30‏/07‏/2008

ألوان وأطياف السينما الهندية



استحقت السينما الهندية أن يفرد لها برنامج خاص في مهرجان دبي السينمائي الدولي الرابع، ليس بسبب الحماس لكونها تنتج نحو ألف فيلم في العام تتحدث أكثر من 20 لغة، بل لغناها وتنوعها وفرادتها. افتتح احتفالية السينما الهندية فيلم 'صحوة الإيدز' وهو في حقيقته مكون من أربعة أجزاء أشرفت عليه بموهبتها البينة ميرا ناير يشاركها ثلاثة مخرجين كبار هم سانتوش سيفان وفيشال بارادواج وفرحان أخطر وبطبيعة الحال ميرا ناير بمساعدة ممثلين شبان بينهم شابان عزمي وعرفان خان وبي ساروجاديفي وبرابوديفا وشيني أهوجا ورامبا.تتوجه الآنسة ناير إلى المهاجرين وأطفالهم، العائلات التي تجد نفسها في بيئة غريبة تبحث عن هوية ثقافية جديدة ورجالها يبدون كما لو خرجوا من نسيج آخر مهتمة بالأرجوحة التي تطوح بالإنسان حينما لا يكون واثقا من الطريق الذي وضعته الأقدار ليسير عميقا فيه لغاية حصوله على صفة المفقود!فيلم مؤثر بشكل كبير وإن كان عنوانه يدمجه مع الأفلام الوثائقية، إلا أنه مرتب بمونتاج صاحي وربما نادر على شاشات هذه الأيام بالانتقالات التي ذكرتنا بفيلم 'بابل' ومربية الأطفال المكسيكية التي لا تعرف لماذا ينبغي عليها أن تشعر بالذل حتى في غضون تأديتها واجبها. أنه شريط يتحدى المجتمع الذي يفترض أنه يرغب في فقدان تقاليد أسلافه في انشطار ثقافي رغم اتحاده في الخلفيات والتعليم والغرائز.ليس غريبا أن يحمل شريط الآنسة ناير كل هذا التوتر والأسئلة الثقافية العميقة، فهي قد ولدت في الهند ودرست في هارفرد الأمريكية وتستقر الآن في نيويورك وتمر لبضعة أشهر لتفقد بيتها في نيودلهي وقصتها تعتمد كخلفية على رواية للكاتبة لا هاري المولودة في لندن من أبوين هنديين 'مترجم الأمراض' والفائزة بجائزة بوليتزر الروائية والتي صورت فيها الأناس البسطاء المربوطين ببلادهم الأولى التي اختارت الدنيا لهم أن يتجاوزها بشكل ما.وتحافظ ناير على تراثها الهندي محاولة دمجه بشكل غريزي في أغلب أفلامها مثل شريط 'فانيتي فير' الذي يبكي أبطاله الهند بحدة، حيث يكتشفون في النهاية أن الرومانسية ليست العامل الحاسم في الحياة دائما.ويبدو أن ناير تعكس حزنها الخاص في أشخاصها الذين يندبون ضياع الوطن وتفكك الأواصر العائلية مفضلين الموت في عاصفة ثلجية في نيوجيرسي على العودة إلى أرضهم ولا يمكن نسيان مشهد المأدبتين اللتين أقيمتا في العزاء: الأولى في نيويورك والثانية في كلكتا بذاك التفنن البصري الأخاذ الذي تصور فيه الجذور حينما تقلع كحالها في شريط 'بلادي الخاصة' المستندة على مذكرات لإبراهيم فيرغيسي أندروز 'المفقود' ذلك الهندي المولود في أثيوبيا ويعالج مرضى الإيدز كطبيب مهاجر أكثر تعلما من سواه في هذه القرية. ان التعقيد في تغيير ثقافات الأجيال المختلفة مليء في فيلم 'زفاف الرياح الموسمية' الذي يصور شابة ذكية من نيودلهي تترك كل شيء خلفها لتتزوج مذيعا في أميركا الذي يستعرض الحزن المذل الذي أحالنا إلى شريطها المذهل ' فلتسلم' المنتج في بومبي حول أطفال الشوارع الهنود. تمر ناير على الإرهاب في أفلامها وإن كانت تتحدث عن شيء آخر، لكن لا يفوتها أن تحدثنا عن أولئك الناس الذين كانوا مثلنا وأصبحوا مختلفين جدا فجأة (انتجت فيلما عميقا ومركزا جدا مدته 11 دقيقة عن أحداث 11 سبتمبر).

طوابع فردية
ان 'صحوة الإيدز' هو أربعة طوابع فردية لأربعة أفلام قصيرة تسافر إلى القلب لحملها كل الأبعاد الإنسانية، ليس بتصوير هذا الفيروس القاتل من وجهة نظر علم الأمراض، بل في حشر كل الأوبئة التي تطحن الناس وهم لا يعلمون وليس غريبا أن يحتفل به مهرجان دبي وقبله استوحى اهمية استثنائية في مهرجان تورنتو السينمائي وفي صالات العالم المختلفة في يود الإيدز العالمي، وفي كلمة لميرا ناير :' ان فيلمها لم يكن للتوعية حول الإيدز كما جرى الحال في معظم الأفلام التعليمية والوثائقية، بل لضم كل المحن في فيروس أطلقت عليه 'الضياع'! وشكرت مؤسسة مليندا جايتس التي ساعدتها لكي يخرج العمل كما رأيناه متقنا ومفيدا.
قبل الأمطار
في غضون 98 دقيقة وحوار باللغتين الإنكليزية والمالايامية (ترجم في العرض إلى العربية) يفلح هنري مورس (لينوش روش) وهو تاجر شاي بريطاني يعيش في الهند في أوقات الاحتلال البريطاني في ثلاثينيات القرن العشرين في الحصول على قرض لغرض شق طريق يصل إلى مركز ولاية كيرالا لدعم تجارته.هكذا تبدأ قصة فيلم 'قبل الأمطار' الذي أخرجه أحد أشهر مديري التصوير في السينما الهندية سانتوش سيفان بإنتاج أميركي 2007.سيستغل هنري غياب زوجته وابنه ليقيم علاقة مع خادمته الهندية ساجاني (نانديتا داس) والحبكة لا يفلت منها الإيحاء الرمزي في حيرة الأبطال الرئيسيين واستلاب وعيهم بين ثقافتين هما خياران في حقيقة الأمر وضعا في طريقهم المعبد الذي لا يفض بكارة الحقول الهندية فحسب، بل تلك البراءة الطيعة للطبيعة للمضي قدما نحو عالم انتهازي ومنحط وكلما تسقط فيه شجرة ستندم فتاة على خيبة جديدة.


مجمد
لقد كدس هذا الفيلم الكثير من الإطراء في المهرجانات الكثيرة التي عرض فيها وفوزه بالجائزة الخاصة بلجنة التحكيم في مهرجان 'أوشيان' السينمائي في دلهي، حواره باللغتين الهندية واللاداخية (أحداثه في مقاطعة لاداخ الهندية) ولسبب موضوعي فضل مخرجه ومنتجه شيفاجي شاندرا بهوشان وكاتب السيناريو المصور شنكر رومان أن يكون فلمهما بالأبيض والأسود ليحكوا لنا عن صانع مربى كارما (داني دنزونجيا) يقطن في منطقة بعيدة ومعزولة وثلجية داخل كوخ في جبال الهملايا مع ابنته الرومانسية لاسيا (جوري) وشقيقها الأصغر شومو أنجشوك). ستقتحم حياة هذه الأسرة الهادئة وحدات من الجيش الهندي وتختار مكانا قريبا من الكوخ ليكون معسكرا لها، لتبدأ سلسلة من الأحداث لم تكن إلا صراعا بين العفوية والطبيعة والقوى المكبلة للسكينة. حمل الشريط محتوى سياسيا موضوعيا، إلا أنه سائد أيضا، لكن شاندرا بهوشان عمل كثيرا في تصوير الصراع الهدام بين الجمال والقوة المستبدة، فهو شخصيا يعشق السفر في الدروب الجبلية الوعرة ويهوى تسلق الجبال وعكس مواهبه هذه في فيلمه الذي سجله استديو 'سيجل ميديا برودكشنو' الذي يملكه في بومباي.

أربع نساء
يقدم أسطورة السينما الهندية أدور غولبالا كريشنان فيلمه المميز العاشر وقسمه كما يوحي عنوانه إلى أربعة أجزاء، لكل منها حكايته الخاصة. ويبدو أن هذه الأجزاء حتى من عناوينها هي كل النساء فقد جاءت كالتالي: البغي، العذراء، ربة المنزل والعانس.والفيلم يصور كفاح أربع نساء في مجتمع ذكوري تتقوض فيه أحلامهن في المنطقة الجنوبية الهادئة كيرالا. لم يكتمل حب أي من النساء الأربع اللواتي ينقبن في يأسهن ووحدتهن والوفاء غير المثمر والانتظار الذي ضرب المشاهد بالحزن المكثف جدا الذي كفن النساء الأربع، وهن على الرغم من ذلك وجدن بعض الصبر والصمود والقلق المنصهر بالذنب والغضب والإغراءات السهلة وعناصر أخرى جلبت تعاطف الجمهور العميق مع استنتاجاتهن ورغباتهن وألغازهن.
خاصرات البنجاب تقدم
فاز هذا الفيلم بجائزة أفضل فيلم روئي طويل في الدورة 65 لمهرجان 'فيرست رن' السينمائي، يقدم المخرج مانيش أشاري بانوراما من الشخصيات التي تتنافس في مسابقة للغناء والرقص بأسلوب ال Bollywood منهم الممثل الفوضوي ورجل الأعمال الرومانسي ومغني الراب المثلي ومعلم لليوغا وسبعة من الغرباء الذين سيقضون وقتا مشتركا بكل ما فيه من مرح وتناقض ومفاجآت في مدينة نيوجيرسي الأميركية. الفيلم مبهج من ناحية الغناء والرقص، لكن الكوميديا فيه مضجرة ومقحمة وبدت كأنها شيء خاطئ في الفيلم، غير أن الأبطال كانوا واقعيين على الرغم من المصادفات التي تحبها السينما الهندية، لاسيما المبالغة فيها، لكن الشريط تنقصه أشياء كثيرة ليحمل طابع السخرية التي أراد مخرجه فرضها بسبب عشقه الكبير للسينما وكان الأفضل لو ترك حكايته تنساب بهدوء ليس كما يرغب المشاهدون أن يروا ودون الخوض في التقلبات الصغيرة التي سبقته إليه سينما هوليود، أما استخدام الموسيقى الراقصة وحركة الكاميرا معها، فقد جلبت البهجة التي تحدثنا عنها باتقان كل الممثلين لعملهم وأداء حسن قدموه لأكثر من ساعتين.


منجزات أخرى
ضمن احتفالية السينما الهندية أيضا قدم فيلم 'قصة التلال الحمراء' باللغة البنغالية عن حياة الراقص الشهير مانوهار (ميثون شاكر افارتي) المتخصص بأداء رقصة 'شو' القبلية الذي جعلته يهمل الاهتمام بحبيبته مالوتي (موميتا جوبتا) لذلك ستجبر على الزواج برجل آخر شييب (شنكر شاكرافارتي) لتلد منه نتيجة هذا القران غير المواتي ولدا معوقا، فيحاول الأب قتله، إلا أن مانوهار يمنعه من ذلك ويعيد ترتيب حياته، ربما برقصة 'جاترا' التي ستشفي الطفل المعوق وتجعله يقوم ويرقص على أنغامها. وهكذا تستطيع الموسيقى علاج العلل في الإنسان كما أراد الفيلم قوله. ويتحدث فيلم 'أطلق النار بمجرد المشاهدة' عن الإرهاب في لندن حيث تدور الأحداث بقيادة ضابط شرطة اسكوتلندرياد المسلم والمولود في لاهور الباكستانية طارق علي (نصر الدين شاه) الذي سيشرف على التحقيق في قضية مصرع شاب مسلم برصاص الشرطة بالخطأ حينما كان يهم بركوب المترو وكانت الشرطة تظن أنه يحاول تنفيذ عملية إرهابية.وفي حوار باللغتين الأوردية والهندية ينقلنا المخرج أكبر خان إلى قصة الحب الخالدة في شريط 'تاج محل' الحاصل على الكثير من الجوائز في المهرجان الوطني للسينما الهندية مراجعا قصة الحب بين الامبراطور شاه جيهان وزوجته ممتاز محل محتويا على الكثير من المشاهد التاريخية وأبهة القصور المنغولية التي كلفت ميزانية الفيلم 25 مليون دولار.

ليست هناك تعليقات: