04‏/08‏/2008

Trumbo

تريمبو فاز بالأوسكار باسمه الحقيقي وبأسماء مستعارة

منذ زمن طويل لم تحشد هوليوود طاقتها لتقدم في نهاية 2007 أحد أفضل إنتاجها في فيلم الوثائق - الروائي تبنته «أفلام صاموئيل جولدين» بإخراج أداره بيتر آسكين وسيناريو أعده كريستوفر تريمبو وطوال 96 دقيقة عمل نجوم هوليوود مثل: مايكل دوغلاس، جوان ألين، براين دينهي، بول غيماتي، ناثان لين، جوش لوكاس، وليام نيسون، ديفيد ستارثرين ودونالند سوثرلند، على تقديم سيرة مخلصة للكاتب والسيناريست وأحد أهم مؤسسي هوليوود دالتن تريمبو بالاعتماد على رسائله المؤثرة التي كتبها بعد اعتقاله وإدراجه ضمن القائمة السوداء وحرمانه من الكتابة، بالرغم من حصوله على الأوسكار. وكان سيناريو كريستوفر تريمبو (هو ابن دالتن تريمبو وكتب الكثير من السيناريوهات والمسرحيات الجادة والناجحة) قد عرض على المسرح ولاقى نجاحا كبيرا، الأمر الذي شجع المنتجين على المغامرة في تقديمه إلى السينما، ليتحول إلى أعمق شريط شابه إلى حد كبير مميزات كتابة تريمبو الاستثنائية والمرحة والساحرة والمرنة بشكل مدهش.

Trumbo interview-Director Peter Askin

صيد «الحمر»
يتوقف الشريط في المرحلة الخربة والمتوترة جدا التي عرفها أحد أبطال الفيلم «الخزي الوطني» والممتدة من 1938 - 1975 والتي كانت مادة للكثير من الأفلام، بما يسمونها مرحلة «صيد الساحرات» (التسمية مأخوذة من عصر الهرطقة الأسود الذي شنت فيه الكنيسة الحرب على كل من يفكر في مناقشة أفكارها وتصرفات رجالها وأحرقت فيه 5 ملايين امرأة على الأقل لأنهن كن يحاولن التفكير). لكن «صيد الساحرات» الأميركي في الفترة المذكورة كان حملة شنها الكونغرس بتضامن مع 6 أجهزة أمنية خاصة للبحث واجتثاث اليساريين بالتركيز على من أسموهم «الحمر» الذين كان وجودهم في هوليوود يتسع تدريجيا وهي المعروفة في تاريخ هوليوود بالقائمة السوداء لـ «عشرة هوليوود» وهم كبار كتاب السيناريو في ذلك الوقت الذين خاف الكونغرس من تغلغلهم في صناعة السينما لحملهم أفكار عدت «تقدمية».


