حصلنا عليه من هذا الفيلم: إن بوش سيئ وتشيني مراوغ وباول جيد والرجل غير المناسب في المكان الخاطئ وأن الولايات المتحدة قدر لها أن يحكمها رجل أكبر أحلامه كانت أن يضمه فريق للبيسبول يركض فيه بالمجان.إن كارثة الفيلم سببها تأثره بالحساسية الغريبة لأوليفر ستون من جورج بوش علاوة على السرعة في الإنتاج وهذان العنصران قد يقودان إلى توضيح بنائه المبعثر الذي تخبط على أرض غريبة في الفن يسمونها: منتصف الطريق. وتبقى مشكلة فيلم W الرئيسية أنه حسب المثل الروسي: «لا سمك ولا لحم»؛ فهو ليس هجاء ولا عملا وثائقيا ولا روائيا ولا سياسيا ولا إيديولوجيا ولا إعلان سياسيا لتشويه السمعة ولا كوميديا ولا يحمل مفاجآت ولا يحمل صبغة خيالية؛ هو لا نار ولا ثلج ولعله في النتيجة بلا طعم ولا رائحة.

04‏/08‏/2008

Trumbo

تريمبو فاز بالأوسكار باسمه الحقيقي وبأسماء مستعارة

منذ زمن طويل لم تحشد هوليوود طاقتها لتقدم في نهاية 2007 أحد أفضل إنتاجها في فيلم الوثائق - الروائي تبنته «أفلام صاموئيل جولدين» بإخراج أداره بيتر آسكين وسيناريو أعده كريستوفر تريمبو وطوال 96 دقيقة عمل نجوم هوليوود مثل: مايكل دوغلاس، جوان ألين، براين دينهي، بول غيماتي، ناثان لين، جوش لوكاس، وليام نيسون، ديفيد ستارثرين ودونالند سوثرلند، على تقديم سيرة مخلصة للكاتب والسيناريست وأحد أهم مؤسسي هوليوود دالتن تريمبو بالاعتماد على رسائله المؤثرة التي كتبها بعد اعتقاله وإدراجه ضمن القائمة السوداء وحرمانه من الكتابة، بالرغم من حصوله على الأوسكار. وكان سيناريو كريستوفر تريمبو (هو ابن دالتن تريمبو وكتب الكثير من السيناريوهات والمسرحيات الجادة والناجحة) قد عرض على المسرح ولاقى نجاحا كبيرا، الأمر الذي شجع المنتجين على المغامرة في تقديمه إلى السينما، ليتحول إلى أعمق شريط شابه إلى حد كبير مميزات كتابة تريمبو الاستثنائية والمرحة والساحرة والمرنة بشكل مدهش.

Trumbo interview-Director Peter Askin

صيد «الحمر»
يتوقف الشريط في المرحلة الخربة والمتوترة جدا التي عرفها أحد أبطال الفيلم «الخزي الوطني» والممتدة من 1938 - 1975 والتي كانت مادة للكثير من الأفلام، بما يسمونها مرحلة «صيد الساحرات» (التسمية مأخوذة من عصر الهرطقة الأسود الذي شنت فيه الكنيسة الحرب على كل من يفكر في مناقشة أفكارها وتصرفات رجالها وأحرقت فيه 5 ملايين امرأة على الأقل لأنهن كن يحاولن التفكير). لكن «صيد الساحرات» الأميركي في الفترة المذكورة كان حملة شنها الكونغرس بتضامن مع 6 أجهزة أمنية خاصة للبحث واجتثاث اليساريين بالتركيز على من أسموهم «الحمر» الذين كان وجودهم في هوليوود يتسع تدريجيا وهي المعروفة في تاريخ هوليوود بالقائمة السوداء لـ «عشرة هوليوود» وهم كبار كتاب السيناريو في ذلك الوقت الذين خاف الكونغرس من تغلغلهم في صناعة السينما لحملهم أفكار عدت «تقدمية».


The HUAC Hearings

الممثلون العشرة
لقد استطاع 10 من أهم نجوم هوليوود بالصورة والصوت تجسيد كتابات تريمبو وقرأوا رسائله وجسدوا معاناته قبل وبعد معركته مع الأجهزة الأميركية الخاصة ومن ثم سجنه بقرار من الكونغرس أكثر مما هو من المحكمة الفيدرالية العليا ولم يمنح فرصة التعديل الخامس لدفاعه. وقدم آسكين إنجازا فنيا رائعا بما في ذلك تضمينه لمقاطع فيديو وثائقية لدالتن تريمبو ولم يمر مشهد دون أن يغرز فيه الأفكار التي كانت ترن مباشرة ومنذ الدقائق الأولى يمنح الفيلم فرصة مشاهديه أن يخرجوا من صالة العرض أكثر ثقافة. وهو محطة مهمة لمن يريد التعرف على أعظم كتاب السيناريو في تاريخ هوليوود أمثال : هيربيرت بيبرمان، ليستر كول، إدوارد دميتريك، لارندير، جون هاوارد لاوسن، ألبرت مالتز، صموئيل أورنتز، أدريان سكوت وبطلنا دالتن تريمبو الذي ترك حيواناته الأليفة وهوليوود التي ساهم في تشييدها ليزج في سجن تحاول هذه المؤسسة الفنية الكبيرة أن ترد له الاعتبار بعد نصف قرن.
تريمبو النموذج
لقد كان دالتن تريمبو بشهادة معاصريه وكتاب تاريخ السينما والأدب رجلا نموذجيا وكاتبا ذا إحساس مذهل والاتهام الذي تعرض له وواجهه بأفكاره، برهن، كما برهن الفيلم، على أن إصراره على محاكمة محكمته أهم علامات تلك المرحلة، لقد نسي الاتهام الموجه إليه، وبدأ يحاكم مرحلة سوداء من تاريخ الحريات الأميركية. وهكذا سيوضع تريمبو في القائمة السوداء لهوليوود (1947) ويزج به في السجن (1950) ولا أحد ممن اتهموه حاول أن يتفوه بكلمة واحدة عن تهمته وماهيتها وذنبه الحقيقي، فحتى تهمة الميول اليسارية كانت تثير الذعر في أفواه مطلقيها. لم يكن لهم في تلك الأوقات أفضل من وضع غير المرغوب فيهم في القوائم السوداء وعزلهم عن الحياة العامة بإبعادهم في السجون. وما استطاعوا ذكره في بيان الحكم، أن السبب في حكمه «التأديبي» لـ«احتقاره الكونغرس»! كل هذه الآلام تعرض لها تريمبو، ليس لأنه منتم إلى تنظيم يساري محظور، بل لأنه رفض أن يتحول إلى مجرد واش للجنة النشاطات المعادية التابعة للكونغرس المسماة «HUAC» ويكشف من يتداول ويتكلم بالأفكار اليسارية من بين العاملين في هوليوود، ليصد، في نهاية المطاف، الأذى عن الكثيرين من «جالية هوليوود اليسارية» كما كانوا يسمونهم في ذلك الوقت، وحمى بصمته العديد من كتاب السيناريو والممثلين والمخرجين والكوادر الفنية الأخرى الذين ظهر أبناؤهم الآن وكل من عاصره ليقدم هذا الشريط، كامتنان لأحد رموز الفن السينمائي الجاد في القرن العشرين.

Hollywood 'Red' Probe Begins, 1947/10/20

في القائمة السوداء
بعد خروجه من السجن عام 1951 التصق اسمه في القائمة السوداء لغاية عام 1975 (المحزن أن دالتن تريمبو المولود عام 1905 توفي بعد أشهر من حل هذه اللجنة وسجل العام 1976 موعدا لنهاية أفضل كاتب سيناريو في عصره)، وحرمت هوليوود وفن السينما منه، ولأنه لا يستطيع العيش من دون كتابة (ليس بالضرورة النشر)، فقد شرع بكتابة رسائله (إلى التاريخ على الأرجح الذي أنصفه نهاية عام 2007). وكان محور رسائله التي كتبها من منفاه في المكسيك، اللجنة سيئة الصيت «HUAC» مركزا على مسألة تضييق الحريات والعدالة وتوسيع الحياة المدنية وندد بالاستبداد المغلف من الهلع الأحمر.لقد لخص دالت موقفه أمام المحكمة ببساطة وحزم: «أنا لست بمخبر، أنا مواطن ووطني جيد».
بواكير العمل
قبل بضع سنوات اتفق ابنه كريستوفر مع المخرج آسكين لإنتاج مسرحية حول أبيه، واستعانوا بالمادة الوثائقية ورسائله التي أعتقت مطلع هذا القرن، لكن رسائل دالتن كانت قاعدة سيناريو الابن. وتحولت هذه المسرحية إلى شريط وثائقي ـــ روائي الذي هو موضوعنا الآن يظهر فيه دالتن وكريستوفر بصيغة الراوي وتكفل الممثلون البقية في أداء الأجزاء المهمة في تلك المرحلة ولاسيما المحكمة الشهيرة، ولم يفت آسكين إضافة مقاطع أرشيفية عن لجنة « HUAC» التي يخجل من ذكرها الأميركان المعاصرين.
أداء مذهل
لا يمكن نسيان الأداء المذهل لمايكل دوغلاس وبول غيماتي ووليام نيسون بشكل خاص الذين حولوا موضوعا بمنتهى القسوة بالنسبة للمشاهد، ولعله مضجرا لأمزجة الكثيرين، إلى بهجة لمراقبة تمثيلهم الذي أصبح شبيهه نادرا في سينما هوليوود، وربما كان اعتمادهم على أسلوب دالتن تريمبو اللطيف، الحاد، اللبق والحقيقي، قد ساعدهم في الخروج بأداء منح الكلمة لحما ودما.
The Hollywood 10

اللجوء إلى الوثائق
ولابد من الإشارة إلى أن المخرج آسكين أدرك أن ما سيعرضه لجمهور القرن الواحد والعشرين قد يواجه ببعض الاستغراب وعدم التصديق لما كانت تفعله لجنة «HUAC»، لذلك اضطر إلى عرض خلفية هذه اللجنة وظروف إنشائها والآلية التي عملت فيها وكيف أخذت فصلا من التاريخ الأميركي، ولم يكن أمامه سوى اللجوء إلى الوثيقة والشريط الأرشيفي ليعزز مصداقية السيناريو لدى أجيال لم تتصور أن أميركا المعاصرة ومؤسساتها «الديموقراطية» يمكنها التصرف على هذا النحو. هذا الميل إلى التسجيل لم يكن أكثر من اللازم وأوضح السياق فحسب، الأمر الذي جنب الشريط القصة إعادة تصوير تاريخ ليس ببعيد مع الإبقاء على قوة ومتانة الشخصية المحورية بملمس تقني مهد الانتقال بين الوثائقي والروائي بطريقة جذابة في معظم الانتقالات. أما نهاية الفيلم المثيرة للجدل، فلا نرى أننا مجازون لانتقاد رؤية آسكين في طريقة إنهاء شريط تريمبو، حتى لو نملك رؤى أخرى للمعالجة. وهل بالإمكان القول إن في الشريط الكثير من كلام دالتن على حساب الحركة وأي مشاهد يستطيع التغلب على ضجره وتحمل مقاطع طويلة من رسائل تريمبو التي كلفت الإيقاع السينمائي والتشويق كثيرا. كما أن الاكتشاف الصادق لقضية حصلت، لاسيما سياسية، لا يمكن أن تنسجم مع السينما كصناعة ترفيه وهذه النظرية من وجهة نظر هوليوودية المؤسسة التي تبنت إنتاج مثل هذا الفيلم، وبالنتيجة، فهي مهمة شاقة أن تجمع الصدق والنقل والاكتشاف والأفكار والبصيرة والترفيه في شريط واحد.
مراوغة السيناريو
وإن كانت تأسر تريمبو الابن في غضون كتابته السيناريو، إلا أنه لم يعان من المباشرة في خوض إجحاف تعرض له والده، لذلك لم يقدم قصة سوداء حتى لو كان منفى دالتن أسود بما فيه الكفاية. استطاع السيناريو أن يراوغ بحيادية وبسخرية في جوانب عديدة حول القصة الواقعية، ليتمكن من سحب أكثر عدد من الجمهور إلى منصة المحاكمة ويضعهم في «قفص دالتن» ليحكموا أنفسهم، إن كان الفيلم فعلا مدعوا لاطمئنان الجيل المعاصر في أحقية موقف تريمبو الأب في التصدي والتضحية بموهبته وترقيه الفني الذي أوصله إلى الظفر بالأوسكار (رشح للأوسكار عام 1940 عن مخطوطته Foyle)، مفضلا المنفى عن المجد لينقذ رقاب زملائه. (دالتن تريمبو صانع السينما الأمهر كتب من منفاه باسم مستعار «روبرت ريتش» وفاز أيضا بالأوسكار عام 1956! أعماله الفائزة بالأوسكار: النزوح الجماعي وسبارتاكوس). كان يبيع مخطوطاته التي كتبها تحت 13 اسما مستعارا مستخدما قدرته وشجاعته الطبيعية للدفاع عن حقه في الكتابة والعمل حتى آخر يوم في حياته. وفوزه بالأوسكار باسم ريتش هو في حقيقة الأمر إعلان لموت «القائمة السوداء». والمثير أن الممثل الرائع كيرك دوغلاس هو الذي مثل في سبارتاكوس، فيما ابنه مايكل دوغلاس وابن دالتن تريمبو يعملان شريطنا الحالي. وهي قصة لم تحدث في منتصف القرن الماضي فحسب، بل تتكرر في أيامنا وستبقى وصمة في مستقبلنا، ومن هذه الزاوية كان الشريط أنينا تحذيريا، غنيا بالشجاعة والأفكار والعنف والمرارة وهو في كل مقاييس الفن أنجز هدفه بنبل من الناحية الإنسانية وبتفوق من وجهة نظر الفن الراقي.
توضيح تاريخي
إن قصة تريمبو مهمة ومؤثرة بما فيه الكفاية وخاصة نقلها لأحداث الثلاثينات ولغاية السبعينات. ففي الثلاثينات كان الحزب الشيوعي الأميركي (بلغ عدد أعضائه وقتذاك 80 ألف وهو عدد قليل وصفوهم مزحا أنهم أقل عددا من الأيائل، لكن يمكن تصور فداحة هذا الرقم بالنسبة للكونغرس لو عكسنا الوضع بشكل معاصر، لو يسمع الكونغرس الآن أن هناك 80 ألف أميركي متحالف مع تنظيم «القاعدة»). ومع ذلك كان الحزب الشيوعي هو الحزب الوحيد في الولايات المتحدة الذي عارض الفاشية علنا ويواجه الأنظمة الدكتاتورية التي ظهرت قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية وكان السوفيت في الظاهر حلفاء للأميركان، لذلك سكتت السلطات الأميركية عن نشاطات الحزب الشيوعي الأميركي لكي لا تثير ستالين، لكنها بعد نهاية الحرب ظهرت الكراهية والعداء وبدأت عملية «صيد الساحرات» بتشكيل لجنة «HUAC»، بعض الممثلين خشوا من تدهور وضعهم، استسلموا وتعاونوا معها عدا «عشرة هوليوود» الذين كان تريمبو أشهرهم في ذلك الوقت، ففضل السجن والإقصاء من العمل والنفي الى المكسيك.
مقامرة تجارية
ومنذ فترة طويلة، لم تجازف هوليوود في إنتاج فيلم متيقنة أنه لن ينجح تجاريا، وبالرغم من مشاركة الشريط في كل المهرجانات السينمائية الرصينة في العالم بدءا من مهرجان تورنتو، إلا أن أحدا من شركة «أفلام صاموئيل جولدين» لم يضع في حسابه ربحا ماليا، رغم أن مبيعاتهم من نسخ الـ DVD قد يفلح موزعهم الدولي وليم موريس في تعويض خسائرهم عن الإنتاج، ونسجل هنا بكل تبجيل موقف ممثلي هوليوود العشرة الكبار الذين تطوعوا مساهمة منهم في رد الاعتبار لكاتب السيناريو العبقري. أشهر أعماله
من أفلامه الشهيرة: النزوح الجماعي، سبارتاكوس، بابل، ثلاثون ثانية على طوكيو، عطلة رومانية، جوني حصل على بندقيته، الشجاع الأوحد، وغيرها من الأفلام التي كتبها بأسماء مستعارة.

03‏/08‏/2008

مهر ذهبي للموتى

Under The Bombs

مهمة صعبة للغاية تصوير فيلم روائي عن الحرب خلال الحرب، فمن الناحية الفنية سيمتزج الوثائقي مع النص بأسلوب 'الدراما التسجيلية' ويحتاج من يدير الفيلم إلى فهم وقدرة على الخروج بأبطال حقيقيين في الرؤية التي تناسب السيناريو وهذا ما نجح فيه إلى حد بعيد المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي لكونه استند على خبرة 40 فيلما وثائقيا وروائيا قصيرا الذي توجه بالنضج الكافي في شريطه 'بوسطة' الذي كان أول الأفلام الاستعراضية الغنائية اللبنانية بعد الحرب الأهلية والمنتج عام 2005 ومثل لبنان في جوائز الأوسكار لعام 2006. يقدم عرقتنجي فيلم 'تحت القصف' ليفوز به بجائزة المهر الذهبي لمهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الرابعة وهو إنتاج لبناني ـ فرنسي ـ بريطاني مشترك حقق صداه الواسع في مهرجان فينيسيا الأخير حينما شاهد الجمهور أناسا من الواقع المرير لحرب تموز 2006 يشتركون تقريبا في كل تفاصيل الشريط بانسجام مقبول مع أداء الممثلين الرئيسيين ندى أبو فرحات (خطفت جائزة احسن ممثلة في المهرجان) وجورج خباز الذي امتص كل قسوة الأحداث بتمثيل حي وبارع وعميق.



حقوق الكومبارس

وقد يثير الفيلم مسألة لم تحل بعد، تخص الحقوق العامة، أولئك الذين اقحموا في الفيلم من دون أن يعلموا أنه فيلم روائي وليس وثائقيا وهل من الجائز ـ أخلاقيا ـ تصوير الاضطراب الفظيع لأناس في لحظة حرجة وموتى أو مشاهد عزاء وتشييع وجرحى ومدرسة للاجئين وجدوا أنفسهم مضطرين لتقبل كاميرا غريبة ومجهولة الأهداف في خضم الكم الهائل من الكاميرات التي كانت تنقل الحرب؟ أخلاقيات الفن والحرب وإذا تم تجاوز أمر تصوير مشاهد حية تخص الناس من الناحية الشخصية وكذلك الموتى، فثمة أمر كريه آخر يخص الجانب الإنساني، وهو أن ندى أبو فرحات التي تحمل اسم زينة تعود من دبي حيث يعمل زوجها رجل الأعمال لغرض البحث عن ابنها كريم البالغ عمره 6 سنوات الذي تركته يقضي الصيف عند خالته في المنطقة الجنوبية (خربة سلم) في ظروف عائلية معقدة تسير نحو انفصالها عن زوجها لكن الحرب باغتت الخطط العائلية غير المواتية أيضا، تسأل الناس العاديين وكأن لديها فعلا ابنا مفقودا، وبالنتيجة ستتلقى عطفهم ومساعدتهم وتلك الشهامة لدى أبناء البلد، وهؤلاء الذين لا يعرفون أن كل الأمر ما هو إلا فيلم روائي يشتركون في الأحداث من دون إذن وهو سؤال إشكالي يطول الحديث عنه لو تأملنا القضية من زاوية 'أخلاقيات الإعلام'.


Under the bombs - Scenes 1



تغييرالنمط الوثائقي

تصل زينة إلى لبنان عن طريق تركيا، لأن المطار مضروب والموانئ محاصرة نجد زينة تصرخ بلوعة (الممثلة البارعة وليس الأم التي فقدت ابنها فعلا) في نقطة وصولها تجمعا للسائقين: 'في حدا رايح ع الجنوب'، وسيجيبونها أن الوضع هناك لا يسمح لأي منهم في الوصول، وهنا ستكشف هويات أناس حقيقيين تملصوا من مساعدة أم في موقف كهذا.

لكن فيليب عرقتنجي يغير النمط الوثائقي عندما تعثر على توني (جورج خباز) الذي يعمل سائقا لتاكسي ويوافق أن يرافقها في هذه الرحلة التي تنحصر قضية الفيلم فيها، إلا أن دافعه في البداية كان ماديا، سرعان ما يتحول إلى تعاطف شديد مع قضية هذه المرأة الوحيدة التي لم تتقبله في البداية أيضا، بل وكانت تحتقره لصفته الانتهازية.

لا وجود لسيناريو

ومن الواضح أن سيناريو ميشال ليفيان لا يعتمد على حبكة معقدة أو مصنوعة أو مبتكرة، هو سهل جدا وربما مرتجل، لكونه اعتمد على أحداث حصلت لجميع من عاش تلك الأيام، لم يضف إلا شيئا بسيطا وتقريريا، وهو أن المرأة مسلمة والرجل مسيحي وهما بتعاضدهما سينجوان نحو حافة الأمل واللقاء مهما كانت الظروف تسبح ضدهما.

فيه بعض السياسة عبر عن رأي سائد في لبنان، ولا يوجد أفضل أن يميت السيناريو شقيقتها (مها) ورفض (زينة) المشاركة في التشييع الرسمي الذي تتكاثر فيه الأعلام اللبنانية ورايات حزب الله، مفضلة الجلوس والبكاء لوحدها معبرة عن وجهة نظر أصحاب الفيلم بأن هذه ليست حربها.

أما توني، فشقيقه طوحت به الحرب الأولى ليلتحق مع جيش لحد إلى إسرائيل وتبدأ عنده احلام الهجرة بعد أن فقد كل شيء في الوطن الخارج من الحرب والتيه.





دوافع الإخراج

ولعل فيليب كما يقول، بدأ التصوير وكله إحساس بالكراهية للعدو، لكنه انتهى منه وكله حب للشهداء الذين سقطوا وهنا تعلم الدرس الذي وصفه في كلمة واحدة في حفل توزيع الجوائز وهو أن الفن ينبغي أن يكون 'صرخة ضد الكراهية'.

يبرر فيليب عرقتنجي تصويره للموتى في شريطه الروائي بأنه: 'أردت تقديم الحرب بشكل مختلف ولم أكن راغبا في عرض الموتى على الجمهور، لكنهم كانوا هناك، تحت الأحجار والأنقاض، لذلك عملت الفيلم لهم'.

لكن من جانب آخر، إن المخرج وكاتب السيناريو وضعا الخطوط العامة وفي الميدان كانت الأحداث والظروف والنجاح أو الفشل الكفيلة بتحديد مسار الكاميرا مع الاحتفاظ بالجو الروائي العام الممزوج بتفاصيل ساذجة كالمعلومات التي حصلت عليها بأن ابنها أنقذه صحافيون فرنسيون (لماذا فرنسيون بالذات، هل لكون الفيلم إنتاجا فرنسيا مثلا؟!).

الساحة جاهزة والابتكار بسيط

لقد كانت الحرب جاهزة بالنسبة إلى فريق المنتجين ولم يحتاجوا إلى بناء مدن وتهديمها وتفجيرات ودبابات (حتى الجيش اللبناني تم تصويره من دون علمه على الأرجح أن ما يجري فيلم روائي)، بمعنى أن الساحة مهيئة تماما لتصوير حكاية من داخل الحرب وليس أسهل من ابتكار علاقة إنسانية بين مسيحي ومسلمة في إطار لا يحتاج إلى أي عبقرية. وعدا ندى وجورج كل الذين ظهروا في الفيلم لاجئون ومتظاهرون ومدنيون ومسؤولو منظمات غير حكومية وجنود وصحافيون، كل مثل دوره كما عاش لحظتها. هذا لا يعني أن فيليب عرقتنجي وجد الحرب بانتظاره ليصور حبكته البسيطة، فجهده جبار في تلك الأوقات التي لا يمكن للمرء العثور على قطرة ماء نقي، وإذا به يدير فريقا كاملا ليقدم سينما جادة ليست بالضرورة متفوقة فنيا، إلا أن 'تحت القصف' كان مناسبا لهكذا شريط ظهر من تحت لهيب النيران والغدر والبطش وتكاتف الناس العظماء والشد الرومانسي الطاهر وموسيقى فاعلة ومونتاج كلف دينا شراره الكثير من الطاقة والدقة والحرفية.




صاحب الجوائز

لم تكن جائزة المهر الذهبي الأولى التي يحصل عليها 'تحت القصف'، حيث سبق أن حصل في غضون عرضه في أيان فينيسيا السينمائية على جائزتين الأولى جائزة 'إي آي يو سي' لحقوق الإنسان والثانية 'أي آر سي أي' للمبدعين الشباب.

وعرقتنجي واحد من أهم المخرجين اللبنانيين المعاصرين وقدم العديد من الأفلام التسجيلية عن حرب لبنان وأنتج البرنامج التلفزيوني الناطق بالفرنسية 'فسيفساء' وشارك في أكثر البرامج التلفزيونية نجاحا في فرنسا وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان مونتريال عام 1995 وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان بيروت السينمائي عام 1996 والجائزة الذهبية في باريس 1994 وسيرته الفنية مليئة بالجوائز.