The HUAC Hearings

الممثلون العشرة
لقد استطاع 10 من أهم نجوم هوليوود بالصورة والصوت تجسيد كتابات تريمبو وقرأوا رسائله وجسدوا معاناته قبل وبعد معركته مع الأجهزة الأميركية الخاصة ومن ثم سجنه بقرار من الكونغرس أكثر مما هو من المحكمة الفيدرالية العليا ولم يمنح فرصة التعديل الخامس لدفاعه. وقدم آسكين إنجازا فنيا رائعا بما في ذلك تضمينه لمقاطع فيديو وثائقية لدالتن تريمبو ولم يمر مشهد دون أن يغرز فيه الأفكار التي كانت ترن مباشرة ومنذ الدقائق الأولى يمنح الفيلم فرصة مشاهديه أن يخرجوا من صالة العرض أكثر ثقافة. وهو محطة مهمة لمن يريد التعرف على أعظم كتاب السيناريو في تاريخ هوليوود أمثال : هيربيرت بيبرمان، ليستر كول، إدوارد دميتريك، لارندير، جون هاوارد لاوسن، ألبرت مالتز، صموئيل أورنتز، أدريان سكوت وبطلنا دالتن تريمبو الذي ترك حيواناته الأليفة وهوليوود التي ساهم في تشييدها ليزج في سجن تحاول هذه المؤسسة الفنية الكبيرة أن ترد له الاعتبار بعد نصف قرن.
تريمبو النموذج
لقد كان دالتن تريمبو بشهادة معاصريه وكتاب تاريخ السينما والأدب رجلا نموذجيا وكاتبا ذا إحساس مذهل والاتهام الذي تعرض له وواجهه بأفكاره، برهن، كما برهن الفيلم، على أن إصراره على محاكمة محكمته أهم علامات تلك المرحلة، لقد نسي الاتهام الموجه إليه، وبدأ يحاكم مرحلة سوداء من تاريخ الحريات الأميركية. وهكذا سيوضع تريمبو في القائمة السوداء لهوليوود (1947) ويزج به في السجن (1950) ولا أحد ممن اتهموه حاول أن يتفوه بكلمة واحدة عن تهمته وماهيتها وذنبه الحقيقي، فحتى تهمة الميول اليسارية كانت تثير الذعر في أفواه مطلقيها. لم يكن لهم في تلك الأوقات أفضل من وضع غير المرغوب فيهم في القوائم السوداء وعزلهم عن الحياة العامة بإبعادهم في السجون. وما استطاعوا ذكره في بيان الحكم، أن السبب في حكمه «التأديبي» لـ«احتقاره الكونغرس»! كل هذه الآلام تعرض لها تريمبو، ليس لأنه منتم إلى تنظيم يساري محظور، بل لأنه رفض أن يتحول إلى مجرد واش للجنة النشاطات المعادية التابعة للكونغرس المسماة «HUAC» ويكشف من يتداول ويتكلم بالأفكار اليسارية من بين العاملين في هوليوود، ليصد، في نهاية المطاف، الأذى عن الكثيرين من «جالية هوليوود اليسارية» كما كانوا يسمونهم في ذلك الوقت، وحمى بصمته العديد من كتاب السيناريو والممثلين والمخرجين والكوادر الفنية الأخرى الذين ظهر أبناؤهم الآن وكل من عاصره ليقدم هذا الشريط، كامتنان لأحد رموز الفن السينمائي الجاد في القرن العشرين.

Hollywood 'Red' Probe Begins, 1947/10/20

في القائمة السوداء
بعد خروجه من السجن عام 1951 التصق اسمه في القائمة السوداء لغاية عام 1975 (المحزن أن دالتن تريمبو المولود عام 1905 توفي بعد أشهر من حل هذه اللجنة وسجل العام 1976 موعدا لنهاية أفضل كاتب سيناريو في عصره)، وحرمت هوليوود وفن السينما منه، ولأنه لا يستطيع العيش من دون كتابة (ليس بالضرورة النشر)، فقد شرع بكتابة رسائله (إلى التاريخ على الأرجح الذي أنصفه نهاية عام 2007). وكان محور رسائله التي كتبها من منفاه في المكسيك، اللجنة سيئة الصيت «HUAC» مركزا على مسألة تضييق الحريات والعدالة وتوسيع الحياة المدنية وندد بالاستبداد المغلف من الهلع الأحمر.لقد لخص دالت موقفه أمام المحكمة ببساطة وحزم: «أنا لست بمخبر، أنا مواطن ووطني جيد».
بواكير العمل
قبل بضع سنوات اتفق ابنه كريستوفر مع المخرج آسكين لإنتاج مسرحية حول أبيه، واستعانوا بالمادة الوثائقية ورسائله التي أعتقت مطلع هذا القرن، لكن رسائل دالتن كانت قاعدة سيناريو الابن. وتحولت هذه المسرحية إلى شريط وثائقي ـــ روائي الذي هو موضوعنا الآن يظهر فيه دالتن وكريستوفر بصيغة الراوي وتكفل الممثلون البقية في أداء الأجزاء المهمة في تلك المرحلة ولاسيما المحكمة الشهيرة، ولم يفت آسكين إضافة مقاطع أرشيفية عن لجنة « HUAC» التي يخجل من ذكرها الأميركان المعاصرين.
أداء مذهل
لا يمكن نسيان الأداء المذهل لمايكل دوغلاس وبول غيماتي ووليام نيسون بشكل خاص الذين حولوا موضوعا بمنتهى القسوة بالنسبة للمشاهد، ولعله مضجرا لأمزجة الكثيرين، إلى بهجة لمراقبة تمثيلهم الذي أصبح شبيهه نادرا في سينما هوليوود، وربما كان اعتمادهم على أسلوب دالتن تريمبو اللطيف، الحاد، اللبق والحقيقي، قد ساعدهم في الخروج بأداء منح الكلمة لحما ودما.
The Hollywood 10

اللجوء إلى الوثائق
ولابد من الإشارة إلى أن المخرج آسكين أدرك أن ما سيعرضه لجمهور القرن الواحد والعشرين قد يواجه ببعض الاستغراب وعدم التصديق لما كانت تفعله لجنة «HUAC»، لذلك اضطر إلى عرض خلفية هذه اللجنة وظروف إنشائها والآلية التي عملت فيها وكيف أخذت فصلا من التاريخ الأميركي، ولم يكن أمامه سوى اللجوء إلى الوثيقة والشريط الأرشيفي ليعزز مصداقية السيناريو لدى أجيال لم تتصور أن أميركا المعاصرة ومؤسساتها «الديموقراطية» يمكنها التصرف على هذا النحو. هذا الميل إلى التسجيل لم يكن أكثر من اللازم وأوضح السياق فحسب، الأمر الذي جنب الشريط القصة إعادة تصوير تاريخ ليس ببعيد مع الإبقاء على قوة ومتانة الشخصية المحورية بملمس تقني مهد الانتقال بين الوثائقي والروائي بطريقة جذابة في معظم الانتقالات. أما نهاية الفيلم المثيرة للجدل، فلا نرى أننا مجازون لانتقاد رؤية آسكين في طريقة إنهاء شريط تريمبو، حتى لو نملك رؤى أخرى للمعالجة. وهل بالإمكان القول إن في الشريط الكثير من كلام دالتن على حساب الحركة وأي مشاهد يستطيع التغلب على ضجره وتحمل مقاطع طويلة من رسائل تريمبو التي كلفت الإيقاع السينمائي والتشويق كثيرا. كما أن الاكتشاف الصادق لقضية حصلت، لاسيما سياسية، لا يمكن أن تنسجم مع السينما كصناعة ترفيه وهذه النظرية من وجهة نظر هوليوودية المؤسسة التي تبنت إنتاج مثل هذا الفيلم، وبالنتيجة، فهي مهمة شاقة أن تجمع الصدق والنقل والاكتشاف والأفكار والبصيرة والترفيه في شريط واحد.
مراوغة السيناريو
وإن كانت تأسر تريمبو الابن في غضون كتابته السيناريو، إلا أنه لم يعان من المباشرة في خوض إجحاف تعرض له والده، لذلك لم يقدم قصة سوداء حتى لو كان منفى دالتن أسود بما فيه الكفاية. استطاع السيناريو أن يراوغ بحيادية وبسخرية في جوانب عديدة حول القصة الواقعية، ليتمكن من سحب أكثر عدد من الجمهور إلى منصة المحاكمة ويضعهم في «قفص دالتن» ليحكموا أنفسهم، إن كان الفيلم فعلا مدعوا لاطمئنان الجيل المعاصر في أحقية موقف تريمبو الأب في التصدي والتضحية بموهبته وترقيه الفني الذي أوصله إلى الظفر بالأوسكار (رشح للأوسكار عام 1940 عن مخطوطته Foyle)، مفضلا المنفى عن المجد لينقذ رقاب زملائه. (دالتن تريمبو صانع السينما الأمهر كتب من منفاه باسم مستعار «روبرت ريتش» وفاز أيضا بالأوسكار عام 1956! أعماله الفائزة بالأوسكار: النزوح الجماعي وسبارتاكوس). كان يبيع مخطوطاته التي كتبها تحت 13 اسما مستعارا مستخدما قدرته وشجاعته الطبيعية للدفاع عن حقه في الكتابة والعمل حتى آخر يوم في حياته. وفوزه بالأوسكار باسم ريتش هو في حقيقة الأمر إعلان لموت «القائمة السوداء». والمثير أن الممثل الرائع كيرك دوغلاس هو الذي مثل في سبارتاكوس، فيما ابنه مايكل دوغلاس وابن دالتن تريمبو يعملان شريطنا الحالي. وهي قصة لم تحدث في منتصف القرن الماضي فحسب، بل تتكرر في أيامنا وستبقى وصمة في مستقبلنا، ومن هذه الزاوية كان الشريط أنينا تحذيريا، غنيا بالشجاعة والأفكار والعنف والمرارة وهو في كل مقاييس الفن أنجز هدفه بنبل من الناحية الإنسانية وبتفوق من وجهة نظر الفن الراقي.
توضيح تاريخي
إن قصة تريمبو مهمة ومؤثرة بما فيه الكفاية وخاصة نقلها لأحداث الثلاثينات ولغاية السبعينات. ففي الثلاثينات كان الحزب الشيوعي الأميركي (بلغ عدد أعضائه وقتذاك 80 ألف وهو عدد قليل وصفوهم مزحا أنهم أقل عددا من الأيائل، لكن يمكن تصور فداحة هذا الرقم بالنسبة للكونغرس لو عكسنا الوضع بشكل معاصر، لو يسمع الكونغرس الآن أن هناك 80 ألف أميركي متحالف مع تنظيم «القاعدة»). ومع ذلك كان الحزب الشيوعي هو الحزب الوحيد في الولايات المتحدة الذي عارض الفاشية علنا ويواجه الأنظمة الدكتاتورية التي ظهرت قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية وكان السوفيت في الظاهر حلفاء للأميركان، لذلك سكتت السلطات الأميركية عن نشاطات الحزب الشيوعي الأميركي لكي لا تثير ستالين، لكنها بعد نهاية الحرب ظهرت الكراهية والعداء وبدأت عملية «صيد الساحرات» بتشكيل لجنة «HUAC»، بعض الممثلين خشوا من تدهور وضعهم، استسلموا وتعاونوا معها عدا «عشرة هوليوود» الذين كان تريمبو أشهرهم في ذلك الوقت، ففضل السجن والإقصاء من العمل والنفي الى المكسيك.
مقامرة تجارية
ومنذ فترة طويلة، لم تجازف هوليوود في إنتاج فيلم متيقنة أنه لن ينجح تجاريا، وبالرغم من مشاركة الشريط في كل المهرجانات السينمائية الرصينة في العالم بدءا من مهرجان تورنتو، إلا أن أحدا من شركة «أفلام صاموئيل جولدين» لم يضع في حسابه ربحا ماليا، رغم أن مبيعاتهم من نسخ الـ DVD قد يفلح موزعهم الدولي وليم موريس في تعويض خسائرهم عن الإنتاج، ونسجل هنا بكل تبجيل موقف ممثلي هوليوود العشرة الكبار الذين تطوعوا مساهمة منهم في رد الاعتبار لكاتب السيناريو العبقري. أشهر أعماله
من أفلامه الشهيرة: النزوح الجماعي، سبارتاكوس، بابل، ثلاثون ثانية على طوكيو، عطلة رومانية، جوني حصل على بندقيته، الشجاع الأوحد، وغيرها من الأفلام التي كتبها بأسماء مستعارة.

ليست هناك تعليقات: